البعد الاقتصادي لقضية القدس

تاريخ الإضافة الثلاثاء 8 كانون الثاني 2008 - 2:28 م    عدد الزيارات 13375    التعليقات 0

        

لا تخلو مناقشة حول مسألة "السلام" في الشرق الأوسط من التعرّض لقضية القدس. فلم تحظَ مدينة بمثل هذا الاهتمام الذي حظيت به القدس منذ قديم الأزل. فلفترةٍ تجاوزت الثلاثة آلاف عام احتلّت القدس مكان الصدارة بين دول المنطقة، لما لها من مكانة تاريخية، ودينية، فهي تحمل تاريخ اليهودية، والمسيحية، والإسلام، في آنٍ معاً. ومن ثمّ فإنّه عند احتلالها من قِبَل "إسرائيل" في عام 1948، لم تتأثّر فلسطين فحسب، وإنّما ارتبك الإقليم كله، بالتبعية، وازداد الأمر سوءاً، عندما بدأت السلطات "الإسرائيلية" في تقسيم "القدس"، إلى كتلة غربية وأخرى شرقية، أو عربية، وفي أواسط عام 1967، قامت سلطات الاحتلال بضم القدس الشرقية إلى نطاقها، بل امتدت خطة التوسيع لتشمل بعض المناطق في الضفة الغربية، الأمر الذي استنكره المجتمع الدولي، تتصدره الأمم المتحدة، الأمر الذي تجاهلته السلطة "الإسرائيلية" واستمرت في ممارسة سلطتها على المدينة بالكامل، والإعلان الرسمي عن نقل العاصمة إليها، حتى تخرجها من أية مناقشات، قد تحدث خلال الحوار السياسي القائم حول إتمام عملية "السلام".

 

وعلى الرغم من محاولات "الإسرائيليين" المستمرة في تهويد المدينة بالكامل، وفصلها عن بقية الأراضي المحتلة في الضفة الغربية وقطاع غزة، إلا أنّها ترتبط بشكلٍ وثيق مع تلك المناطق في النواحي الاقتصادية، فكما جاء في تقرير للبنك الدولي(1) يمكن رصد أوجه الارتباط بينهما في الآتي:

 

1- تمر معظم وسائل النقل بين شمال وجنوب الضفة الغربية بالقدس.
2- تعتمد السياحة في الضفة على المزارات السياحية في القدس الشريف.
3- تقع أغلب مراكز الصحة والمستشفيات التي تخدم الضفة في القدس الشرقية.
4- تشتمل القدس العربية على معظم المكاتب التمويلية والتسهيلات التسويقية والبنية الثقافية والاجتماعية التي يحتاج إليها الفلسطينيون.
5- يقع مطار قلنديا الذي يربط الضفة الغربية بمطارات الإقليم في القدس.
6- تضم شبكة الطاقة بعض مناطق القدس الشرقية، والتي تخدم، تحديداً، المناطق من رام الله إلى بيت لحم.

 

وفي ضوء هذه المقدمة، تظهر، بوضوح، مشكلتان أساسيتان، تواجه البحث في اقتصاد القدس، وهما صعوبة فصل اقتصاد القدس عن الاقتصاد "الإسرائيلي" من ناحية، على أساس أنّ "إسرائيل" تعتبر أنّ القدس مدينة "إسرائيلية"، تندمج ضمن السياسات الاقتصادية العامة لـ"إسرائيل"، ومن ثم تكاد بيانات القدس الاقتصادية تكون مختفية وسط الإحصاءات "الإسرائيلية"، كدولة متكاملة. ومن ناحية أخرى، تتجنب كثير من الأبحاث مناقشة مسألة القدس، لموقفها السياسي الحرج، وحتى لا يؤخذ عليها الميل إلى جانب معين، أما المشكلة الأخرى، فهي الارتباط الواضح بين القدس والضفة الغربية، وقطاع غزة. فكلها أراضٍ محتلة منذ عام 1967، تعرّضت تقريباً للظروف السياسية والاقتصادية نفسها، ومن ثم قد يظهر بعض التداخل عند التعرض للخلفية التاريخية لها، يصعب تلافيه.

 

ومن ثم سوف يركّز هذا البحث على جزئين رئيسيين، هما تاريخ القدس الاقتصادي والسياسي، والظروف التي مرّت بها، كنتيجة لوقوعها تحت الاستعمار، والجزء الآخر يشمل التوقعات المستقبلية للقدس، خلال السنوات القادمة، وتجدر الإشارة ها هنا إلى أنّ البحث، في الجزء الأخير، اعتمد على قراءاته المختلفة لوثائق البنك الدولي، والأمم المتحدة، وبعض الدوريات العلمية، التي استنبط منها محاور المستقبل، بالنسبة لمدينة القدس، كجزءٍ من الدولة الفلسطينية.

 

خلفية تاريخية:

تعتبر القدس من أكثر مدن العالم شهرة، لما لها من أهمية كبرى، ليس فحسب على المستوى العربي أو الإقليمي ولكن على المستوى الدولي أيضاً.

 

فقد حظيت القدس بمنزلة خاصة لدى شعوب المنطقة، بسبب مكانتها الدينية، وإنْ كانت تلك الناحية أدّت، في الوقت ذاته، إلى تفجّر عددٍ من الأزمات، بسبب الصراعات التي نشأت بين الديانات الثلاث: اليهودية، المسيحية، والإسلامية، على أحقيّة كلّ منها في سيادة القدس الشريف.
ولعل من أهم الملامح التي تتميز بها مدينة القدس، نقص موارد المياه، ومن ثم تشكّلت بنود الحياة فيها بما يتوافق مع هذه الخاصية، فاعتمدت كثيراً على المتاجرة مع دول الجوار، للحصول على الحبوب الزراعية اللازمة للمعيشة اليومية، مثل القمح، وبشكلٍ عام يمكن القول إنّ اقتصاد القدس قد مرّ بعدة مراحل، مرتبطة بشكل وثيق بوجود المستعمر على أراضيها، أيْ أنّ السياسة العامة قد أسهمت، بشكلٍ مباشر، في صياغة المنظومة الاقتصادية للقدس، وعليه فيمكن تقسيم تلك المراحل إلى:

 

1- مرحلة ما قبل عام 1948:
ويمكن اعتبارها مرحلة تاريخية قائمة بذاتها، شهدت فيها القدس عدة أنشطة اقتصادية، لم تلعبْ الزراعة فيها دوراً هاماً، بسبب ندرة الموارد المائية، وقلة الأمطار، ومع ذلك اشتهرت القدس بزراعة الأشجار المثمرة، مثل الزيتون، والعنب، فقد سجّل إحصاء عام 1935، أنّ مساحة الأراضي المزروعة زيتوناً 31,388 دونماً، وأنّ عدد الأشجار التي غُرِست فيها وصل إلى  408,044، ومحصول الزيت بلغ 661 طناً، أمّا مساحة الأراضي المخصصة للعنب فقدرته بـ6,579 دونماً أنتجت 3,990 طناً من العنب، ومساحة الأرض التي زرعت تيناً، بلغت 3,653 دونماً، فيها من الأشجار 54,795 شجرة، أنتجت 625 طناً، أمّا الركيزة الهامة لاقتصاد تلك المرحلة فكانت التجارة، حيث شهدت القدس حركة تجارية واسعة، وخصّصت أسواقاً تجارية مقسّمة، بحسب نوع السلعة، فكان هناك سوقاً للقمح، وأخرى للفواكه، وثالثة للقماش، وكذلك ظهرت الأسواق الأسبوعية، مثل سوق الجمعة، سوق الأربعاء، وهناك الأسواق الموسمية، المرتبطة بمواسم معينة، مثل موسم الحج، موسم الصيف، موسم الشتاء.

 

أمّا التجارة الخارجية للقدس، فيرصد التاريخ أنواعاً من التجارة مع دول أوروبية، مثل إيطاليا، فكانت تصدّر الصابون والزيت، وتستورد المنسوجات القطنية، والحريرية، والزجاج.

 

وتأتي الصناعة ركيزة ثالثة للاقتصاد، فاعتمدت الصناعة على المنتجات الزراعية مثل عصر الزيت وصناعة الصابون بجانب صناعة الأيقونات والتحف الدينية من خشب الزيتون، والمسابح والصلبان والمصنوعات الجلدية، والمطرزات اليدوية، والشموع، والزجاج، والأواني الفضية.

 

بعد ذلك تأتي السياحة، لتشكّل مورداً اقتصادياً آخر. فالزيارات الدينية، الإسلامية منها والمسيحية، أدخلت موارد كثيرة للمدينة، عن طريق الخدمات التي تقدّمها للحجاج والزائرين، مثل التنقّلات، الإقامة، رسوم الدخول، ووسائل المواصلات التي كانت، في الأغلب، دواباً يستأجرها الزوار من ميناء يافا، للوصول إلى المدينة، يتلو ذلك المورد، الأوقاف الإسلامية والمسيحية، ثم الرواتب الحكومية، والأجنبية التي تعمل في القدس(2).

 

2- مرحلة الحكم العربي-الأردني:

انتعش اقتصاد القدس، في تلك الفترة، بشكلٍ ملحوظ، فنشأت صناعات جديدة، صغيرة، ومتوسطة، مثل صناعات الأثاث، والملابس، والصناعات المعدنية الصغيرة، وتطوّرت الزراعة فكثرت زراعة الأشجار المثمرة، مثل الزيتون، بجانب انتعاش السياحة، وزيادة دخلها، وارتفع حجم التحويلات التي يرسلها العاملون في الخارج، وبخاصة في مدن الخليج العربي، والأمريكتين (3).

 

3- مرحلة الاحتلال "الإسرائيلي" بعد 1967:

ترتّب على الاحتلال "الإسرائيلي" كثيرٌ من الضرر باقتصاد القدس العربية، وبخاصةٍ بعد ضمّها إلى سلطة الاحتلال، فعلى سبيل المثال، منعت السلطات "الإسرائيلية" إدخال المنتجات الزراعية والصناعية إلى القدس حتى تخلو أسواقها لحساب السلع "الإسرائيلية"، ومن ثم تحقيق الرواج لها، بجانب اعتماد العملة "الإسرائيلية" (الليرة) عملة رئيسة للبلاد، الأمر الذي نتج عنه إغلاق المصارف العربية، ومنها: بنك القاهرة، البنك العربي، البنك الأردني الأهلي، والبنك العقاري. أضِفْ إلى ذلك إغلاق الفنادق العربية، نتيجة لوقوع السياحة في قبضة الاحتلال، ومن ثَمّ زاد الإقبال على الفنادق "الإسرائيلية"، دون العربية. كما أوقفت السلطات المحتلة تحويلات العاملين من الخارج، وفرضت ضرائب باهظة على البضائع العربية التي تحتاجها القدس(4).

 

وازدادت الأحوال سوءاً، عندما صدر قانون التنظيمات الإدارية والقانونية، رقم 5728 لعام 1968 والذي استوجب إعادة تسجيل الهيئات والشركات العربية، كمؤسسات "إسرائيلية" خلال مدة ستة أشهر إذا كان مركزها القدس، أما الفروع فيمكنها أنْ تُسوّى وضعها، وتصبح مستقلة، خلال المدة المشار إليها أعلاه، وأدّى هذا القرار إلى تقليص عدد الشركات العربية العاملة، فأصبح عددها عشرين شركة، وجمعية، فقط، بعد أنْ كانت مائة وعشر جمعيات، وستمائة محل تجاري. وسوف نستعرض آثار الاحتلال "الإسرائيلي" بشكلٍ أكثر تفصيلاً في مبحث آخر من هذه الدراسة.

 

فإذا كانت مدينة القدس قد حظِيت بكل هذا الاهتمام الدولي، فما هي أهميتها الحقيقية؟

 

تنبع أهمية القدس من تاريخها الحضاري، والديني، فقد كانت منشأ معظم الأنبياء، بداية من سيدنا إبراهيم، إلى سيدنا عيسى (عليهما السلام)، ولأنّها أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، ولأنّها أرض المعراج.

 

ومنذ قديم الأزل. ازداد الاهتمام بالمدينة، واندلعت حروب كثيرة للدفاع عن القدس الشريف، وحماية الآثار الدينية فيها. كما أنّها تتمتّع بموقعٍ استراتيجي هام بين الأردن والمملكة العربية السعودية وسوريا ولبنان ومصر.

 

وتعتبر القدس من أفقر المدن الفلسطينية، على الرغم من كبر حجمها، وتأتي أهميّتها السياسية لوقوعها على خط التقسيم(5).

 

وتبلغ مساحة القدس الحالية ما يقارب من 110 آلاف دونم، في حين لم تتعدَّ 40 ألف دونم، قبل عام 1967(6). (الدونم= 1000م2)، وبالتحديد فقد كان للعرب 11,179 دونم، أي 55.34% وكان لليهود 25.55%، وللحكومة 560 دونم، خلال عام 1948.(7)

 

وفي تقريرٍ رسميّ لبلدية القدس عام 1995، بلغ عدد السكان 564.3 ألف نسمة، منهم 413.7 ألف يهودي، بنسبة 73.3%، و 150.6 ألف عربي. بنسبة 26.7% في القدس الشرقية. في حين سجّل تعداد المدينة، عام 1991، حوالي 544 ألف نسمة، بنسبة 10.8% من إجمالي تعداد "إسرائيل"، منهم 392.2 ألف يهودي، بنسبة 72%، و151.3 ألف عربي، بنسبة 28%، يشكّل المسلمون نسبة 90% من السكان غير اليهود، أي 136.2 ألف شخص، في مقابل 10% مسيحيين، أي 15 ألف شخص. وبمقارنة أرقام وإحصاءات عام 1967، نجد أنّ عدد سكان القدس كان 66.3 ألف نسمة، شكّل اليهود حوالي 74.2% منها، وازداد تعداد اليهود من عام 1967 إلى عام 1991، بنسبة 99% والعرب 20% فقط (8).

 

تأثير الاحتلال "الإسرائيلي" على اقتصاديات القدس:

جرى العُرْف على أنّ الاستعمار، في أيّ مكان، يحاول بشتى الطرق إلغاء هوية الدولة المنهزمة، وإضفاء طابع المستعمر عليها. و"إسرائيل" منذ احتلالها لكلّ فلسطين عام 1967 لم تختلفْ كثيراً في ذلك الهدف، وخاصةً فيما يتعلق بالقدس. فمنذ تاريخ 28/6/1967، وهو تاريخ ضم القدس الشرقية إلى الجزء الغربي منها، لتشكّل في مجموعها العاصمة الرئيسة لـ"إسرائيل"، على الرغم من الاحتجاجات العربية، والدولية، واستنكار مجلس الأمن لهذا القرار، حاولت "إسرائيل" تشكيل سياسة عامة، تهدف في النهاية إلى "تهويد" القدس، بشكلٍ كامل، يتضمّن شتى النواحي السياسية، والاقتصادية والاجتماعية، إمّا عن طريق إرهاب أصحابها، وإجبارهم على تركها، أو عن طريق عقد صفقات بيع، وشراء مزورة، أو لأسباب أمنية مزعومة، وفي كلّ الأحوال، اعتمدت السلطة "الإسرائيلية" على تقديم مبررات مضلّلة لتلك التصرفات، مثل أنْ تكون تلك الأراضي مملوكة للدولة، أو لليهود، طبقاً للتواريخ القديمة، هذا إلى جانب بنائها المستوطنات، والمستعمرات "الإسرائيلية"، لتحقق الهدف العام من إعادة توطين اليهود، ليصل عدد سكان القدس، في نهاية التسعينيات، إلى المليون نسمة. أمّا الشق الثالث في الاستراتيجية "الإسرائيلية" فيكمن في بناء الثكنات ومعسكرات الجيش حول التجمعات السكنية الفلسطينية، لضمان تفتيتها، وعزلها عن بعضها البعض، حتى تفقد قوتها، فتسهل مواجهتها(9).

 

وعلى الصعيد الاقتصادي، يمكن القول إنّ السياسة "الإسرائيلية" قد خالفت -إلى حد ما- العرف السائد بأنّ نوعاً ما من التكامل يحدث بين الدولة المحتلة والأراضي المحتلة، أيْ تكامل بين اقتصاد كبير، وآخر صغير. ولعلّ السبب في ذلك يرجع إلى أنّ السياسة "الإسرائيلية" تجاه القدس تهدف في الأساس، إلى تهويد المدينة بالكامل، ومن ثم عملت على إلغاء هويتها العربية، سواءً من الناحية الاقتصادية، أو السياسية، عكس بقية الأراضي المحتلة، التي تركت فيها الاقتصاد يأخذ مجراه الطبيعي(10).

 

ولكن ذلك لا يعني أنّ السياسة الاقتصادية "الإسرائيلية" اختلفت كثيراً بين القدس وبقية الأراضي المحتلة، فكلها في النهاية، هدفت إلى تحقيق أقصى استغلال ممكن. ويمكن رصد بعض مظاهر التدخل الاقتصادي في فلسطين.

 

فقد استولت سلطات الاحتلال على حوالي 80% من مصادر المياه، بل وجّهت الاستراتيجية الزراعية الفلسطينية إلى زراعة محاصيل يقلّ استخدامها للمياه، مثل الخضروات، والتوت الأرضي، والابتعاد عن زراعة الحمضيات، سواءً بالتنبيه، أو بإتلاف الموجود منها، بجانب تزويد المزارعين بحبوب المحاصيل التي تخدم الصناعات "الإسرائيلية"، وتحديداً، انخفض حجم الأراضي المخصصة لزراعة القمح في القدس، بـ45%، ونقصت أعداد الثروة الحيوانية بـ53%.

 

وفيما يتعلق بالمياه، قامت سلطات الاحتلال بتحديد حصة معينة من المياه للاستخدامات الخاصة بالمزارعين والفلاحين عموماً، ومنعت حفر آبار جديدة، وفرضت عقوبات على من يحاول تخطي تلك الإجراءات، التي كانت النتيجة المباشرة لها انخفاض مساحة الأراضي المروية إلى 4% فقط. ولم يقفْ الأمر عند هذا الحد، بل قامت السلطات "الإسرائيلية" بحفر آبار جوفية في المستعمرات التابعة لها، وصل عددها إلى 17 بئراً في منطقة وادي الأردن، ويقع معظمها بالقرب من الآبار العربية، التي ما لبثت أنْ نضبت، بسبب قرب، وعمق الآبار "الإسرائيلية"(11).

 

أمّا بالنسبة للقطاع الصناعي، فترصد الإحصاءات انخفاض عدد المنشآت الصناعية، بحوالي 21%، وذلك لحساب الصناعات "الإسرائيلية"، التي بدأت تغزو القدس، وتحلّ محل الصناعات المحلية، باعتبار أنّ القدس تدخل ضمن منطقة التنمية الصناعية. ولا يخفى أنّ الهدف الرئيس من جعل القدس منطقة تنمية، يكمن في تدعيم سياسات التوطين "الإسرائيلي" فيها عن طريق تقديم امتيازات وإعفاءات مالية لرجال الصناعة "الإسرائيليين" الذين سينقلون صناعاتهم إليها(12).

 

وبشكلٍ عام، فإنّ الأزمة الاقتصادية التي تمرّ بها مدينة القدس، ومعها بقية الأراضي المحتلة في الضفة الغربية وقطاع غزة، تعتبر أزمة مخطّطة، ومتشعبة، بحيث تشمل شتى الفروع الاقتصادية، من مصادرة الأراضي، وطرد السكان، والاستيلاء على مصادر المياه، ومنع الاستثمارات العربية إلى إغلاق البنوك، والمنشآت السياحية. وهي، في ذلك الاتجاه، سعت إلى أمرين: الأول ضرب الخدمات النوعية، التي يقدّمها العرب في قطاع السياحة، والثاني تحجيم المنشآت الموجودة، بالفعل، فقد توقّف إنشاء الفنادق، بعد الاحتلال. بينما غزت حركة إنشاء الفنادق "الإسرائيلية"، بما يعادل سبعة أضعاف نموها في الجانب الفلسطيني(13) . أمّا عن أثر الاستعمار على السوق والتجارة، فقد تميّزت المناطق المحتلة والقدس بارتفاع أسعارها، وفرض الضرائب، والرسوم الجمركية الباهظة، بجانب توافر عوامل المنافسة الشديدة بين المنتجات العربية ومثيلاتها "الإسرائيلية"، لدرجة أنّ الأسواق العربية أصبحت "شبه محجوزة" للسلع الاستهلاكية "الإسرائيلية"(14).

 

نظرة مستقبلية لأوضاع القدس الاقتصادية:

قبل الخوض في محاور محدّدة لتحقيق التنمية المطلوبة في القدس، تجدر الإشارة إلى بعض المقوّمات العامة للأراضي المحتلة بشكلٍ عام، والتي تدعم الاستراتيجية اللاحقة:(15)

 

أولاً: حظي الفلسطينيون بمستوى عالٍ من التعليم، أدّى إلى ارتفاع مستوى العمالة. فعلى الرغم من معدلات الهجرة الواضحة إلى خارج الأراضي المحتلة، فإنّه لا يوجد نقصٌ في المهارات التنفيذية أو المهنية. بل إنّ لدى القطاع الخاص الفلسطيني مقدرة عالية على العمل تحت ما يسمى بـ"الظروف الصعبة". وعليه فإذا ما تحرّر القطاع الإداري، أو التنظيميّ، لا شكّ في أنّ طفرة ما يمكن أنْ تحدث في جانب العرض.

 

ثانياً: عند توفير مناخٍ سياسي ملائم، يمكن أنْ يحدث تدفّق في رأس المال الخاص، سواءً من فلسطينيّي الخارج، أو من بقية الدول العربية. فالكثير من رجال الأعمال في المنطقة العربية ينحدرون من أصلٍ فلسطيني. وفي إحصائية عام 1980 وُجِد أنّ نصف الفلسطينيين الذين يعملون في الخليج العربي يحتلّون مراكز مرموقة ووظائف تتطلب مهارة عالية، بل يتقاضون أعلى الأجور. وقبل أزمة الخليج سجلت الإحصاءات مبلغ ثلاثمائة مليون دولار أمريكي، حجم تحويلات العاملين في الخارج، أتى ثلثها من الكويت، تحديداً. ويتميّز الشعب الفلسطيني بارتباط أفراده، ممّا يعني أنّه في حالة توفر استقرار سياسي في المنطقة فسوف يزيد اتصال الفلسطينيين المهاجرين بالوطن، سواءً عبر إنشاء مشروعات، أو تحويلات من الخارج، لتدعيم القطاع العام والاستثمارات المختلفة.

 

ثالثاً: لعبت السياحة دوراً هاماً في اقتصاد القدس والأراضي المحتلة، قبل عام 1967، وخاصةً الدينية منها، ولكن بسبب ظروف الاحتلال والحروب، تدهور بها الحال، واضمحلت الحركة السياحية كثيراً. ومن ثَمّ في حالة تحقيق الاستقرار في المنطقة، لا شكّ أنّ رواج السياحة سوف يجلب الكثير من العملات الصعبة للاقتصاد الفلسطيني، التي يمكن أنْ تستخدم في مشروعات البنية الأساسية، وإعادة الإعمار.

 

رابعاً: تختلف الأراضي المحتلة عن بقيّة الدول العربية، في كونها لا تقع ضمن الدول المثقلة بالديون الخارجية، بل إنّ التمويل أو النفقات العامة تقترب من التوازن، دون وجودٍ للبيروقراطية في الإجراءات أو الهيئات، الأمر الذي يسهّل عملية التنمية الاقتصادية في حالة الاستقرار السياسي، بجانب أنّ موقع الأرض المحتلة الاستراتيجي يسهّل من عملية جذب عناصر المساعدات الرسمية، للتغلب على أوجه القصور المختلفة التي تظهر من حين إلى آخر.

 

استراتيجية التنمية المقترحة:

في السنوات العشر الأخيرة، مرّت معظم الدول العربية بظروف اقتصادية صعبة، أدّت في مجملها، إلى تبنّي الحكومات سياسات إصلاحٍ هيكلي، بإشراف "صندوق النقد الدولي". والأراضي الفلسطينية المحتلة، سواءً في القدس، أو الضفة الغربية، وقطاع غزة، مثلها مثل بقية الدول العربية، مرت بظروف سياسية صعبة، أدّت إلى احتلالها، في أسوأ الظروف، أو إلى خوضها حروباً استمرت لعددٍ من السنوات. الفرق أنّ بقيّة الدول قد سبقت الفلسطينيين إلى التحرّر واستعادة الأراضي، في حين لا تزال المفاوضات تدور حول بقية الأراضي الفلسطينية. ومن البديهي أنْ تتم الإشارة إلى أنّه يصعب تطبيق أية استراتيجية اقتصادية لتحقيق التنمية المطلوبة، دون الوصول أولاً إلى حلّ سياسي يرضي كلّ الأطراف المعنية ويقرّه المجتمع الدولي، لأنّ هذا من شأنه التخلّص من عوامل عدم الاستقرار وارتفاع نسب المخاطرة التي تتسبّب في تراجع رجال الأعمال عن إنشاء مشروعات في المنطقة، ذلك بالإضافة إلى أنّه عند تحقيق الأمان السياسي يمكن أنْ تبدأ الأراضي المحتلة في التعامل مع العالم الخارجي، وخاصةً الدول العربية، بشكلٍ أكثر انسيابية وتحرّراً. والقدس، كجزءٍ من الأراضي المحتلة، ينطبق عليها القول نفسه، بيْدَ أنّ الاستراتيجية المقترحة للتنمية بالنسبة للقدس، كمدينةٍ تعتمد في مجملها على المقوّمات السابق ذكرها، ضمن برنامج متكامل، باعتبار أنّ هذه المقومات تتوفّر فيها، بجانب عناصر أخرى، سيرد ذكرها لاحقاً.

 

أولاً: دور القطاع العام:

عكس سياسات التخصيصية المتبنّاة في معظم الدول العربية حالياً، يكون من الأفضل لمدينة القدس أنْ تعتمد في خطة التنمية على تدعيم دور القطاع العام الحكومي. فباعتبار إحلال "السلام" في المنطقة، ستَظهَر الكثير من الاضطرابات الاقتصادية والاحتياجات الاجتماعية التي يصعب على القطاع الخاص مواجهتها بمفرده، ومن ثمّ يقع العبْء الأكبر على القطاع العام في تحديث مستوى الخدمات الاجتماعية الهيكلية، ومستوى معيشة الأفراد. أضِفْ إلى ذلك أنّ التدخّل الحكومي في بعض المجالات مثل الضرائب والصحة والتعليم وغيرها من أدوات الاقتصاد الكلي، سوف يوفّر مناخاً ملائماً ومستقراً لإنعاش القطاع الخاص الذي يمكن أنْ يأتي دوره، فيما بعد، كإجراءٍ تكميلي لدور الحكومة. وإذا كنّا بصدد تعزيز دور القطاع العام في القدس، فلا يجب أنْ يعني ذلك فرض نوعٍ من التعسف أو التشدد في تنفيذ بعض السياسات، مثل فرض الضرائب الباهظة، أو احتكار مشروعات بعينها، لأنّ من المفهوم أنْ يوفّر التدخل الحكومي الأرضيّة المناسبة لنمو الاقتصاد بشكلٍ عام، ثم جذب رأس المال الخاص، سواءً المحلي أو الأجنبي، ذلك أنّ الحكومة، بمفردها، لن تستطيعَ توفير سوى جزءٍ بسيطٍ من احتياجات المدينة، بسبب ضعف إمكانياتها، وقلة مواردها، وعليه سوف تظهر الحاجة، بعد فترة، إلى زيادة الموارد، وهنا يبدأ القطاع الخاص في لعب دور أكثر فاعلية في المجتمع الاقتصادي للقدس.

 

ثانياً: التجارة:

اعتمدت القدس قديماً على التجارة، ولكنْ عندما بدأ الاحتلال بفرض سيطرته على المنطقة، تقلّصت الحركة التجارية كثيراً، وانغلقت الأسواق، إلا منْ التبادل التجاري بين عرب القدس والمستوطنين "الإسرائيليين"، الذين استغلوا الأسواق العربية لترويج منتجاتهم الاستهلاكية، ولم يعطوا فرصة للصناعات العربية أنْ تزدهر، أو حتى تستمر. ومن ثم يصعب إبقاء اقتصاد القدس متعلّقاً على نفسه في حال حدوث "السلام"، بل إنّ الانغلاق لن يؤدّي إلى تحسين الأوضاع، وإنّما إلى زيادة اضمحلال مستوى المعيشة في المدينة. معنى هذا أنّه لا بدّ على السلطة الفلسطينية من أنْ تفتح أسواق أراضيها بما فيها القدس، على العالم الخارجي. ففي دراسةٍ للبنك الدولي، حول آليات المستقبل بالنسبة للأراضي المحتلة، وباعتبار أنّ القدس كمدينة محتلة، هي الأخرى تنطبق عليها الأفكار نفسها(16)، وُجِد أنّ المناطق المحتلة بشكل عام اعتمدت طوال 27 عاماً على الاتجار مع "إسرائيل"، بالشروط نفسها السابق ذكرها، الأمر الذي يعني أنّ اقتصاد الأرض المحتلة اعتمد على الاقتصاد "الإسرائيلي" في أساس دخله، وهو التجارة. وتتطلّب مقتضيات التنمية المتواصلة -بعد حلول "السلام"- ضرورة انفتاح الأسواق الفلسطينية على العالم العربي، بجانب تعاملها مع "إسرائيل". ويقترح البنك الدولي إنشاء منطقة تجارة حرة فلسطينية-"إسرائيلية"، تذوب فيها الحواجز الجمركية، الكميّة والنقدية، ومن ثم تستطيع المنتجات الفلسطينية أن تخترق الأسواق "الإسرائيلية"، دون محدّدات مسبقة، للنوعية أو الكم المطلوب منها. وفي الوقت عينه، يبدأ الكيان الفلسطيني في الدخول في علاقات تجارية مع الدول العربية المجاورة. وبالتالي تتوسع قاعدة صادراته، ونطاق الأسواق التي يتعامل فيها. الأمر الذي يعتبر ضرورياً، حتى يستطيع الاقتصاد الفلسطيني "الهشّ" مواجهة الصدمات التي تحدث في سوق دولةٍ من الدول. أضف إلى ذلك، أنّ توسيع قاعدة الأسواق المتعامل معها، يعطي فرصة أكبر للحصول على احتياجات الدولة الفلسطينية من الواردات، نتيجة لزيادة دخل العملة الصعبة من الصادرات من ناحية، ومن ناحية أخرى، يمكن أنْ يتخصّص الاقتصاد الفلسطيني في نوعية معينة من المنتجات -الزراعية مثلاً- حتى يكون لها مزية نسبية تتفوّق فيها على بقية الدول، ومن ثم تحتلّ مركز الصدارة في تصديرها إلى الخارج.

 

ثالثاً: توسيع قاعدة الإنتاج:

يترتّب على البند السابق توسيع قاعدة الإنتاج، لتوفير احتياجات التصدير من السلع المختلفة. فتحت الاحتلال وسياساته، اقتصر الإنتاج الفلسطيني على بعض أنواع السلع والخدمات التي يحتاج إليها الاقتصاد "الإسرائيلي"، ومن ثمّ كان يوظّف لها عناصر الإنتاج في المدن الفلسطينية -مثل القدس- بما يتوافق مع مصالحه العامة. فعلى سبيل المثال، يمكن لمدينة القدس أنْ توسّع من قاعدة الإنتاج الزراعي، الذي اعتمدت سلطات الاحتلال، فيما سبق، على تشويهه، إمّا عن طريق استغلال الأراضي الزراعية في إنتاج محاصيل معينة، تسدّ احتياجاتها، أو حتى تقليص المساحة المزروعة بشكلٍ عام، وإنْ كان لا بدّ أنْ تؤخذ في الاعتبار ندرة الموارد المائية التي تستخدم في الري، والتي ستحدّد بشكلٍ طبيعي إمكانيات الزراعة المتاحة. وعلى جانب آخر، وأيضاً تحت الاحتلال، اضمحلت، تماماً، الصناعات الفلسطينية، وعليه، فلا بدّ أنْ تبدأ القدس، من ضمن الدولة الفلسطينية، في إنشاء صناعات، قد لا تكون كبيرة الحجم، بسبب قلة الموارد الطبيعية، بيْدَ أنّ مهارة العمالة الفلسطينية المدربة في الخارج، وخبرة رجال الأعمال، يمكن أنْ تساهم في إنشاء صناعات، متوسطة، وصغيرة، تكفي للاحتياجات المحلية وتساهم في العملية التصديرية أيضاً.

 

خاتمة:

مما سبق، يمكن أنْ نخلُصَ إلى أنّ مدينة القدس، بالفعل، حظِيَت، ولا تزال، بالكثير من الصراعات والمناقشات حول وضعها السياسي الذي يعتبر حتى الوقت الراهن من الغيبيات التي يكاد يكون الحوار فيها غامضاً. وعلى الرغم من أنّ هناك عدداً من المقترحات حول كيانها كمدينة مستقلة عن السلطة، أو نطاق الدولة الفلسطينية، مثل وضعها تحت إشرافٍ دولي، أو إنشاء كونفدرالية ما بينها وبين "إسرائيل"، أو غيرها، إلا أنّ الموقف العربي محدّد في هذه النقطة، وهي أنّ القدس عربية، ولا يجب إلا أنْ تكون عربية. ومع ذلك يصعب كثيراً على أيّ باحث في شؤون القدس أنْ يفصل بين مسألة تهويدها التي لا يزال "الإسرائيليّون" يصرّون عليها، ومن أنّها في الأصل عربية. معنى هذا أنّه حتى يمكن مناقشة وضع القدس الاقتصادي، سواءً الحالي أو المستقبلي، لا بدّ أولاً من السيطرة على النزاع السياسي التاريخي حولها. فمن الصعب، بل يكاد يكون من المستحيل أنْ تُوجَد بيانات أو مؤشرات اقتصادية لها يمكن أن تُبْنى عليها سياسة، أو برنامج اقتصادي محدد. وحتى وإنْ وُجِدت تلك البيانات، فتحت سيادة من سينفّذ هذا البرنامج أو ذاك؟ ثمّ إنّ اقتصاد أيّ مكان، أو دولة، لن يزدهرَ أو يستقر في ظلّ ظروف نزاعات سياسية، وحروب. وعليه، لا بدّ من فضّ الاشتباك حول القدس وسيادتها، حتى يمكن دمجها ضمن الكيان الفلسطيني، وتدعيم إمكاناتها الاقتصادية المختلفة.

 

الهوامش:

(1) إلى (5) د. شوقي شعث "القدس الشريف"، شركة بابل للطباعة والنشر، 1988، ص 140-149.
(6) عارف باشا العارف، "تاريخ القدس"، دار المعارف، الطبعة الثانية، ص 190-191.
(7) المرجع السابق، ص 37.
(8) نواف الزرو، "القدس بين مخططات التهويد الصهيونية ومسيرة النضال والتصدي الفلسطينية"، الطبعة الأولى، 1991، دار الخواجا للنشر والتوزيع، ص 14- 16.

(9) The Econcu of Modern Jsreal; "Malaise and promise". Assof Reyin and Eliaw Sabka, The University of Chigaco Press, Londan, 1993 p.p.74-75
(10) أحمد القاضي، "القدس: بين واقع الاحتلال ومستقبل التنمية"، صامد الاقتصادي، دار الكرمل ، السنة 16، عدد 95- مارس 1994- ص 79-80.
(11) د. خليل إبراهيم الطيار، "دراسة في اقتصاد الضفة الغربية" شؤون عربية.
(12) د. يوسف عبد الحق "معالم السياسة الاقتصادية الإسرائيلية" صامد الاقتصادي، السنة 13، عدد 85، أغسطس 1991.
(13) مرجع سابق ذكره ص 102.

(14) World Bank Publication, our View..

(15) World Bank Publication, our View. P 12-13.

(16) World Bank Placation, our View.

 

* باحثة في مجلة "السياسة الدولية"ـ القاهرة.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.


براءة درزي

بلال وبهاء.. السّابقون على طريق الأقصى

الأحد 13 تشرين الأول 2019 - 12:11 م

 لم يكن العرس الفلسطيني الذي خرج الشابان بلال أبو غانم وبهاء عليان لعزف أنغام أهازيجه كأيّ عرس آخر. فبعد أسبوعين من انطلاق انتفاضة القدس، امتشق بلال وبهاء سكينًا ومسدسًا وأخبر كلٌ منهما والدته أنّه ذا… تتمة »

براءة درزي

برد الثلاجات إذ يغدو لهيبًا!

الخميس 12 أيلول 2019 - 3:06 م

لا ينفكّ الاحتلال يستغلّ جثامين الشهداء ومقابر الأرقام ضمن وسائل الضبط والعقاب التي يسعى عبرها إلى ترويض الفلسطينيين، وخلق مجتمع خانع راضٍ بالاحتلال، تارك للمقاومة، نابذٍ لها، معرضٍ عنها. وتتحالف أذرع… تتمة »