موقف الفاتيكان من القدس وفلسطين

تاريخ الإضافة الثلاثاء 20 أيار 2008 - 6:22 م    عدد الزيارات 16494    التعليقات 0

        

إن المسيحية في الغرب تهودت منذ أن ضُمّ العهد القديم إلى الكتاب المقدس، وقد ترسخت لديها عقيدة خاطئة بأن فلسطين هي (بلاد اليهود) قديماً، ويجب العمل على إعادة اليهود إلى (موطنهم الأصلي) فلسطين، ونتيجة لذلك زورت التاريخ القديم لفلسطين. ولم تكتف بذلك بل اعتبرت أن الوجود العربي في فلسطين إنما جاء مع الفتوحات العربية الإسلامية، ولا علاقة له بفلسطين القديمة، والشعوب القديمة قبل الميلاد ليست بشعوب عربية!
على تلك الخلفية يمكن قراءة العقلية الفاتيكانية، وفهم موقفها تجاه قضية فلسطين التابع للرؤية الإمبريالية والمؤيدة للكيان الصهيوني. وخصوصيتها لا تتعدى الجانب الديني لأن فلسطين بالنسبة إلى الفاتيكان الأرضية الروحية التاريخية للديانة المسيحية، والقدس في معتقداته ذات طابع مقدس لأنها مدينة الله.
لذلك سارع الفاتيكان لتأييد احتلال بريطانيا لفلسطين والانتداب ووعد بلفور وقرار التقسيم، ثم الاعتراف بالكيان وتبادل العلاقات الديبلوماسية معه.. 
ثم فيما بعد تبنيه لرؤية الغرب من الحل السلمي وحل مشكلة اللاجئين ومباركة كامب ديفيد والصلح والاعتراف العربي بالكيان الصهيوني..
وكان يسارع إلى مرضاة الصهاينة كتبرئة البابا بولس السادس لليهود من دم المسيح في عام 1965. ونحن مع التبرئة ولكن من منطلق غير منطلق البابا، فاليهود الحاليون من أصول عرقية وإثنيات مختلفة ولا تربطهم أية علاقة بيهود التاريخ ولا باليهود المدانين زمن المسيح وسلالتهم لأنهم انقرضوا تاريخياً، ومن بقي اندمج في شعوب العالم. واليهودية ديانة فقط وليست عرقاً/ إثنية مطلقاً.. والتهود كان بابه مفتوحاً تاريخياً.
وقد اعتذر البابا يوحنا بولس الثاني لليهود عما فعلته أوروبا بهم ولا سيما ما يدعى بالمحرقة "الهولوكست"، بينما لم يعتذر للعرب والمسلمين عن الحروب الاستعمارية الصليبية القديمة، ولا عن جرائم الاستعمار الغربي الحديثة، ولا سيما أفظع جريمة ارتكبها بحق الشعب الفلسطيني!
لقد كان كان همه بعد الحرب الأوروبية الأولى أن تكون له السيطرة على الأماكن المقدسة المسيحية، وهذا دفعه إلى ممالأة بريطانيا وفرنسا وأمريكا والصهيونية لإقامة نظام خاص بالقدس مضمون دولياً (النظام الدولي الخاص بالقدس وجوارها: أبو ديس، بيت لحم، عين كارم، شوفاط) وهو يعني عملياً بنظر الفاتيكان الإشراف عليها لأن نسبة الكاثوليك هي الأكثر بين المذاهب المسيحية.  
لقد كان العرب والمسلمون يرفضون تدويل القدس لأنها مدينة عربية والتدويل يعني سرقتها العلنية منهم، بينما كان الصهاينة قبل قيام كيانهم مع التدويل، وكذلك لم يمانع من تدويل القسم الشرقي بعد قيامه وضم القدس الشرقية إلى الأردن، ولكنه عندما احتل القدس عام 67 جعلها عاصمته الأبدية ورفض التدويل!
(إن تقسيم المدينة المشؤوم الذي عقبه الانسحاب البريطاني من فلسطين في العام 1948، وعدم تنفيذ قرارات الأمم المتحدة بشأن تنظيم القدس وجوارها في "كيان منفرد"، يضم الجميع، أوجد وضعاً تقسيمياً بلغ ذروته خلال الاحتلال الإسرائيلي "للقطاع العربي" من المدينة في حرب 1967. وكان البرلمان الإسرائيلي قد سارع ضمه عملياً تحت ستار صيغة التوحيد، وذلك عن طريق اتخاذ إجراءات قانونية وفرض ضرائب بلدية بلغت حد حرمان القدس من طابعها الخاص على حساب السكان غير اليهود، من المسيحيين والمسلمين، وقد أرغم هؤلاء، بدواعي النمو السكاني، على التراجع إلى مساحات ضيقة، إلى أن اضطروا في النهاية إلى البحث لهم عن مكان آخر)..
إن وثائق الفاتيكان ما بين العامين 1887 - 1986 التي نشرها أدمون فرحات تحت عنوان (القدس في الوثائق الفاتيكانية) (1)، وإن كانت خاصة بالقدس ولكنها تشمل القضية الفلسطينية كلها والصراع العربي الصهيوني.. لذلك أعدنا تبويب قراءتها لنقف عند محطات هامة: موقف الفاتيكان من الاحتلال والانتداب، وعد بلفور، قرار التقسيم، قيام الكيان، العدوان الثلاثي، عدوان حزيران 1967، اللاجئون الفلسطينيون، حرب 1973، كامب ديفيد.. إضافة إلى مطلب الفاتيكان الأساسي (الكيان المنفرد للقدس).
وتلك الموضوعات متداخلة في الحديث الواحد، وقد حاولنا قدر الإمكان فصلها لالتقاط المفاصل الأساسية، وعلى الرغم من ذلك الفرز بقيت هناك أفكار مكررة ومتداخلة.

ارتباط الفاتيكان بالأماكن المقدسة:
عندما سلم أهل إيلياء "القدس" مفاتيح المدينة للخليفة عمر بن الخطاب كان أحد شروطهم عدم السماح لليهود بالإقامة في القدس، وكان ما يسمى هيكل سليمان "مزبلة" كما تذكر كتب التاريخ الإسلامية (2). والحملات الاستعمارية "الصليبية" اضطهدت اليهود ولم تسمح لهم بالإقامة في القدس. ومنذ النهضة الأوروبية ومع عصر الإمبرياليات صار الفاتيكان يطرح حقه في القدس. ومع ارتباط المشروع الصهيوني بالإمبرياليات الغربية صار الفاتيكان يطرح حق الأديان الثلاثة في القدس. واليهود ادعوا بحقهم التاريخي في فلسطين وبوجود الهيكل تحت مسجد الصخرة والأقصى، وأن سور حائط البراق هو من بقايا سور هيكل سليمان، لكنهم لم يدّعوا أي حق في المقدسات المسيحية عدا كنيسة العشاء السري "العلية" (3)!
والمؤسف أن المؤرخين المسلمين يؤكدون أن مسجد الصخرة أقيم على أنقاض هيكل سليمان، وهم في ذلك لا يستندون إلا على خرافات العهد القديم، وقد أثبت علم الآثار خرافة وجود الهيكل، بل ودخول يشوع إلى فلسطين وبناء مملكة داود وسليمان!
يعبر البابا بيوس الثاني عشر عن ارتباط المسيحيين بالقدس: (فإذا كان هناك منطقة في العالم تستحق المحبة من كل إنسان مخلص وشريف فإنها فلسطين، على وجه التأكيد، لأنها منها سطعت أنوار الحق على كل الأمم، منذ أوائل التاريخ) (4).
وتحدث ا. مسينايو اليسوعي عن القضية الفلسطينية وحماية الأماكن المقدسة فقال: 
(ليست القضية الفلسطينية مسألة محض سياسية بحتة، لا يراد فيها سوى تأمين التوازن في صراع الشعوب المتنازعة على السلطة هناك، بل مسألة دينية في جوهرها. وكل حل يتعلق بها إنما يعني المسيحية جمعاء ولا سيما المذهب الكاثوليكي..) (5).


1- احتلال بريطانيا لفلسطين والانتداب ووعد بلفور:
عبر البابا بندكتوس الخامس عشر عن فرحته باحتلال جيوش الحلفاء للأماكن المقدسة:
(أما الآن وفي غمرة الابتهاج العظيم الذي يشمل جميع الخيرين وفيما تعود هذه الأماكن إلى يد المسيحيين، فإن قلقنا يشتد مع اقتراب ما سوف يقرره بشأنها مؤتمر السلام الذي سينعقد قريباً في باريس، إذ من المؤكد أنه سيؤلمنا جداً، كما سيؤلم جميع أبنائنا المسيحيين، أن يصبح لغير المسيحيين وضع مميز في فلسطين، لا بل أكثر من ذلك، أن يعهد بأمر تلك المعابد المقدسة العائدة للمسيحيين إلى سواهم) (6).
ويؤكد ذلك في مناسبات عدة منها:
(وبعد أن استعاد المسيحيون الأماكن المقدسة، على يد جيوش الحلفاء، شاركنا نحن من كل قلبنا في الابتهاج العام الذي غمر نفوس الخيرين..) (7).
ويؤكد الفاتيكان تأييده للانتداب ففي (مذكرة إلى هيئة الأمم) في 4/ 6/ 1922:
(لا يعارض الكرسي الرسولي مطلقاً القرار الذي اتخذته هيئة الأمم، بشأن تكليف إنكلترا مهمة الانتداب في فلسطين. لقد سبق له أن أشاد مراراً بروح العدالة وعدم الانحياز التي تتحلى بها هذه الأمة) (8)!
ورد الكاردينال د. غاسباري أمين سر دولة الفاتيكان على مشروع الانتداب الذي قدمه بلفور إلى أمين عام الأمم المتحدة بتاريخ 7/ 12/ 1920:
(إن الكرسي الرسولي لا يرى مانعاً أن يكون لليهود حقوق مدنية في فلسطين، مساوية لتلك التي تتمتع بها القوميات والطوائف الأخرى هناك..) (9).
وأبدى رفضه لقضيتين: الأولى أن يكون لليهود وضع مميز ومتفوق على القوميات والطوائف الأخرى. والثانية أن تكون حقوق الطوائف المسيحية غير مصانة تماماً.
فالنقطة الأولى نقد لما جاء في مواد وعد بلفور من ميل إلى: (تكريس التفوق الاقتصادي والإداري والسياسي للعنصر اليهودي. وذلك على حساب القوميات الأخرى). ويفند نقاط المشروع ومنها النقطة ج: (تشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين "المادة 6" وتجنيس اليهود "المادة 7" والحرص على تأمين "الاستيطان المتماسك" لهم، ومنحهم أراضي الدولة أو الأراضي البائرة "المادة 6" وتفضيلهم على سواهم في مجال المشاريع العامة "المادة 11").
ويستنتج: (وعليه، فالمشروع الرامي إلى التفوق اليهودي المطلق على جميع الشعوب المقيمة في فلسطين، فضلاً عن أنه ينطوي على مس خطير بالحقوق المكتسبة التي تتمتع بها القوميات الأخرى، فإنه لا ينسجم مع المادة 22 من معاهدة فرساي التي تحدد طبيعة الانتداب وغايته).
وإن ذلك يتناقض مع الانتداب الذي هو: ("رسالة حضارية مقدسة" ترمي إلى تحقيق "خير الشعوب وإنمائها") (10).
القلق الفاتيكاني:
الفاتيكان مع تبني بريطانيا للمشروع الصهيوني، ولكنه كان يخشى على حقوق الكاثوليك في القدس من الصهاينة ومن البروتستانت وميل بريطانيا إلى الأرثوذكس، كما أنه لم يكن يثق تماماً بالمسلمين!
بعد أن عبر أ. مسينابو اليسوعي عن فرح الكاثوليكية والمسيحيين بتحرير (فلسطين من النير العثماني) (11).. ذكر بأنه ظهرت غيوم سوداء في سماء الأرض المقدسة فالغيمة الأولى وعد بلفور: (هذا الخط السياسي المعادي لحقوق الشعب العربي الذي استبيحت أرضه من دون استشارته أو الوقوف على مشاعره، أملته بريطانيا على القوى الحليفة، معتبرة إياه قاعدة مشتركة للتحرك من أجل التنظيم الجديد في فلسطين) (12). والغيمة الثانية ما قامت به بريطانيا في نهاية الحرب بإدخال إصلاحات إدارية على نظام الانتداب، و(اتضحت نوايا بريطانيا في إقامة محمية لها ذات طابع بروتستانتي، في الأماكن المقدسة في فلسطين) والقضية هي حقوق الكاثوليك في القدس: (لا بد من التنبيه إلى أن سياسة الانتداب في إدارة فلسطين انتهجت توجهاً مزدوجاً، بهدف قضم حقوق الكاثوليك وتقليصها. فمن جهة كانت تمالئ الحركة الصهيونية مطلقة يدها في اجتياح المنطقة، تحت رعاية الحاكم العبري هربرت صمويل: "Herbert Samuel" ومن جهة أخرى، كانت تساند الجانب "الأرثوذكسي" على حساب الجانب الكاثوليكي) (13).. (إن الصهيونية لم تتخل عن طابعها المعادي للمسيحية، على رغم بعض التصريحات التي تحاول إثبات العكس، كما أن العنصر الإسلامي الذي يبدو أكثر إخلاصاً في التزامه لتوفير احترام الأماكن المقدسة، لا يوحي أنه سيفي بوعده وفاء تاماً) (14)!
وفي المحاضرة التي ألقاها بطريرك القدس لللاتين المنسيور برلاسينا في مدرسة القديس يوسف في روما في 11/ 5/ 1921 ذكر بأن: (الصهيونية، استناداً إلى مصادر موثوقة، ترمي إلى اغتصاب أملاك المسيحيين والعرب، تدريجاً، وتسليمها إلى الصهاينة أنفسهم. ولكي يرفعوا عدد اليهود في البلاد، قاموا بتنظيم الهجرة اليهودية من روسيا إلى فلسطين، وكان معظم الوافدين إليها تقريباً من البولشيفيين).. (هذا ولم يكن العمل الصهيوني أقل سواء على الصعيد الأخلاقي، بسبب تشجيعه على تفشي المفاسد بشكل رهيب واستشرائه في الأمكنة التي سيطر عليها الصهاينة من الأرض التي ارتوت بدماء السيد المسيح. ففتحت بيوت الدعارة في كل من القدس ويافا والناصرة..) (15).


2- حول قرار التقسيم:
جاء في مقال ا. مسينايو اليسوعي (المسؤولية الدولية حيال القضية الفلسطينية) بعد أن تحدث عن الهدنة عام 1948: (إن الإقرار بشرعية الأمر الواقع، يخلق في النظام السياسي في فلسطين سابقة لا يمكن التغاضي عنها. وهذا يدعو على الاستنتاج بأن المخطط الأساسي الذي اقترحته الولايات المتحدة ووافقت عليه في حينه الجمعية العمومية للأمم المتحدة بشأن تقسيم فلسطين إلى دولتين، واحدة عربية وأخرى يهودية، على رغم معارضة العرب، قد يتحقق بطريقة شرعية أو غير شرعية، مخلفاً إلى الأبد نزاعاً لا يمكن للواقع ولا للاعتراف بشرعية هذا الأمر الواقع أن يؤديا إلى حله. إن التباين بين إسرائيل والعرب هو من العمق بحيث لا تمتد جذوره، إلى الخلاف العنصري فحسب، بل إلى النفور القومي العربي الناتج عن وجود لاجئين من جميع أنحاء العالم وانتزاعه الأرض من العرب الذين يملكونها منذ زمن طويل.
وحدهما الزمن والسياسة القادرين على التكيف مع الظروف المستجدة التي نشأت مع إدارة الانتداب البريطاني المنفذة الأمينة لوعد بلفور، إمكانهما تخفيف حدة الخلاف والوصول بالشعبين المتنازعين حالياً إلى التعايش وحسن الجوار فوق الأرض الواحدة. ومما لا ريب فيه أن رسم حدود الدولة الإسرائيلية الجديدة، سيكون مصدراً مباشراً لنشوب الصدامات التي قد يكون الفريق العربي ضحية لها، سواء بسبب دعم الولايات المتحدة وروسيا غير المشروط للمطالب الإسرائيلية، أم بسبب تدفق الإمدادات العسكرية والاقتصادية التي تستطيع إسرائيل الحصول عليها.
أما ما يهمنا بالأخص، نحن المسيحيين ولا سيما الكاثوليك، بشأن القضية الفلسطينية الشائكة، فليس تسويتها من الناحية السياسية فقط بل تنظيمها النهائي والقانوني وفق اتفاقات دولية محددة خاصة بوجهها الديني..) (16).


3- نكبة الـ 48:
لم يتخذ الفاتيكان موقفاً تجاه اعتداءات الصهاينة على العرب الفلسطينيين قبل قيام الكيان، وكان يكتفي بالدعوة للسلام والعدل والتهدئة والمصالحة..
يقول البابا بيوس الثاني عشر: (لا شك في أن السلام لا يقوم إلا على أسس الحق والعدالة، وهذا يفترض احترام حقوق الآخرين وأوضاعهم وتقاليدهم الدينية الخالصة..)..
وهو في الوقت الذي لا يذكر فيه الجرائم الصهيونية ضد العرب، نجده يدين العنف تجاه اليهود: (نشعر أنه لا داعي للتأكيد أننا نستنكر اللجوء إلى القوة والعنف. سبق لنا وشجبنا مرات عدة في الماضي الأعمال المشوبة بالتعصب والمناهضة للسامية التي تستهدف الشعب العبري) (17).
ومع أن بيوس الثاني عشر في وصفه للوضع في فلسطين عام 48 أدرك معاناة الشعب الفلسطيني: (يستمر فيها القتال ويتفاقم بؤس البؤساء وروع الخائفين، فيما الألوف المشردون عراة حفاة هائمون بعيداً عن أرض الوطن يبحثون عن الكساء والطعام).. ولكنه لم يدن الصهاينة سبب المشكلة، بل أصر على أن الحل هو تطبيق التقسيم: (وقبل أن يبدأ النزاع المسلح كنا قد أعربنا عن بالغ اهتمامنا بقضية السلام في فلسطين وشجبنا اللجوء إلى أعمال العنف وأعلنا أنه لا يمكن تحقيق السلام إلا على أسس العدالة، أي ضمن احترام كل فريق في حقوقه وتقاليده المكتسبة، خاصة على الصعيد الديني) (18). وكرر المطالبة بـ: (إضفاء الطابع الدولي على منطقة القدس وجوارها) (19).
وفي مناسبة أخرى قال البابا بيوس الثاني عشر: (لقد سبق لنا في العام الماضي أن وجهنا رسالتين عامتين طالبنا فيهما، أيها الإخوة الأجلاء، إقامة الصلوات العامة والرسمية لاستعجال وقف النزاع الذي يدمي الأرض المقدسة، وللحصول على إقامة النظام العادل فيها بما يضمن الحرية الكاملة للكاثوليك ويكفل حماية تلك الأرض المقدسة والمحافظة عليها). ويتحدث عن الهدنة فيقول: (أما الآن وقد توقفت الأعمال العدوانية، أو أقله باتت مجمدة..) (20)!
وقوله (توقفت الأعمال العدوانية) دون أن يوضح المعتدي والمعتدى عليه، يعني ظاهرياً وضع الجلاد والضحية في سلة واحدة، ولكنه عملياً عدّ اليهود هم الضحية كما مر (سبق لنا وشجبنا مرات عدة في الماضي الأعمال المشوبة بالتعصب والمناهضة للسامية التي تستهدف الشعب العبري)!
ويطلب: (ولتعد الطمأنينة كما كانت عليه إلى كل مكان، ولا سيما إلى فلسطين، من خلال تسوية عادلة لقضاياها، بحيث تتحد جميع الطبقات الاجتماعية في العدالة والوفاق الأخوي، بعيداً عن الأحقاد والنزاعات..) (21).
كما طالب برفق عودة اللاجئين: (وليعد اللاجئون والأسرى والمختطفون، إلى ما كانوا عليه في أوطانهم الحبيبة..) (22).

 

4- العدوان الثلاثي على مصر:
لم يدن البابا بيوس الثاني عشر العدوان الثلاثي، ومع أنه أشار إلى أن العنف لا يجدي، لكنه تجاهل بأن الذي صنع العنف هو المعتدي، ولا سيما وأن أمريكا والاتحاد السوفييتي وجها إنذاراً مشتركاً لفرنسا وبريطانيا والكيان الصهيوني، لوقف العدوان!
يدعو البابا الله عقب العدوان الثلاثي لأن: (.. ويليّن من إرادتهم المتصلبة ويجعل مواقفهم أكثر اعتدالاً، لكي تتمكن الدول من إقامة النظام الصحيح بينها، بما فيه الامتيازات المتبادلة والحقوق المشروعة لكل من المعنيين بالنزاع. ليتذكر الجميع، ولا سيما أولئك الذين يتحكمون بمصائر الشعوب أن الحرب لا يمكن أن يجتنى منها سوى المصائب والنكبات. لأنه ليس بالسلاح ولا بالمجازر ولا بالدمار يمكن فض المسائل العالقة بين الناس، بل بالتعقل والحق والدراية والمساواة) (23).


5- زيارة البابا بولس السادس إلى القدس:
عندما زار البابا بولس السادس القدس في كانون الأول عام 1964، لم يتطرق إلى قضية فلسطين ولا إلى وضع اللاجئين الفلسطينيين، بينما لم ينس اليهود!
قال البابا: (من على هذه الأرض الفريدة في العالم، للأحداث العظيمة التي كانت مسرحاً لها، يرتفع ابتهالنا الوضيع نحو الله، لأجل جميع الناس، مؤمنين، وغير مؤمنين، ومن بينهم نذكر تلقائياً أبناء "شعب الميثاق" الذي لا يمكن إغفال دوره في تاريخ الإنسانية الديني) (24).


6- عدوان حزيران عام 67:
وجه البابا بولس السادس رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة يوثانت قال فيها: (نناشدكم أن تبذلوا ما بوسعكم لكي تعمل منظمة الأمم المتحدة على وقف النزاع، وباسم المسيحية نرجو رجاء حاراً، إذا ما ساء الوضع – وكلنا ثقة بأن مثل هذا الاحتمال المحزن لن يقع- أن تعلن القدس مدينة مفتوحة لا تنتهك نظراً لما تمتاز به من حرمة وقدسية) (25).
وقال الكاردينال شيكونياني نيابة عن البابا بأنه: (.. يستصرخ الضمير الإنساني والشعور بالمسؤولية لدى رئيس الجمهورية العربية المتحدة، نظراً لما يتمتع به من مكانة مرموقة لدى الشعوب العربية، كي يعمل على إيجاد الوسيلة التي تضمن الكرامة والعدالة للجميع، ولوقف النزاع المسلح وقفاً شاملاً. توفيراً على هذه الشعوب الآلام والعذابات، وتجنيباً للعالم خطر الويلات الدامية الجديدة.
إن قداسته إذ يناشد الفرقاء العمل على إزالة الأحقاد وأسباب التفرقة ويحثهم على السعي لإيجاد الحلول الملائمة للأزمة عن طريق المنظمات الدولية، واثقاً من أن الجميع يعتبرون من واجبهم المقدس الحفاظ على سلامة الأماكن المقدسة، يعلن القدس "مدينة مفتوحة"..) (26).
وتحدث البابا بولس السادس عن اللاجئين عام 67: (فحالة اللاجئين الفلسطينيين، على الأخص، تؤلمنا ألماً شديداً، وهي تنتظر حلاً عادلاً وكريماً، فضلاً عن المسائل الإقليمية الشائكة التي تنتظر منذ زمن حلاً منطقياً والتي قد سلط عليها النزاع المسلح الأخير أضواء كشفت عن صورة مأساوية..)..
وتطرق إلى السلام والعدل بمفهوم الفاتيكان وهو الاعتراف بالكيان الإسرائيلي: (نكون من الواهمين إذا كنا نعتقد أن السلام يبنى على غير العدالة والاعتراف بالحقوق الإنسانية والقبول بحقوق الآخرين تماماً كما نحن نريد أن يعترف لنا الآخرون بحقوقنا الخاصة. لا يمكن فصل الوفاق والسلام عن العدالة والحقيقة) (27).
فالبابا هنا يتحدث عن اللاجئين بعد حرب 67، ولكنه في حديث آخر يتحدث عن اللاجئين منذ عام 48. كما أنه لا يذكر الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي التي احتلها في حرب 67، ونلاحظ بأن لغته قاسية وهو يطلب من الجانب العربي الاعتراف بالكيان الصهيوني!
أما حديث البابا عن اللاجئين القدامى والجدد (اللاجئون والنازحون بحسب التسميات) فقد قال:
(كلنا ثقة وأمل بأن تحظى مبادرة الأمم المتحدة بالتأييد الصادق لدى جميع المسؤولين، وتتمكن من التقدم لتأتي بالنتائج المثمرة المنشودة. وهنا لا بد من إشارة إلى اللاجئين الجدد والقدامى، لأن قضيتهم تضاعف من حدة الأزمة التي تعصف بالمنطقة. فإلى هؤلاء وإلى الضحايا الفقيرة والعاجزة نوجه تعاطفنا ومساعدتنا التي لم تضعف أبداً..) (28).
وموقف الفاتيكان هنا من اللاجئين الفلسطينيين لا يتعدى الموقف الإنساني كتقديم المساعدات.. فقد قال الكاردينال أ. ج. شيكونياني بأن المساعدات قدمت إلى: (عشرات الألوف من المهجرين المساكين رجالاً ونساء وأطفالاً، من ضحايا الأحداث الأخيرة التي هزت الشرق الأدنى..) (29)..
والمؤسف أنه لم ترد كلمة عن إعادة أولئك اللاجئين إلى بيوتهم، فالفاتيكان يتعامل مع القضية من باب الشفقة والإحسان على معاناة قائمة وليس من باب الحق التاريخي والقانوني، مع أنه يعرف تماماً جوهر المشكلة، ولكن موقفه تابع للإمبريالية الغربية ومنسجم معها!
ويكرر البابا حديثه عن السلام والعدل، والحدود الآمنة والحل المناسب للاجئين الفلسطينيين ولكن دونما توضيح:
(ولتكن الغلبة لا لعدالة السلاح المزعومة، بل لعدالة الحقوق المتبادلة والحرية والشؤون المشتركة المؤدية إلى السلام، ولتتحول المنافسة والبغضاء إلى رغبة في التسامح والإخاء) (30).
(نعم لإقامة الحدود العادلة. لا لتوسيع رقعة النزاع).. (فلتعط قضية اللاجئين المؤلمة والمستمرة الحل المناسب لها) (31).
(لقد ارتفعت أخيراً أصوات جديرة بالثقة تشير إلى خطورة الوضع الراهن. ففيما يحكى من جهة عن اللجوء إلى السلاح والمواجهة والمماطلة في تنفيذ قرارات متخذة على مستوى المحافل الدولية، تبدو ملحة، من جهة أخرى، التسوية العادلة والنهائية لقضية اللاجئين القدامى والجدد الذين تحزننا حالتهم البائسة، فضلاً عن وشوك فقدان أمل الأهالي بالوصول إلى حل سلمي) (32).
حريق المسجد الأقصى:
عبر البابا بولس السادس عن أسفه لما حدث ولكنه لم يوجه أية إدانة للمجرم الذي ارتكب الجريمة: (هناك حدث نأسف له أشد الأسف، يضاف إلى سلسلة الاضطرابات القائمة في تلك المنطقة وهو – كما تعلمون- الحريق الذي شب وأحدث أضراراً في الجامع الأقصى، في القدس، المدينة المقدسة، حيث الأماكن التي تكرمها الأديان التوحيدية الثلاثة، وألحق به أضراراً فادحة..).. (ونتمنى ألا يتفاقم الوضع الشديد التوتر والحساسية في الشرق الأوسط آملين ألا تتردى الحالة وتؤدي إلى أعمال عنف جديدة أو على مزيد من الأحقاد الشرسة التي قد تسيء إلى قضية هي في نظر الجميع قضية عادلة تستحق العدل والسلام) (33).


7- السلام وحل القضية الفلسطينية:
موقف الفاتيكان تجاه قضية الصراع العربي الصهيوني يرتبط بقرارات الأمم المتحدة والكيان الصهيوني والرؤية الغربية للصراع، فهو ينظر بشفقة إلى قضية الشعب الفلسطيني كلاجئين، يقول البابا بولس السادس: (لذلك، وبصوت صاف، نتوجه إلى المنظمات الدولية الكبرى لكي لا تتردد في دعم ومساندة أية محاولة مخلصة ترمي إلى تطبيع العلاقات بين الشعوب. وإننا نناشد القادة المسؤولين لدى الأطراف المعنيين بالنزاع أن يعملوا على وضع اقتراحاتهم المعلنة حول إقامة التوازن الدولي الجديد والمشرف موضع التنفيذ. كما نحض قادة الرأي العام على تعزيز الآمال في إمكان إيجاد حلول سليمة والحيلولة دون إفساد مبادئ العدالة والحرية والتآخي بين الشعوب في ضمير الأجيال الجديدة.
وعلينا التأكيد مجدداً على المبادئ المعترف بها لمختلف الدول من حيث حقها بالاستقلال وسلامة أراضيها المشروعة وضرورة مراعاة جميع الأفرقاء للاتفاقات المقررة لتأمين تسوية سلمية للأراضي التي لا تزال حتى الآن مسرحاً للحرب. يجب أيضاً الإيلاء بأقصى الاهتمام الضروريات الحياتية الخاصة باللاجئين السكان من ضحايا الظروف الاستثنائية التي نجمت عنها الخلافات الراهنة كما يجب الكف عن النزاعات التي لا ترمي إلا للسيطرة والهيمنة أو المصلحة الاقتصادية..) (34).
وقال أيضاً:
(أي الرغبة في البحث عن وفاق سلمي، أو أقله في بدء مفاوضات صادقة تأخذ في الاعتبار مصالح جميع الأفرقاء وحقوقهم المشروعة من بينها تأمين السكن اللائق للذين اضطروا بسبب الأحداث الأعوام الأخيرة إلى ترك أرزاقهم.
أما من جهتنا، وفي لقاءاتنا مع المسؤولين في الدول المعنية، فلم نتوان عن دعم كل مبادرة حميدة ترمي إلى تمديد الهدنة وتحقيق وفاق عادل ومشرف. وإننا مقتنعون بالضرورة الملحة لإيجاد حل سلمي متوازن لمشكلة الشرق الأوسط، حل لايمكن فرضه عن طريق حروب أخرى أو انتصارات عسكرية..) (35).
وحقوق الشعب الفلسطيني كما يراها البابا بولس السادس لا تتعدى دويلة الضفة والقطاع بناء على قراري مجلس الأمن 242 و338، وضمن الرؤية الغربية وعلى رأسها أمريكا.
يقول البابا: (نحض الجميع على بذل الجهود المخلصة من أجل السلام العادل والشامل. وهو ما يتمناه ويتوق إليه توقاً شديداً معنا، فضلاً عن كثيرين، أبناء الشعب الفلسطيني الذين يرتقبونه منذ سنوات عدة مطالبين بإقرار عادل لحقوقهم، لا بالتنكر لحقوق شعوب أخرى بل بالتوافق معها) (36).
(نتذكر آلاف المعذبين والمشردين من أبناء الشعب الفلسطيني. ونأسف كل الأسف لاستغلال القضايا الدينية وتسخيرها في خدمة الأغراض السياسية في هذه المنطقة.
نتطلع بشوق وحنين إلى حل عادل لأزمة الشرق الأوسط، كي يسود فيه السلام الحقيقي والعدالة..) (37).
ويكرر البابا مواقفه الإنسانية فيتحدث عن: (اهتمام الكرسي الرسولي برعاية الفلسطينيين الذين لهم عندنا مكانة عزيزة، إذ إنهم شعب الأرض المقدسة وبينهم أتباع للمسيح، كانوا ولا يزالون يقاسون المحن المؤلمة.
لذلك، نعرب مرة أخرى، عن تعاطفنا معهم، في معاناتهم، وعن تأييدنا لتطلعاتهم المشروعة، آملين أن يحمل إليهم اهتمامنا الأبوي العزاء والتشجيع، خصوصاً إلى اللاجئين منهم الذين يعيشون منذ أعوام في ظروف غير إنسانية) (38).


8- زيارة السادات للقدس:
قال البابا بولس السادس: (إن الرئيس المصري يزور اليوم، أرض إسرائيل حيث استقبل هناك بحفاوة. فهل تنتهي مثل هذه الحرب المتعددة الجانب بعد أن استمرت ثلاثين عاماً؟ وهل يعود السلام ليزهر من جديد في مثل هذه المنطقة الإستراتيجية من العالم..) (39).
وقال أيضاً في مناسبة أخرى: (.. لا بد من إضافة كلمة بصدد الشرق الأوسط. إننا نتابع تطوراته بوعي واهتمام بالغين. ومن غير أن نكون فريقاً في تعدد الآراء المطروحة وتباينها، لا يسعنا إخفاء الأمل بالمبادرات الجزئية الجارية التي تبلغ حد الإقدام والجسارة. والتي من شأنها، بفضل تعاون جميع المسؤولين وإرادتهم الصالحة وحكمتهم، تحريك مسار الحلول، بما يتلاءم مع مقاييس العدالة والمساواة وبعد النظر السياسي، فضلاً عن الحس الإنساني، الكفيلة وحدها بخلق توازن ملائم بين المتطلبات والتطلعات والمصالح الكثيرة المتضاربة) (40).


9- الفاتيكان في عهد البابا يوحنا بولس الثاني:
انتخب البابا يوحنا بولس الثاني وكان أنشط البابوات وأوضحهم في تحديد المواقف من قضايا متعددة، لكنه لم يخرج عن الرؤية الغربية لطبيعة الصراع وفهم السلام والحقوق القائمة على أرضية الحفاظ على الكيان الصهيوني..
كامب ديفيد والسلام:
ففي أول لقاء عام له بعد انتخابه صلى من أجل نجاح كامب ديفيد: (لذلك أود أن نصلي معاً من أجل نجاح اجتماعات كمب ديفيد، لكيما تمهد هذه المحادثات الطريق نحو إقامة سلام عادل وكامل).
وتابع ليعرف مفهوم السلام العادل والكامل: (ونعني بـ"عادل" تلبية مطالب جميع أطراف النزاع. ونعني بـ"كامل" الاهتمام بكل قضية وعدم تركها من دون حل: قضية الفلسطينيين وقضية أمن إسرائيل، وقضية المدينة المقدسة..) (41).
وقال في خطابه أمام الأمم المتحدة:
(إن السلام المبني على الاعتراف بحقوق الآخرين، لا يقدر إلا أن يتضمن احترام القضية الفلسطينية والحل العادل لها..)..
وحول القدس قال: (فإني أتمنى قيام نظام خاص على ضمانة دولية كما سبق أن أشار إليه سلفي بولس السادس، نظام يراعي الطبيعة الخاصة بالقدس..) (42).
وفي رسالته إلى الرئيس الأمريكي قال:
(إن قضية القدس التي تستقطب حولها، في هذه الأيام بالذات، انتباه العالم بصورة خاصة إنما تشكل محور السلام العادل في هذه المناطق..).. (وأود أن أكرر ندائي من أجل إعطاء مزيد من الاهتمام العادل حيال القضايا المتصلة بلبنان وبكامل القضية الفلسطينية) (43).


أسباب الصراع:
(إن أسباب مأساة الشرق الأوسط باتت معروفة: فالشعب اليهودي، وعلى أثر تجارب مفجعة تتعلق بإبادة العديد من أبنائه، وبدافع من القلق على أمنه، أنشأ دولة إسرائيل، فنجم عن ذلك في الوقت نفسه حالة مؤلمة للشعب الفلسطيني الذي أجلي قسم كبير منه عن أرضه. وهي وقائع غير خافية على أحد..) (44).
مكانة القدس، وضرورة حسم الصراع:
قال البابا: (وأيضاً، قبل أن تكون القدس مدينة يسوع الفادي، فهي المكان التاريخي للوحي الإلهي الكتابي وهي محور الالتقاء بين السماء والأرض، حيث خاطبت كلمة الله البشر، أكثر من أي مكان آخر.
إليها ينظر المسيحيون بشغف ديني، وباهتمام كلي لأنها المكان الذي سمعت فيه مراراً كلمة الله، وفيه جرت أحداث الفداء العظيمة، عنينا آلام السيد المسيح وموته وقيامته. هنا في أورشليم نشأت أول جماعة مسيحية ولم ينقطع الحضور الكنسي فيها طيلة الأجيال المتعاقبة، على الرغم من العقبات الجمة.
إن القدس الغنية بمعالمها والذكريات العديدة، منذ عهد داود الذي جعل منها عاصمة لمملكته وسليمان الذي بنى فيها هيكله، بقيت في قلوب اليهود الذين لم ينسوها موضع محبة متقدة.
والمسلمون أيضاً يسمونها "القدس"، ويخصونها بمحبة عميقة ترقى إلى نشأة التعاليم الإسلامية، وتمتد إلى الأمكنة الخاصة التي يحجون إليها، وإلى حضورهم شبه المستمر هناك منذ أكثر من ألف عام..) (45).. (ولكن يجب الإقرار بأن القدس لا تزال مدعاة للتنافس المتواصل والعنف والاحتجاج الخاص).. (من الضروري حقاً العمل بإرادة طيبة ورؤية صافية على إيجاد طريقة واقعية ومنصفة، من شأنها التوفيق، بصورة عادلة ودائمة، بين مختلف المصالح والتطلعات، وصيانتها بصورة ملائمة وفاعلة، بإنشاء نظام خاص يضمنه القانون الدولي وتوافق عليه الدول، بحيث لا يعود يحق لأي طرف من الأطراف إعادة النظر فيه) (46)..


الشعب الفلسطيني:
(إن الشعب الفلسطيني المتجذر تاريخياً في هذه المنطقة، والمشرد منذ سنوات، له الحق الطبيعي بكل عدل وإنصاف، أن يجد له من جديد وطناً يعيش فيه بسلام ووئام مع الشعوب الأخرى في المنطقة) (47)، ولكن البابا لم يوضح مكان الوطن الجديد، ومكان المشردين منذ عام 48!


العلاقة بين الأديان الثلاثة:
قال يوحنا بولس الثاني: (إنكم قادمون من مدينة تعني الكثير لنا جميعاً نحن اليهود والمسيحيين والمسلمين. القدس، مدينة داود ومكان موت يسوع وقيامته ومكان إسراء محمد ليلاً نحو الله. هذه المدينة يجب أن تكون رمزاً حياً لإرادة الله فينا للعيش معاً بسلام واحترام متبادل) (48).

تلك هي مواقف الفاتيكان فقد كان يعرف تماماً القضية الفلسطينية من ألفها إلى يائها ويعرف حقيقة المشروع الصهيوني، لذلك لم يناقش أسباب المشكلة الفلسطينية، وإنما اهتم بنتائجها التي أدت إلى تشريد الشعب الفلسطيني، فتحدث عن السلام والعدل ونبذ العنف.. ومن منظار الإمبريالية والصهيونية!
وكان من المفترض كأعلى سلطة للدين المسيحي الكاثوليكي، أن ‏ينظر بمنظار الحق للقضية الفلسطينية ويدين جريمة الغرب التي اقترفها، إلا أنه لم ينظر مرة ‏واحدة للصراع العربي الصهيوني وللقضية الفلسطينية وللشعب الفلسطيني من منظار أصحاب ‏القضية الشرعيين، من منظار العدل الحقيقي.. وكان يدعي بأنه ينظر من منظار الشرعية الدولية!‏
ولو تجاوزنا ذلك وسرنا مع ادعاءاته بالتزامه بقرارات الشرعية الدولية نجد أنه لم يدن مرة واحدة ‏عدم إقامة دولة للفلسطينيين بحسب قرار التقسيم، ولم يدن تجاوز الصهاينة للمساحة التي خصصها ‏القرار لهم وهي 54 % من الأراضي الفلسطينية، ولم يدن رفض الكيان لإعادة اللاجئين الفلسطينيين إلى أراضيهم وبيوتهم التي طردوا منها أمام بصر العالم المتحضر، ولم يحرض ضد جرائم الصهاينة واعتداءاتهم المستمرة، كما حرض ضد الشيوعية.. بينما كان حريصاً جداً على حصته في الإشراف على الأماكن المقدسة المسيحية!‏

الهوامش

(1) أدمون فرحات: القدس في الوثائق الفاتيكانية – دار النهار للنشر – 1991 – بيروت.
(2) راجع على سبيل المثال تاريخ الطبري – ج 2 – ص 450.
(3) راجع كتاب أدمون فرحات: القدس في الوثائق الفاتيكانية - مسألة "العلية" - ص 283 وما بعد.
(4) أدمون فرحات: القدس في الوثائق الفاتيكانية - ص 67.
(5) المرجع السابق: ص 228.
(6) المرجع السابق: ص 61.
(7) المرجع السابق: ص 62.
(8) المرجع السابق: ص 184.
(9) المرجع السابق: ص 181.
(10) المرجع السابق: ص 182.
(11) المرجع السابق: ص 232.
(12) المرجع السابق: ص 232. ونحب أن نلفت الانتباه إلى أن ذاك الكلام ليس بالضرورة أن يمثل رأي الفاتيكان، فهناك الوثائق الرسمية المعبرة عن وجهة نظر الفاتيكان، وهناك الآراء الشخصية المعبرة عن وجهات نظر رجال الدين والتي تنشرها الصحف الدينية كصحيفة لاسفيلتا كاثوليكا، وهي صحيفة نصف شهرية ثقافية تصدر في روما.
(13) المرجع السابق: 233.
(14) المرجع السابق: 235.
(15) المرجع السابق – ص 225.
(16) المرجع السابق – ص 236.
(17) المرجع السابق: ص 65.
(18) المرجع السابق: ص 69.
(19) المرجع السابق: ص 70.
(20) المرجع السابق: ص 72.
(21) المرجع السابق: ص 74.
(22) المرجع السابق: ص 75.
(23) المرجع السابق: ص 77.
(24) المرجع السابق: ص 87، 88.
(25) المرجع السابق: ص 111.
(26) المصدر السابق: ص 112.
(27) المرجع السابق: ص 114.
(28) المرجع السابق: ص 118.
(29) المرجع السابق: ص 116.
(30) المرجع السابق: ص 119.
(31) المرجع السابق: ص 120.
(32) المرجع السابق: ص 122.
(33) المرجع السابق: ص 123.
(34) المرجع السابق: ص 128.
(35) المرجع السابق: ص 130.
(36) المرجع السابق: ص 131.
(37) المرجع السابق: ص 133.
(38) المرجع السابق: ص 145.
(39) المرجع السابق: ص 150.
(40) المرجع السابق: ص 151.
(41) المرجع السابق: ص 156.
(42) المرجع السابق: ص 159.
(43) المرجع السابق: ص 163.
(44) المرجع السابق: ص 168.
(45) المرجع السابق: ص 172.
(46) المرجع السابق: ص 173.
(47) المرجع السابق: ص 174.
(48) المرجع السابق: ص 175. والكلمة بمناسبة استقبال البابا يوحنا بولس الثاني لوفد مشترك "يهود ومسيحيين ومسلمين" من جمعية للحوار الديني في القدس تدعى "مركز الأمل للتفاهم والمصالحة بين الأديان في القدس".

 

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.


براءة درزي

بلال وبهاء.. السّابقون على طريق الأقصى

الأحد 13 تشرين الأول 2019 - 12:11 م

 لم يكن العرس الفلسطيني الذي خرج الشابان بلال أبو غانم وبهاء عليان لعزف أنغام أهازيجه كأيّ عرس آخر. فبعد أسبوعين من انطلاق انتفاضة القدس، امتشق بلال وبهاء سكينًا ومسدسًا وأخبر كلٌ منهما والدته أنّه ذا… تتمة »

براءة درزي

برد الثلاجات إذ يغدو لهيبًا!

الخميس 12 أيلول 2019 - 3:06 م

لا ينفكّ الاحتلال يستغلّ جثامين الشهداء ومقابر الأرقام ضمن وسائل الضبط والعقاب التي يسعى عبرها إلى ترويض الفلسطينيين، وخلق مجتمع خانع راضٍ بالاحتلال، تارك للمقاومة، نابذٍ لها، معرضٍ عنها. وتتحالف أذرع… تتمة »