مـن تاريخ القــدس وواجـب المسلمين نحوها

تاريخ الإضافة الخميس 30 تشرين الأول 2008 - 12:26 م    عدد الزيارات 18313    التعليقات 0

        

مـن تاريخ  القــدس وواجـب
المسلمين نحوها

 


إعــداد
الشيخ/ محمد محمد عبد الهادي لافي
مدير أوقاف رفح

 


بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وبعد...
يقول تبارك وتعالى: "سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير".
القدس وأرض فلسطين لها مكانة دينية عظيمة في قلوب المؤمنين في كافة الشرائع التي جاءت من عند الله سبحانه وتعالى، ونحن المسلمين نعتقد اعتقاداً جازماً بأن القدس وما حولها من فلسطين وبلاد الشام أرض مباركة مقدسة بنص قرآني ثابت إلى أن يرث الله الأرض ومَنْ عليها: "... الذي باركنا حوله...".
 والقدس تعتبر مهبط الشرائع: اليهودية والنصرانية والإسلام، وكافة المنتسبين إلى هذه الشرائع يقدرون القدس،
ويقول الباحثون:- بأن الخيال اليهودي صاغ أساطير وخرافات حول القدس لا تمت للواقع بصلة سطروها في كتبهم المقدسة وفق أهوائهم، فقالوا ما قالوا في الهيكل المزعوم والقدس.

 

 والقدس في نظر النصارى مقدسة، لما ورد في الأناجيل من ذِكر القدس، وزادت القدس عند النصارى قداسة لما تنصرت الإمبراطورة الرومانية، وبنت كنيسة هيلانة الكنيسة الكبرى المسماة بكنيسة القيامة وكنائس أخرى، فأصبحت القدس محجة للنصارى.    
والقدس للرسل والأنبياء كما ورد في إنجيل لوقا في الإصحاح (13).
ذكر ذلك د. عزت جرادات في كتابه( تاريخ القدس وحاضرها) ويكاد أن يكون لجميع الأنبياء والرسل الذين جاء ذكرهم في القرآن الكريم صلة ببيت المقدس وفلسطين فمن الأنبياء والرسل مَنْ مرّ بفلسطين، ومنهم مَنْ دُفِن فيها ومنهم مَنْ أقام فيها.

 

القدس في القرآن الكريم

 

الآيات القرآنية التي تحدثت عن بيت المقدس، ذكرها السيوطي في كتابه:
( إتحاف الأخصا بفضائل المسجد الأقصى) فيها إشارة إلى بيت المقدس والمسجد الأقصى، وذكر غيره ممن كتب وتناول بيت المقدس وأذكر منها:
1- قوله تعالى:"وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغداً وادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين" البقرة(58).
يقول ابن كثير في تفسيره: ولهذا كان أصح القولين أن هذه البلدة هي بيت المقدس كما نص على ذلك غير واحد، إلى أن يقول:.... وقال آخرون هي:( أريحاء)... .
وعندما ذكر السيوطي هذه الآية فإنه قال:( فلم يخص الله تعالى مسجداً سوى بيت المقدس بأن وعدهم أن يغفر لهم خطاياهم بسجدة فيه دون غيره إلا بفضل خصه به).
وذكر الإمام القرطبي في تفسيره لهذه الآية قائلاً:( واختلف في تعيينها فقال الجمهور: هي بيت المقدس، وقيل: أريحاء من بيت المقدس، والضحاك قال: الرملة والأردن وفلسطين وتدمر،إلى أن يقول:... والباب الذي أمروا بدخوله هو باب في بيت المقدس يعرف اليوم بـ" باب حطة").  
2-  قوله تعالى أيضاً من سورة البقرة: "ومَنْ أظلم ممن منع مساجد الله أن يُذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم" البقرة (114).فقد قال السيوطي: نزلت في منع الروم المسلمين من بيت المقدس، فأذلهم الله وأخزاهم ولا يدخله أحد منهم أبداً إلا وهو خائف متلفع ثوب الخزي والهوان والصغار.

 

3- قوله تعالى: "يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين" المائدة "21".
فقد ذكر القرطبي قائلاً:( المقدسة) قال قتادة: هي الشام، وقال الزجاج: دمشق وفلسطين.  وقال السيوطي: سماه الله تعالى ـ يعني بيت المقدس ـ مباركاً ومرة مقدساً.
وقال ابن كثير: تحريض موسى لبني إسرائيل على الجهاد والدخول إلى بيت المقدس.
فالخطاب موجه لسيدنا موسى عليه السلام، وهذا يدلل على قدسية هذه البلاد قبل بعثة سيدنا موسى وعيسى وقبل بناء الهيكل وكنيسة المهد.

 

4- قوله تعالى: "ونجيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين" الأنبياء "71".
فقد ذكر القرطبي: وعن ابن عباس: أنها الأرض المقدسة، في تفسيره وكذلك فقد قال المفسرون منهم: ابن الجوزي في زاد المسير وغيره: بأن الله نجّى إبراهيم ولوطاً عليهما السلام إلى الأرض المباركة أرض الشام وفيها فلسطين بعد أن كانا في العراق.
وذكر ابن جرير الطبري في تفسيره عن ابن عباس: إن الأرض المباركة هي بيت المقدس، لأن منها بعث الله أكثر الأنبياء، وهي كثيرة الخصب والنمو، عذبة الماء. 

 

وقال السيوطي: إن المراد بذلك بيت المقدس.

 

5- وقوله تعالى: "ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شيء عالمين"  الأنبياء "81"
فقد قال ابن الجوزي والقرطبي في تفسيرهما، وابن كثير في تفسيره: بأن الله سخر لسليمان عليه السلام الريح تهب بشدة، وتجري بسرعة إلى الأرض التي باركنا فيها: (أرض الشام).

 

   
6- وقوله تعالى: "ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي
 الصالحون" الأنبياء "105".
فقد ذكر السيوطي المراد بهذه الأرض عدة أقوال ومنها: أنها الأرض المقدسة.
وقال: قيل: الأرض ها هنا التي يجتمع فيها أرواح المؤمنين، يعني يكون البعث، ويقال: الأرض المقدسة يرثها محمد صلى الله عليه وسلم.

 

7- وقوله تعالى:" ... وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين" المؤمنون"50".
فقد ذكر القرطبي قائلاً: والمراد بها هاهنا في قول أبي هريرة: فلسطين، وعنه أيضاً: الرملة...، وقد ذكره ابن كثير في تفسيره، وقال كعب وقتادة: بيت المقدس، كما وذكر ابن كثير قائلاً: وكذا قال الضحّاك وقتادة:(إلى ربوة ذات قرار ومعين) : هو بيت المقدس فهذا والله أعلم هو الأظهر.  

 

  
8- وقوله تعالى: "واستمع يوم يُنادِ المُنادِ من مكانٍ قريب" ق "41".  
فقد قال ابن الجوزي، والقرطبي وابن كثير في تفاسيرهم: بأن الله يأمر إسرافيل أن يقف على صخرة بيت المقدس لقربها من السماء وينادي: أيها الناس: هلموا إلى الحساب إن الله يأمركم أن تجتمعوا لفصل القضاء

 


9- قوله تعالى: "... فضُرب بينهم بسور له باب باطنه فيه  الرحمة وظاهره من قِبله
العذاب" الحديد "13".
فقد قال القرطبي: روي أن ذلك السور ببيت المقدس عند موضع يُعرف بوادي جهنم، وذكر مجموعة من الروايات يؤكد قوله، كما ذكر صاحب الأنس الجليل: هو سور بيت المقدس، باطنه أبواب الرحمة، وظاهره: وادي جهنم.

 

10- وقوله تعالى: "يوم يخرجون من الأجداث سراعاً كأنهم إلى نُصبٍ يُوفضون" المعارج "43".
فقد ذكر السيوطي في معنى: "إلى نُصب يوفضون" قائلاً: إلى صخرة بيت المقدس.

 

11- وقوله تعالى: "فإذا هم بالساهرة" النازعات "14".
فقد قال المفسرون: الساهرة: إلى جانب بيت المقدس، وقال القرطبي: قال الثوري:
الساهرة: أرض الشام، وقال عثمان بن أبي العاتكة: أنه اسم مكان من الأرض بعينه بالشام وهو الصقع الذي بين جبل أريحاء، وجبل حسان يمده الله كيف يشاء.

 

12- وقوله تعالى: "والتين والزيتون" التين "1".
فقد قال القرطبي: وروي عن ابن عباس وابن زيد: والزيتون: مسجد بيت المقدس، وقال الضحّاك: ".. والزيتون": المسجد الأقصى.
كما قال ابن كثير: قال قتادة: " والزيتون" هو مسجد بيت المقدس، وذكر السيوطي عن عقبة بن عامر الجهني أنه قال:" التين": دمشق، " والزيتون": بيت المقدس.

 


13- ولقد نص الله تعالى في كتابه الكريم بوضوح وجلاء وبلا لبس أو غموض فضل أرض فلسطين ونص على بركتها وما حولها ولا تحتمل أي معنى من المعاني سوى أرض فلسطين وذلك في قوله تعالى: "سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير" الإسراء "1".
 ولقد قال السيوطي عند ذكره لهذه الآية: فلو لم يكن لبيت المقدس من الفضيلة غير هذه الآية لكانت كافية، وبجميع البركات وافية، لأنه إذا بورك حوله، فالبركة فيه مضاعفة، ولأن الله تعالى لما أراد أن يعرج بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم إلى سمائه، جعل طريقه عليه تبياناً لفضله.   

 

القـدس في السنـة

 

ومن الأحاديث التي وردت بالقدس وفلسطين:
- روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى).       
- عن ميمونة مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها قالت: أفتنا يا رسول الله في بيت المقدس(القدس)، قال:(أرض المحشر والمنشر، ائتوه فصلوا فيه، فإن الصلاة فيه كألف صلاة في غيره).
- وروى ابن عساكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:(مَنْ أراد أن ينظر إلى بقعة من بقاع الجنة فلينظر إلي بيت المقدس).
- وروى أبو داود والبزار عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(مَنْ أهلّ بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى غُفر له ما تقدم من ذنبه).

 

من تـاريخ القـدس

 

لقد مرت على القدس عصور كباقي المدن والقرى، وتناوبت على القدس أمم وأجناس، وتعرضت القدس إلى سنن الله الكونية سواء الحروب التي يسببها الآدميون، أو الظواهر الكونية البيئية كالزلازل.
فالقدس لها ارتباط تاريخي بالعرب الذين أول مَنْ أسسوا قواعدها، فقد اتفق المؤرخون على أن اليبوسيين وهم: (من القبائل الكنعانية التي خرجت من الجزيرة العربية إلى فلسطين) ـ هم أول مَنْ أسس مدينة القدس، فقد تم اكتشاف قبور تعود إلى العصر البرونزي المبكر سنة 3200- 2000 قبل الميلاد، وسورها في العصر البرونزي المتأخر سنة 1550- 1000قبل الميلاد.

 

ومر على القدس عهود: فرعونية، وعبرانية، وآشورية، وبابلية (عصر نبوخذ نصر)، وفارسية، ويونانية، ورومانية، وبيزنطية.
ويقول المؤرخون والباحثون: وفي كافة العهود التي كانت تمر بسكان القدس وبها أحداث تاريخية ألمعها:
في العصر البيزنطي: أصدر قسطنطين مرسوماً وحّد المذاهب المختلفة، وحرّم على اليهود: الإقامة أو العيش في القدس.  

 

القدس في ظل الإسلام:

 

ورد في (فتوح البلدان) للبلاذري: (كانت أول وقعة واقعها المسلمون الروم في خلافة أبي بكر الصديق، أرض فلسطين وعلى الناس عمرو بن العاص...) ويقول: د. عزت جرادات في كتابه(تاريخ القدس وحاضرها):
إلا أن أبا بكر الصديق قضى نحبه قبل أن يتم فتح فلسطين، وشهدت خلافة عمر بن الخطاب أشد المراحل حسماً في تقرير مصير فلسطين، فبعد سلسلة من الفتوحات في بلاد الشام توجه القائد أبو عبيدة عامر بن الجراح نحو مدينة القدس، التي طلب سكانها بعد حصارها أن يكون تسليمها إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وقد قبل أبو عبيدة ذلك.

 

وكان أول عمل قام به الخليفة عمر بن الخطاب، لدى وصوله إلى بيت المقدس، أن أعطى أهلها العهد التاريخي المعروف بالعهدة العمرية، وغادرها بعد عشرة أيام.
وبدخول الإسلام والمسلمين مدينة بيت المقدس بدأ التغيير التلقائي والتدريجي للطابع الحضاري فيها: إذ انتشر الإسلام واللغة العربية، وذلك متناسب مع أصل المدينة العربي، وحل السلام والأمن والتعايش والتسامح بين سكانها، مسلمين ومسيحيين.

 

ثم تناول د. عزت العهد الأموي والعباسي والفاطمي والسلجوقي ثم الفرنجة( الصليبيين) مؤكداً على أهمية القدس عند المسلمين نقل ما أورده الطبري والمسعودي بأن معاوية بن أبي سفيان بويع في بيت المقدس لتضفي على أهمية القدس ولتحمل معنى المبايعة دينياً.

 

وأكد على أن مدينة القدس حظيت رعاية إعماراً وترميماً في عهد المنصور والمهدي ولده، وما قدمه المأمون لترميم قبة الصخرة.
والفاطميون أعادوا إعمار مسجدها بعد الزلزال سنة 425هـ، والسلاجقة الأتراك تنافسوا مع الفاطميين على القدس وجعل أحد السلاجقة القدس مركزاً لحكمه.
وظلت القدس تعاني من الاحتلال الصليبي حتى تمكن صلاح الدين الأيوبي من تحريرها يوم الجمعة: 27/رجب/583هـ الموافق: 2 تشرين الأول سنة 1187م أمجد أيام تاريخ القدس حيث وقّع ملوك الصليبيين وأمراؤهم وقادتهم على اتفاق تسليم القدس على يد الفاتح صلاح الدين رحمه الله.

 

وعاد الطابع العربي الإسلامي واستتب الأمن والسلام وغدا المسجد الأقصى مرة أخرى مقصد العلماء والفقهاء ورجال العلم والمتعلمين، ثم آل الأمر بعد معركة "مرج دابق" إلى الأتراك العثمانيين وكانت القدس لها مكانة خاصة عند بني عثمان وشهدت القدس والحرم القدسي إعماراً ضخماً.
ثم أصبحت القدس وفلسطين تحت الانتداب البريطاني سنة 1917م وأصبحت تحت إدارة عسكرية وانتهجت بريطانيا سياسة تهويد أرض فلسطين لا سيما القدس وأصبحت مدينة القدس مركزاً رئيساً للمقاومة، واندلعت الحروب بين الجيوش العربية واليهود واحتلت "إسرائيل" القسم الغربي من القدس. 

 

  
هذه نقاط عن العصور التي مرت بفلسطين وبيت المقدس، ويقول مصطفى مراد الدباغ في مقدمة (موسوعة بلادنا فلسطين) الجزء الأول:
(يتضح من قراءة هذا الجزء أن دعوى اليهود في حقهم التاريخي في فلسطين ليس له مبرر، وهي دعوى باطلة وفاسدة ليس لها مثيل في التاريخ، وافتراء واضح عليه، فإنهم لم يعرفوا فلسطين إلا في بعض عصورها القديمة، ولم يملكوا إلا جزءاً منها لمدة وجيزة، كانت سيادتهم فيها هزيلة متقطعة، امتلأت أخبارها بالفظائع. وبعد أن مزقهم الرومان شر ممزق في أوائل العهد المسيحي، اختفت اليهودية من فلسطين اختفاء كاملاً، وخلت البلاد من اليهود خلواً يكاد يكون تاماً حتى أواخر
 القرن الماضي.

 

فاليهود دخلوا وطننا وخرجوا منه كما دخله وخرج منه غيرهم من الأمم الغابرة.
وأما صلة العرب بفلسطين وحقهم التاريخي فيها فخالد وصريح لا جدال فيه. فإنهم متصلون فيها، وسكنوها منذ فجر تاريخها ومن قبل أن يوجد يهود في العالم، ولم ينقطعوا عنها، واستمروا فيها إلى يومنا هذا. كما وأن صبغتهم وسيادتهم فيها كانت كاملة. فالعرب لا اليهود أصحاب تلك الصلة وأصحاب ذلك الحق.
فإرجاع اليهود إلى فلسطين وتمكينهم من إقامة دولة يهودية فيها أمر ينافي التاريخ، وبدعة لم تعرف الدنيا لها مثيلاً.)

 

موقع فلسطين الجغرافي ( القدس):

 

تقع فلسطين في الغرب من قارة آسيا، وهي القسم الجنوبي الغربي من بلاد الشام.     
يحد فلسطين من الغرب: البحر الأبيض المتوسط، ومن الشرق: سوريا والأردن، ومن
الشمال: الجمهورية اللبنانية وسورية، ومن الجنوب: سيناء "جمهورية مصر العربية" وخليج العقبة "المملكة الأردنية".
من خلال توضيح حدود فلسطين وموقعها يتأكد بأن فلسطين تربط بين قارة آسيا وأفريقيا، وفي وسط العالم العربي والإسلامي، ففلسطين متميزة بموقعها الاستراتيجي الذي يتحكم بحركة البلدان العربية، ففلسطين تتحكم بحركة العالم بوسائل النقل البرية والبحرية، وأصبحت فلسطين بوجود المغتصب لها خنجراً مسموماً عطل حركة العالم العربي والإسلامي من كافة نواحي الحياة.

 

إن أرض فلسطين وبيت المقدس يقطنها الفلسطينيون الذين تربطهم علاقات القرابة والنسب مع الدول الإسلامية والعربية المجاورة ونجد الكثير من العائلات الفلسطينية يحمل أقاربهم جنسيات للدول المجاورة بسبب ظروف حياتهم المعيشية وذلك قبل الهجرة عام 1948م وبعدها، وهذا يتطلب التواصل وصلة الرحم بين الأقارب، ولكن اغتصاب فلسطين وما يتخذه المغتصب حول القدس وإقامة الجدار العازل حوله يؤدي إلى مشاكل يعاني منها الفلسطينيون وأهالي الدول الشقيقة المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويعاني العرب والمسلمون من وجود هذا الخنجر في قلب العالم العربي والإسلامي.

 

فالجدار الفاصل، والحدود التي فُرضت بسبب الاحتلال لفلسطين يؤدي إلى تقطيع أوصال المدن والقرى والأحياء في فلسطين نفسها، وبين الدول المجاورة من أردنيين وسوريين ومصريين، بل يمنع المسلمين من أداء عبادتهم يحرمون من شد الرحال إلى بيت المقدس بسبب اغتصاب القدس.
 فضلاً على ما يُفرض على المسلمين من تغيير ديموغرافي كما يقول أهل الاختصاص برحيل الكثير من الفلسطينيين عن ديارهم وممتلكاتهم بسبب سياسة الحصار الغاشم.

 

بعض المخططات والمؤامرات ضد بيت المقدس:

 

طمس الهوية الإسلامية والعربية:

 

1- محاولة اليهود إغراء السلطان عبد الحميد رحمه الله للتنازل عن أرض فلسطين سنة 1901م.
2- هدم وطمس حارة المغاربة وجعلها ساحة لحائطهم المزعوم سنة 1967م، والقيام على عملية الحفر تحت المسجد الأقصى بحجة الدراسات التاريخية والبحث عن الآثار لتدمير المعالم الإسلامية.
3- حرق منبر صلاح الدين الأيوبي رحمه الله في: 22/8/1969م.
4- فتح الرشاشات على العاكفين في المسجد الأقصى وقتل عشرين شهيداً على أروقة ومصاطب المسجد الأقصى في: 8/10/1990م.
5- فتح نفق تحت المسجد الأقصى بإذن من "تننياهو" في شهر سبتمبر سنة 1996م أشعل فتيل المظاهرات والاحتجاجات تبعها مجزرة على مصاطب المسجد الأقصى واستشهد أكثر من ستين شهيداً في: 27/9/1996م.
6- تحدي شارون لمشاعر المسلمين واقتحامه للمسجد الأقصى سنة 2000م واشتعلت انتفاضة الأقصى.
7- هدم باب النبي (باب المغاربة) في مطلع شهر محرم/1428هـ - فبراير/2007م

 


لم تتوقف الحفريات والتعديات للسعي إلى طمس المعالم الإسلامية والعربية في القدس وكافة قرى ومدن فلسطين، وقيام المحتلين على التزييف والتزوير لتاريخ فلسطين والقدس بقيامهم على تزوير الحقائق التاريخية بتزوير آثار وغرسها في فلسطين ليوهموا العالم بأن الأرض غير إسلامية.

 

واجب الأمتين العربية والإسلامية نحو القدس

 

إن ظاهر أجندة تاريخ القدس يبين بأن الأمة الإسلامية والأمة العربية لم تتوقف عن نصرة القدس والدفاع عن أرض فلسطين، وكانت لهم المواقف الثابتة التي تهدف إلى عدم التفريط بشبر من أرض فلسطين وأولهم السلطان عبد الحميد رحمه الله حين قال قولته المشهورة: (إني لا أستطيع أن أتخلى عن شبر واحد من أرض فلسطين فهي ليست ملكاً لي، بل ملك المسلمين الذين ناضلوا في سبيل أرضها ورووها بدمائهم، وليحتفظ اليهود بملايينهم، فإن قَطّع السكين في بدني لأهون عليّ أن أرى فلسطين قد بُترت...).
كما وكان للمسلمين الدور الشعبي للدفاع عن فلسطين، فالكثير من المجاهدين من العالم الإسلامي قدموا إلى أرض فلسطين للدفاع عنها دفعتهم عقيدتهم للارتحال والجهاد عن القدس ومن أبرزهم الشيخ/ عز الدين القسام الذي جاء من سوريا الشقيق للدفاع عن الأرض المقدسة حتى استشهد بها.
وكانت الحكومات بصفة رسمية تؤازر قضية فلسطين والقدس ولازالت، وشكلت الجيوش العربية للدفاع عن فلسطين، وأنشأت منظمة مؤتمر القدس هدفها تحرير القدس وفلسطين في المحافل الدولية لتكسب فلسطين والقدس التأييد العالمي لنصرتها.

 

واعلم بأن قضية القدس قضية المسلمين بأسرهم يذكر ذلك كافة العلماء ومنهم:

 

- د. عدنان النحوي في كتابه (على أبواب القدس): فلسطين قضية الأمة المسلمة ....
وأورد حججاً وبراهين على قوله منها:
إن مسيرة الأنبياء كلهم إلى فلسطين تبرأت من كل عرق أو عصبية غير عصبية الإسلام. وإن مسيرة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تحمل رسالة الله.......... دعوة إسلامية ورسالة ربانية، لم تخلط شعاراً بشعار أبداً.
ثم يقول:......هذا التعبير لا يحصر المسؤولية في شعب دون شعب، ولا أرض دون أرض، ولا يرسم نهجاً ولا يقرر سياسة. أما حين نقول أنها قضية إسلامية فإننا نتجاوز الأرض والشعوب لنربطها بدين ورسالة وعقيدة.............. إنها قضية الأمة المسلمة كلها، قضية كل رجل آمن بالله واليوم الآخر وسائر شروط الإيمان، إنها قضية كل رجل مسلم، وسيُحاسب كل مسلم عن ذلك يوم القيامة، بغض النظر عن عرقه وجنسه وجواز سفره.................... كيف يرضى الإسلام أن يضع هذا التكليف الشرعي على كاهل شعب محدود أمام قوى دولية تكاتفت كلها صفاً واحداً مرصوصاً.....
لقد كان لعلماء المسلمين الدور الفاعل بدعوة الناس إلى الدفاع عن القدس وعن فلسطين وأصدروا البيانات والكتب بهذا الخصوص وعقدوا الندوات والمؤتمرات من أبرزهم مجمع البحوث الإسلامية والأزهر الشريف، وأصدرت المؤسسات العلمية والدينية في مصر وغيرها من الدول العربية والإسلامية والتي تؤكد حرمة التفريط بثرى فلسطين وقرروا إسلامية هذه الديار وقالوا: تحرير بيت المقدس فريضة شرعية لا يجوز التفريط بشبر من أرض فلسطين. وحرم العلماء المساومة أو الاستبدال لأرض فلسطين.

 

ويقول د. محمد عثمان شبير رحمه الله في كتابه ( بيت المقدس وما حوله):
- أن أرض بيت المقدس وما حوله إسلامية فتحها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتحاً مادياً حينما أُسري به إليها بروحه وجسده، وفتحها الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في السنة السادسة عشرة للهجرة، ومنذ ذلك الوقت اكتسبت صفة الإسلامية، ودخلت في دار الإسلام، وأصبحت جزءاً لا يتجزأ منها إلى أن يرث الله الأرض ومَنْ عليها، فلا تزول عنها تلك الصفة لأي عارض من عدوان أو اغتصاب، ويجب على المسلمين أن يدافعوا عنها بكل ما يملكون من قوة،
- ويعملوا على تحريرها كاملة غير منقوصة من أيدي الغاصبين الذين يعملون على إزالة معالم الإسلام العامة فيها كالمساجد والأحياء القديمة والأسواق الإسلامية وغير ذلك.

 

.... توجب على المسلم رفض جميع الحلول الاستسلامية المطروحة في هذا الوقت لحل القضية الفلسطينية، لأنها تتضمن التنازل الفعلي عن غالبية أرض فلسطين الإسلامية المباركة لليهود في مقابل السلام الهزيل.

..........توجب على المسلم رفض فكرة الوطن البديل عن أرض الإسراء والمعراج............

 

...إن حرص الخلفاء والحكماء الدائم على عمارة المسجد الأقصى وترميمه كلما أصابه شيء من التصدع أو التلف يوجب على حكام المسلمين اليوم في جميع بقاع الأرض العمل الجاد على تحرير المسجد الأقصى من قبضة يهود الذين يُبيّتون النيّة على إزالته من الوجود لإقامة الهيكل المزعوم مكانه.

- وخلاصة القول/ واجب الأمتين العربية والإسلامية نحو القدس:

 

أولاً: المسلمون والعرب على أرض فلسطين:

 

يلزم العرب والمسلمين على أرض فلسطين التشبث على أرضهم مرابطين على ثرى هذه الأرض المباركة امتثالاً لقوله تعالى: "اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون"
وليعتقدوا بفضل هذه الديار والمرابطة فيها امتثالاً لقوله صلى الله عليه وسلم: (يا معاذ إن الله سيفتح عليكم الشام من بعدي من العريش إلى الفرات، رجالهم ونساؤهم مرابطون إلى يوم القيامة، فمن اختار منكم ساحلاً من سواحل الشام أو بيت المقدس فهو في جهاد إلى يوم القيامة).
وليغرس أولياء الأمور في قلوب أبنائهم حب هذه الديار وبيان أفضليتها مع غرس روح الثبات والصبر وتحذيرهم من مغبة الهجرة وتذكيرهم بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ولعدوهم قاهرين، لا يضرهم مَنْ خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك. قيل أين هم يا رسول الله؟ قال: في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس).

 

ثانياً: المسلمون والعرب خارج فلسطين:
روى أحمد في مسنده، وأبو داود وابن ماجه في سننهما: عن ميمونة رضي الله عنها مولاة النبي صلى الله عليه وسلم قالت: قلت يا رسول الله افتنا في بيت المقدس؟ قال: (أرض المحشر والمنشر، ائتوه فصلوا فيه، فإن صلاة فيه كألف صلاة في غيره) قلت: أرأيت إن لم أستطع أن أُحمل إليه؟ قال:(فتهدي له زيتاً يسرج فيه فمن فعل ذلك فهو كمن آتاه).

فهذا الحديث نداء لكافة المسلمين في العالم لمؤازرة أهل فلسطين المرابطين على أرضهم المباركة ليبقى الفلسطينيون شوكة في حلق الأعداء الذين يسعون إلى ترحيل الفلسطينيين ويستولون على البلاد بلا عباد.
نداء للمسلمين على المستوى الشعبي لنصرة بيت المقدس بمد يد العون لإخوانهم المحاصرين في فلسطين الذي يسعى العدو بسياسته الظالمة لفرض الحصار السياسي والاقتصادي والاجتماعي على الشعب الأعزل.
وعلى المستوى الرسمي يلزمهم تذليل السبل التي تُمكن الفلسطينيين من تحرير القدس وإقامة دولتهم المستقلة داخل النظم الدولية والمحلية.
وعلى المؤسسات الدينية والتعليمية والثقافية أن تسعى إلى تجذير ونشر الثقافة الإسلامية المتعلقة بفلسطين والقدس دينياً وتاريخياً وجغرافياً وسياسياً، لتظل في قلوب شبابنا ولينهضوا لتحريرها.
 وفي الختام: إن بيت المقدس مُعظّم مبارك يُعظّمه المسلمون، ويعتقدون ببركته وما حوله، وقد ورد في الأثر عن قتادة رحمه الله قال:(... إن الله اصطفى صفايا من خلقه، اصطفى من الملائكة رسلاً، ومن الناس رسلاً، واصطفى من الكلام ذكره، واصطفى من الأرض المساجد،... إلى أن يقول:.... فعظِّموا ما عظّم الله، فإنما تعظيم الأمور بما عظمها الله به عند أهل الفهم، وأهل العقل).
فهذا نداء للمسلمين كافة لشد الرحال إلى المسجد الأقصى، وللدفاع عنه، وللعمل على تحريرهن والسعي للأخذ بأسباب النصر الكونية.
وإن استقام المسلمون على أوامر ربهم فسيكون النصر والفوز، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ليبلغن هذا الأمر مبلغ الليل والنهار بعز عزيز، وبذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل به الكفر)
هذا والله ولي التوفيق

 

                                                                

* شكرٌ خاص للقائمين على المؤتمر الدوليّ لنصرة القدس الأول الذي انعقد في كلّ من القدس المحتلة وغزة وبيروت في الفترة 6-7 حزيران 2007م حيث قًدّم هذا البحث في الجلسة الرابعة من المؤتمر والذي تناول المحور الديني لقضيّة القدس.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.