الوضع الاقتصاديّ في القدس عام 2006

تاريخ الإضافة الخميس 8 أيار 2008 - 10:09 ص    عدد الزيارات 12559    التعليقات 0

        

يعتبر جدار الفصل العنصري العازل الذي تبنيه "إسرائيل" في عمق الضفة الغربية وفي محيط مدينة القدس المحتلة من أهم العوامل التي تؤثر سلباً على اقتصاد المدينة المقدسة.

 

فالمتتبع لمراحل بناء هذا الجدار والذي يتم بخطوات مدروسة جيداً من الجانب "الإسرائيلي"، لا بد وأن يعي بشكلٍ واضح الأهداف السياسة والاقتصادية والاجتماعية والأمنية لدى الجانب "الإسرائيلي" والتي تقود في النهاية إلى إخراج مدينة القدس من ارتباطها الطبيعي ببقية الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية، والذي يجعلها مفتوحة فقط نحو الغرب، أي نحو "إسرائيل".

 

وحسب تقديرات الغرفة التجارية في آخر دراسة أعدتها في تموز/يوليو 2006 فإنّ مدينة القدس بحاجة إلى استثمارات فورية تقارب الـ150 مليون دولار كنقطة بداية كاستثمارات فورية خلال الأعوام الثلاثة القادمة وتشمل هذه الاستثمارات مجالات الإسكان والسياحة وترميم البلدة القديمة، وتطوير الصناعات الحرفية في المدينة.

 

زيادة الضرائب:

وتأتي إقامة الجدار ضمن هذه الخطوات المبرمجة، التي بدأت منذ القرار الأحادي "الإسرائيلي" بتوحيد شطريْ مدينة القدس المحتلة بعد العام 1967، ثم توسيع حدود المدينة، تم التشدد في فرض الضرائب وجبايتها وتطبيق باقي القوانين الاقتصادية والاجتماعية على العرب الفلسطينيين في القدس، وواكب ذلك ممارسة بلدية الاحتلال في القدس لسياسات عنصرية هدفها تهجير المواطن العربي في المدينة عن طريق زيادة الضرائب البلدية وتخفيض الخدمات وعدم إعطاء رخص بناء إلا على نطاق ضيق جداً، وعدم تخصيص منطقة صناعية مؤهلة خاصة بالعرب الفلسطينيين المقدسيين.

 

وقال مدير الغرفة التجارية في شرقي القدس المحتلة، عزام أبو السعود*، في لقاء خاصٍ بـ"الدستور": "لقد شهدت القدس عبر قرابة أربعين عامًا من الاحتلال مدًا وجزرًا في اقتصادها كان مرتبطًا كل الارتباط بالوضع السياسي في المنطقة، لكن الظاهرة الأساسية أنّه منذ الانتفاضة الأولى العام 1987 بدأ التراجع التدريجيّ في أداء الاقتصاد المقدسي وشهد هذا التراجع مراحل حادة مع أحداث النفق العام 1997ومع الانتفاضة الثانية نهاية العام 2000.

 

وأضاف: "بالرغم من أنّ تسعة الأشهر الأولى من العام 2000 شهدت طفرة اقتصادية جيّدة سبقها ارتفاع في الاستثمارات استعدادًا للألفية الثالثة لمولد المسيح عليه السلام، لكن يأتي إقامة جدار الفصل العنصري العزل ليزيد من حدة التراجع في الأداء الاقتصادي إلى درجة يمكن أنْ نسمّيها كارثية".

 

التدهور الاقتصادي:

وأوضح أنّ التدهور الاقتصادي في مدينة القدس بمختلف قطاعاته هو نتيجة لتراكمات ممتدة عبر السنوات الماضية، أو بالأحرى تراكم إجراءات الاحتلال "الإسرائيلي" التعسفية إلى يومنا هذا، فبناء الجدار كان الضربة القاضية على اقتصاد القدس وعزلها عن محيطها. "فلا يمكننا تحليل أثر الجدار على الوضع الاقتصادي في مدينة القدس دون ذكر التأثيرات الأخرى والتي تصب في الهدف نفسه، وعلينا مراعاة جميع الظروف التي لعبت دوراً أساسياً في بلورة الوضع الحالي للقدس".

 

وأشار أبو السعود إلى أنّه نظراً ولأنّ القدس لها خصوصية كبيرة وليس من السهل جمع البيانات بدقة متناهية لما في ذلك من صعوبات فقد اعتمدنا في دراسة وضع المدينة على البيانات المتوفّرة لدى الغرفة التجارية، وعلى الإحصائيات والبيانات التي تقوم الغرفة بجمعها من أجل إعداد دراسات مختلفة تتعلق بالقدس. ذلك بالإضافة إلى الإحصائيات المتوفرة لدى جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني.

 

ودعا إلى التفكير بشكلٍ جديّ وسريعٍ واتخاذ الإجراءات اللازمة من أجل التصدّي لتلك الهجمة "البربرية الإسرائيلية" على مدينة القدس المحتلة.

 

وقال إنّ القدس بحاجة إلى "إعصار اقتصادي" وإلى جهد الخيّرين لمواجهة عملية التهويد والعزل التي تتعرّض لها حتى تبقى وجهًا حضاريًا واقتصاديًا عربيًا وإسلامياً. ورداً على سؤالٍ حول أهمّ المؤثرات على المدينة المقدسة في هذه المرحلة، قال أبو السعود: "لقد تأثّرت معظم القطاعات الاقتصادية في القدس بشكلٍ سلبي من إقامة الجدار وبدأت المدينة تشعر بالضغط لربطها بالاقتصاد الإسرائيلي وتقليل نسبة الارتباط بالاقتصاد الفلسطينيّ، وذلك نتيجة للإجراءات الإسرائيلية التعسفية والتي اتخذت بشكل تدريجي من أجل إضعاف الاقتصادي العربيّ، خصوصاً بعد أنْ شهدنا عدداً من تجار المدينة قد حصلوا على وكالات مباشرة لسلعٍ أجنية لديها وكلاء في إسرائيل وذلك في الفترة بين 1995-2000".

 

وتمثّلت هذه الإجراءات بإقامة الحواجز العسكرية ونقاط التفتيش على مداخل القدس وعدم السماح لمواطني الضفة والقطاع بدخول القدس إلا بتصريحٍ وتشديد التفتيش الأمني للبضائع الواردة للتجار العرب من الخارج، وإعاقة تخليصها من الموانئ والمطارات "الإسرائيلية" مما زاد في تكاليف نقلها وتخزينها، وبالتالي عدم قدرتها على التنافس مع البضائع التي يستوردها الوكيل "الإسرائيلي".

 

جدار العزل العنصري:

ويرى أبو السعود أنّ جدار العزل العنصري جاء كآخر خطوة حتى الآن، والذي تتأثر به القدس أكبر الأثر، حيث إنّه سيعزلها عن محيطها الفلسطيني الذي تنتمي إليه، مشيراً إلى أنّ التجارة في مدينة القدس تعتمد على المتسوّقين منها، وهم عدة فئات: سكان المدينة وسكان القرى المحيطة بالقدس وسكان الضفة الغربية وقطاع غزة والمتسوقين من "عرب الداخل" والسياح.

 

وقال إنّه منذ أنْ نصبت السلطات العسكرية "الإسرائيلية" حواجزها في محيط المدينة منتصف العام 1994 بدأت أعداد المتسوقين من سكان قرى محافظة القدس المحيطة وسكان الضفة الغربية وقطاع غزة تقلّ تدريجياً، حيث انخفض عدد المتسوقين من أسواق مدينة القدس بشكلٍ ملحوظ مع بداية الانتفاضة إلى ما يقارب 40 في المائة من عدد المتسوقين الذين اعتادوا على التسوق بصورة دائمة أو جزئية من مدينة القدس.

 

ويعود ذلك لأسباب أبرزها إقامة الحواجز العسكرية وإعاقة دخول سكان القرى المجاورة للقدس ، وباقي سكان المدن الفلسطينية مع ارتفاع تكلفة نقل البضائع نتيجة الحواجز والإغلاق، كما ارتفعت كلفة تخليص البضائع من الموانئ نتيجة التفتيش الأمني، إضافةً إلى إرهاق المواطنين بالضرائب المتعددة والمبالغ فيها والتي لا تراعي الأوضاع الاقتصادية للمواطن العربي، ولا مستوى دخله، أو نمط حياته الاجتماعي، والتقدير المبالغ فيه من مصلحة الضرائب الناتج عن التشكيك في حسابات تاجر صناعي أو عربي.

 

وأضاف أنّ ظاهرة الباعة المتجوّلين ازدادت نتيجة ارتفاع نسبة البطالة، وتضرّر نتيجة لذلك الوضع التجاري الرسمي من دافعي الضرائب مع انخفاض متوسط دخل الفرد في المدينة، وبالتالي انخفض الدخل المتاح للمواطن للتسوق، واقتصرت مشتريات فئة كبيرة من السكان على المواد الغذائية والأساسية.

 

وأشار إلى أنّ عدد المتسوّقين اليهود من القدس –الجزء الشرقيّ- تراجع منذ الانتفاضة الأولى، مشيراً إلى استغناء عددٍ من المؤسسات التجارية في القدس عن بعض موظّفيها نتيجة انخفاض المبيعات. وهنالك تشدّد في منع دخول المنتجات الفلسطينية إلى أسواق القدس، خصوصاً المنتجات الغذائية كالألبان والبيض وهي منتجات أقلّ سعراً من المنتجات "الإسرائيلية" المماثلة.

 

وعلى الرغم من أنّ الإحصائيات تشير إلى أنّ في القدس نحو 5921 منشأة اقتصادية إلا أنّ ما يقارب ثلث هذه المنشآت هم أعضاء في الغرفة التجارية بالقدس.

 

وأوضح أنّ انخفاضاً ضخماً في أعداد المتسوّقين من خارج المدينة من المحلات التجارية في القدس. إذ أنّ نصف المتسوّقين من سكان المدينة يتسوقون من خارج القدس.

وأصحاب المحلات التجارية في القدس من حملة هوية الضفة يجدون صعوبةً في الوصول إلى محلاتهم ويحتاجون إلى تصاريح وتجار المحافظة من حملة هوية الضفة بحاجةٍ إلى تصاريح وإلى مزاجية السلطات "الإسرائيلية" في منحها.

 

الصناعة:

ولفت إلى أنّ الصناعة تشكّل ما نسبته 14 في المائة من اقتصاد القدس، ومما لا شكّ فيه أنّ شركة سجائر القدس تشكّل أكبر صناعة في المدينة، وتشكّل الضرائب على السجائر المحلية أحد أهم الضرائب المحلية التي يعتمد عليها دخل السلطة الفلسطينيّة، إذْ تبلغ هذه الضرائب نحو 60 مليون دولار سنوياً لخزينة الدولة.

 

وقال لقد اضطر عدد من المصانع في مدينة القدس وضواحيها إلى تقليص إنتاجها أو إغلاق مصانعها، ومثال على ذلك صناعة الأحذية والنسيج والملابس الجلدية وفوط الأطفال، وذلك لعدّة مشاكل تواجهها والمتمثلة في انخفاض الطلب على المنتجات المحلية "غير الغذائية منها" إلى الثلث وضعف إمكانية المنتج المحلي على المنافسة نتيجة لارتفاع تكاليف التوزيع بسبب الإغلاق.

 

وتأثر وصول العمال إلى مصانعهم، وانخفاض عدد ساعات الإنتاج إلى قرابة الثلث. وزادت تكلفة المواد الخام نتيجة ارتفاع تكلفة النقل من الموانئ وإجراءات التفتيش الأمني وزادت تكلفة النقل والتوزيع للمنتجات الجاهزة وانخفاض إمكانيات التصدير لصعوبة ذلك عبر الموانئ "الإسرائيلية" أو المعابر الحدودية مع الأردن ومصر وزادت نسبة التالف في المواد التي تتلف نتيجة التفتيش الأمني وطول مدة النقل. وأضاف أنّ كثيراً من المنتجين الصناعيين تحولوا إلى مستوردين للسلع نفسها التي كانوا ينتجوها بسبب العولمة وعدم قدرتهم على منافسة الأسعار والبضائع العالمية.

 

قطاع السياحة:

وشدّد على أهمية قطاع السياحة في المدينة المقدسة بالقول: "يشكّل القطاع السياحي ما نسبته 40 في المائة من اقتصاد مدينة القدس، ونعني هنا القدس العربية أو شرقي القدس ، ويعتبر القطاع السياحي أكثر القطاعات تأثراً منذ اندلاع الانتفاضة".

 

وأفاد أنّ التدفّق السياحي إلى مدينة القدس انقطع، وألغيت جميع الحجوزات منذ شهر أكتوبر/تشرين أول 2000 وحتى نهاية العام الماضي.

 

وبدأت الفنادق العربية في القدس "43 فندقاً" بإغلاق أبوابها الواحد تلو الآخر، وبتسريح عمّالها وموظفيها تدريجياً. ووصل إلى حدّ أنّ 37 فندقاً تقلّ نسبة الإشغال فيها عن 8 في المائة العام 2003، والفنادق الستة الأكثر حظاً فإنّ نسبة الإشغال فيها كانت بين 10 و23 في المائة فقط في العام نفسه.

 

شركات النقل:

وبدأت البنوك تطالب شركات النقل السياحي "17 شركة تملك 220 حافلة سياحية في منتصف العام 2002" بتسديد التزاماتها الناتجة عن تحديث 90 في المائة من هذه الحافلات الذي تم العام 2000، ومع عجز الشركات عن التسديد تمّ بيع أكثر من 70 في المائة من هذه الحافلات، بعضها بيع بالمزاد العلني وبأرخص الأسعار بعد حجز البنوك عليها. وانخفض عدد الحافلات السياحية إلى أقل من 60 حافلة.

 

وتدنّى حجم العمالة إلى أقل نسبةٍ شهدتها مدينة القدس عبر تاريخها، وازدادت لذلك نسبة البطالة في المدينة إلى نسبة غير مسبوقة، بلغت في حدّها الأقصى 35%. واضطرّ عددٌ من أصحاب محلات بيع الهدايا التذكارية للسياح إلى إغلاق محلاتهم كلياً، نتيجة لعجزهم عن دفع المصاريف الثابتة والضرائب.

 

350 محلاً تجارياً مغلقاً:

وبلغ ذلك 350 محلاً تجارياً مغلقاً في إحدى المراحل نهاية العام 2002، وتم تقليص ذلك تدريجياً إلى النصف، بعد تحويل أصحاب المحلات نوع تجارتهم.

 

وانقطع عمل مكاتب السياحة، وتحوّل بعضها لبيع تذاكر السفر فقط، بالإضافة إلى أنّ الـ160 دليلاً سياحياً عربياً في المدينة عاشوا في شبه بطالة. كما تدهورت أوضاع المطاعم السياحية إلى حدود عمل دنيا، ومنذ بداية العام 2005 طرأ تحسّن على الوضع السياحي في مدينة القدس وتمكّنت بعض الفنادق من العودة إلى العمل لكن "الإسرائيليين" زادوا من منافستهم للفنادق العربية بإقامة 3 فنادق قريبة من الأماكن السياحية على أراضٍ مصادَرة من الأوقاف الإسلامية وعائلات مقدسية.

 

وأضاف أنّ بعض شركات النقل السياحي عاميْ 2005 و2006 تمكّنت من شراء ما يقارب 20 حافلة جديدة، لكن أسطول المدينة من هذه الحافلات لا يزال غير كافٍ لتغطية الاحتياجات السياحية. وقال: "لا زال الاقتصاد المقدسي يعتمد على البنوك الإسرائيلية بشكل أساسي، حيث إنّ البنوك العربية ممنوعة من ممارسة نشاطها داخل المدينة، وإنّما تقدّم بعض الخدمات للتجّار المقدسيين من خلال فروعها في مناطق المحافظة".

 

هذه الخدمات لا زالت منقوصة حيث إنّ هذه البنوك لا تقبل بالتسهيلات الائتمانية والضمانات العقارية المقدمة من التجار ومواطني مدينة القدس.

 

وعن وضع المنشآت الاقتصادية في القدس، قال أبو السعود إنّ 45 في المائة من المنشآت الاقتصادية داخل حدود البلدية، 28% منها منشآت سياحية، وأنّ 55 في المائة من هذه المنشآت تقع خارج حدود البلدية وضمن المحافظة، ولا يوجد في المدينة منطقة صناعية. ومن تحليل عدد هذه المنشآت يتبيّن أنّها تتناقص سنوياً بعدل 100 منشأة منذ العام 1999، لتصل حالياً إلى قرابة 5000 منشأة، وبالطبع فإنّ 97 في المائة من هذه المنشآت صغيرة، هذا التناقص مردّه إلى الأوضاع الاقتصادية السائدة، والوضع السياحي السيئ، والإغلاق والحواجز وأخيراً السور، الذي سيؤدّي حسب التوقّعات إلى تناقصٍ حادّ وبنسبة أكبر من هذا في الأعوام المقبلة.

 

وأكّد أنّه يدخل سوق العمل في مدينة القدس سنوياً ما يقارب تسعة آلاف عامل جديد ، 15 في المائة منهم تقريباً هم خريجو جامعات، والباقي ممّن يتسرّبون من المدارس أو ممّن وصلوا إلى نهاية المرحلة الثانوية، وعادةً ما يستوعب سوق العمل "الإسرائيلي" 35 إلى 40 في المائة منهم، أما الباقي فإنهم يتوجّهون للعمل في السوق الفلسطينيّة، في القدس ومناطق السلطة الفلسطينية، في القطاعين العام والخاص، حيث لا تزيد إمكانية استيعاب القطاع العام لهم عن 10 في المائة في أحسن الظروف، وبالتالي فإنّ مسؤولية القطاع الخاص كبيرة جداً.

 

وأضاف أنّ هناك أيضاً مشكلة تتعلق بالسجناء السابقين الذين تم اعتقالهم من قِبَل السلطات "الإسرائيلية" بتهم أمنية، حيث يواجه السجين المفرج عنه معضلة في إيجاد أيّ مؤسسة في القدس من أجل تشغيله.

 

ولفت إلى "أننا إذا أخذنا بعين الاعتبار النسبة المرتفعة للبطالة في القدس، والتي وصلت ذروتها عام 2002 إلى 23 في المائة من حملة الهوية الزرقاء و30 في المائة من حملة هوية الضفة وبمتوسط 27 في المائة للمحافظة، والتي تعني بالإجمال أنّ هناك ما يزيد عن عشرين ألف عاطل عن العمل في القدس والمحافظة، فإنّه يمكننا تقدير حجم المشكلة الضخم والمسؤولية الكبيرة الملقاة على كاهل الجميع خاصة القطاع الخاص".

 

وقال: "تزداد المعضلة تفاقماً حين النظر إلى الحل البديهي لموضوع استيعاب العمّال، فالمشاريع الاستثمارية هي القادرة على استيعابهم، والوضع الاقتصادي لا يسمح بإقامة مشاريع استثمارية، نتيجة هروب رأس المال من مناطق النزاع إلى مناطق أكثر أمناً واستقراراً، وهذا بالطبع يؤدّي إلى طريق مسدود، ومؤشّرات أكثر تشاؤماً في مجال معالجة مشكلة البطالة واستيعاب القادمين الجدد لسوق العمل.

 

وكشف النقاب عن أنّ بلدية الاحتلال تنفق 5 في المائة فقط مما تجمعه من المقدسيّين على الخدمات الأساسية في شرقي القدس المحتلة. وقال إنّه على الرغم من أنّ البنية التحتية والمرافق هي من مسؤولية بلدية القدس المحتلة حالياً، إلا أنّ الإهمال والتقصير من قِبَل البلدية للمناطق العربية في القدس هي ظاهرة واضحة، والمؤشّر الأهمّ في ذلك هو أنّ الإحصائيات "الإسرائيلية" تقول إنّ إنفاق بلدية القدس لخدماتها في القدس العربية لا تتجاوز 5 في المائة من إجمالي حجم الإنفاق للبلدية في القدس، على الرغم من أنّ السكان العرب يشكّلون 35 في المائة من إجمالي السكان وأنّ هؤلاء السكان العرب يدفعون 33 في المائة من إجمالي واردات البلدية من الضرائب. وأكّد أنّه لا يوجد في شرقي القدس منطقة صناعية مؤهلة أنشئت خصيصاً لخدمة الصناعيين العرب. لذلك اضطر عددٌ كبير منهم لاستئجار أو شراء أراضي أو مباني لإقامة منشآتهم في المنطقة الصناعية في قلنديا/"عطروت". وتكاد تصل نسبة المنشآت العربية في "عطروت" إلى 40 في المائة من المنشآت الموجودة في تلك المنطقة الصناعية. وقال: "تشكّل الضائقة السكنية الناتجة عن الهجرة المعاكسة من خارج المدينة إلى داخلها هي المشكلة الأولى للمقدسيين، وشهدت القدس انخفاضاً كبيراً في مستوى الدخل وارتفاعاً كبيراً في مستويات الإنفاق، وخاصةً ارتفاع تكاليف السكن، والسياسة الإسرائيلية المتمثلة في تصعيب الحصول على رخص بناء، وهدم المنازل التي تُبْنى بدون ترخيص تجعل المدينة بحاجة إلى 1000 وحدة سكنية سنوياً على الأقلّ ومع ندرة الأرض الناتجة عن مصادرات الأراضي وبناء أحياء استيطانية يهودية في أطراف حدود البلدية، وتفتيت الملكية للأرض، وشبح حارس أملاك الغائبين، وسرقة أراضي الغير من قِبَل المزورين والزعران".

 

وأوضح أنّ هذا الوضع يستدعي تمويل عمل مخططات هيكلية لمجموعة من قطع الأراضي الصغيرة لتحويلها إلى أماكن صالحة للبناء، وحلّ ما أمكن من قضايا الملكيات المفتتة، عن طريق مكاتب خبرة قانونية وهندسية وتنظيمية، وتشجيع البناء الرأسي للمباني القائمة، وذلك لزيادة عدد طوابق منازلهم، وتوفير مكتب هندسي يتولّى عمل مخططات بناء ومتابعة ترخيص ذلك، وزيادة التمويل لمجلس الإسكان الفلسطيني للتوسع في تقديم قروضه، ولتغطية تكاليف الترخيص.

 

سبل الاستثمار:

وحول سبل الاستثمار في مدينة القدس، يعتقد أبو السعود أنّ موضوع الاستثمار، وبوجه الخصوص الاستثمار طويل المدى، أو الذي يستغرق إقامة منشآته عدة سنوات، والبحث عن مستثمرين، هو العنصر الذي يجب أنْ نركّز عليه، وأموال الدعم التي نتلقاها يجب أنْ توجه إلى إنشاء منطقة صناعية متكاملة الخدمات في المدينة لتشجيع الاستثمار في مشاريع طويلة المدى.

 

ودعا إلى "إنشاء صندوق ضمان الاستثمار، الذي يضمن للمستثمر الخائف عائداً مناسباً لأمواله، وضمانات أنْ لا يؤثّر الوضع الأمني السياسي على مشروعه، وضمان عائدٍ مجدي لاستثماره، على أنْ تتمّ إدارة هذا الصندوق بعيداً عن العابثين والاستغلاليين. وعدم إغفال موضوع التدريب، ولكن بأسلوب مختلف عن أسلوبنا الحالي في التدريب، ولعلّ النموذج الألماني في التدريب الحرفي ، الذي قادته الغرف الحرفية الألمانية هو أفضل نموذج يمكننا تبنّيه، لأنّه النموذج الذي قاد الألمان لإعادة بناء اقتصادهم الذي دمرته الحرب العالمية الثانية".

 

ودعا إلى تحويل شارعيْ صلاح الدين والزهراء إلى مناطق مشاةٍ وإعادة إحياء الصناعات الحرفية في مدينة القدس، عن طريق التدريب للأجيال الصغيرة من قِبَل الآباء، أو عبر دورات تدريبية في الخارج، وقال: "يمكن تشجيع أصحاب المحلات التجارية في منطقة باب السلسلة ليكون المكان المناسب لذلك".

 

مشاريع المدينة:

وإحياء مشروع سوق القطانين بالبلدة القديمة، وكذلك الحمامات المملوكية أو التركية بعد ترميمها. هذا بالإضافة إلى تحويل جزءٍ من الاستثمار إلى قطاع الإسكان والإنشاءات لتوفير المنازل الكافية لبقاء أكبر عددٍ من سكان القدس. والاهتمام الأكبر بترميم منازل البلدة القديمة، وأنْ يشمل المنازل القديمة خارج السور وذلك لتوفير نوعية حياة أفضل للسكان.

 

وأكّد أنّ مدينة القدس يجب أنْ توائم وضعها مع المتغيّرات الجديدة التي فرضها جدار الفصل العنصري وهي في صراعٍ دائم للبقاء، وحيث إنّه لا وجود لسلطةٍ تمارس عملها لمصلحة المواطن العربي الفلسطيني في مدينة القدس، وحيث لا تتوفر في المدينة أي قيادة سياسية معتمدة فإنّ على القطاع الخاص، وهو القطاع الوحيد القادر على التحرك بحرية أكثر، أنْ يقود مدينة القدس في صراع البقاء هذا لتبقى مدينة القدس عربية الطابع والمحتوى والمضمون.

 

وخلص مدير الغرف التجارية إلى أنّه يوجد الكثير مما يمكن عمله، للمحافظة على مدينة القدس وعدم جرّها للاندماج الكامل في النظام الاقتصادي "الإسرائيلي" الذي لا يراعي خصوصيّتها، وحتى تبقى مدينة القدس تعتمد على ذاتها اقتصادياً فلسطينية عربية إسلامية على الرغم من عواصف الاقتلاع والتهويد.

 

وقال: "حتى يتمّ تشجيع الاستثمار المحلي والعربي والإسلامي والدولي، ولإزالة مخاوف المستثمرين من أخطار الاستثمار في مدينة القدس، فإنّ إنشاء صندوق تأمين مخاطر الاستثمار بقيمة 50 مليون دولار يصبح أساسياً ومشجّعاً على استقطاب رأس المال. وشدّد على وجوب اعتبار الاستثمار في القدس ليس مطلبًا اقتصاديًا يخضع لحسابات الربح والخسارة فقط، وإنّما هو مطلبٌ قوميّ ودينيّ يحافظ على عروبة المدينة المقدسة.

* أجرت الصحيفة اللقاء مع أبو السعود بتاريخ  3/9/2006.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.


براءة درزي

بلال وبهاء.. السّابقون على طريق الأقصى

الأحد 13 تشرين الأول 2019 - 12:11 م

 لم يكن العرس الفلسطيني الذي خرج الشابان بلال أبو غانم وبهاء عليان لعزف أنغام أهازيجه كأيّ عرس آخر. فبعد أسبوعين من انطلاق انتفاضة القدس، امتشق بلال وبهاء سكينًا ومسدسًا وأخبر كلٌ منهما والدته أنّه ذا… تتمة »

براءة درزي

برد الثلاجات إذ يغدو لهيبًا!

الخميس 12 أيلول 2019 - 3:06 م

لا ينفكّ الاحتلال يستغلّ جثامين الشهداء ومقابر الأرقام ضمن وسائل الضبط والعقاب التي يسعى عبرها إلى ترويض الفلسطينيين، وخلق مجتمع خانع راضٍ بالاحتلال، تارك للمقاومة، نابذٍ لها، معرضٍ عنها. وتتحالف أذرع… تتمة »