مقبرة مأمن الله "ماملا" معلم أثري إسلامي في بيت المقدس

تاريخ الإضافة الثلاثاء 18 تشرين الثاني 2008 - 9:49 ص    عدد الزيارات 14594    التعليقات 0

        

 


مقبرة مأمن الله " ماملا "
معلم أثري إسلامي في  بيت المقدس

بحث وتحقيق :
عبد اللطيف زكي أبو هاشم
مدير دائرة المخطوطات والمكتبات والآثار
فلسطين – وزارة الأوقاف

 

"روي عن الحسن أنه قال : " من دفن في بيت المقدس في زيتون الملة ، فكأنما دفن في سماء الملة "(1)
" هذه التربة المحفوفة بأنوار الأرواح القدسية ، وأسرار الملائكة، غالب من دفن فيها من مقابر الأولياء والشهداء والصالحين، والسادات الأبرار المقربين، ووقفنا ندعو الله تعالى في هاتيك الرحاب، ونقرأ الفاتحة لكل من دفن به من العوام والخواص ذوي الاقتراب"(2)

تتنوع الاعتداءات  الصهيونية في فلسطين حيث لا يسلم منها الأموات، عدا عن الأحياء الذين  يتعرضون باستمرار للهجمة الصهيونية الشرسة بشتى أشكالها، على البلاد والعباد، ويعمل المحتل على طمس المعالم الأثرية التي تشهد علينا وعلى حضارتنا في أرض فلسطين الحبيبة ، ولا يخفى علينا ما يخبئ لنا المحتل، وقد لا نفاجأ يوم نسمع أنه هدم أو فجر المسجد الأقصى المبارك، والسابقة موجودة بالحريق المشهور الذي طال المنبر الأثري، " منبر نور الدين بن زنكي على يد حاقد من مستوطني بيت المقدس جاء من الولايات المتحدة لينفذ فعلته الشنيعة، مايكل روهان الذي احرق ما استطاع سنة 1969 في حريق المسجد الأقصى المشهور، والمعلم الأثري الذي نحن بصدده  هو معلم قديم وخالد، بناه المسلمون الأوائل فاتحي هذه البلاد البواسل، مقبرة مأمن الله، والاسم يدل على المسمى " مأمن الله " التي جرت على الألسن بلفظ " ماملا " مأمن الله أي : إن من يدفن في هذه الأرض، سيكون في أمان من عقاب الله، هكذا هو المؤمل، من يجاور قبور الصالحين، أو من يمن الله عليه بأن يدفن معهم، وحتى يتمنى البعض لو دفن تحت إقدامهم. اشتهرت تلك المقبرة باحتوائها لمعظم قبور العلماء والصالحين والحكام والأمراء، و بالقرب منها مقامات الأنبياء والصديقين والشهداء، لذلك يحاول المحتل الغاصب طمس هذا المعلم الأثري الذي يثبت حقوقنا وينطق بوجودنا وحضارتنا وتاريخنا العريق الذي يمتد عبر القرون. وقد كانت معلماً ومزاراً لكل من تطأ أقدامه هذه البلاد يشير اللقيمي في رحلته الموسومة بـ"موانح الأنس برحلتي لوادي القدس " فيقول :
" وفي يوم الخميس ختام العام ذهبت بعد العصر بصحبة أعزة كرام إلى (مقبرة ماملا)، مدفن الخلاصة الأبرار الوارد في فضلها الأخبار والآثار، فعن الحسن: "أن أصلها (مأمن الله) وأن من دفن فيها فكأنما دفن في السماء، فزرنا من بها من السادات، ووقفنا بأعتاب تلك القادات، كالشيخ (عبد الله القرشي) و(ابن رسلان) و(ابن الهمام) و(ابن جماعة) الكبير الشان، والشيخ (الدجاني) و(الكمال بن أبي شريف) كما ذكره (الحنبلي) صاحب (تاريخ القدس الشريف) وغيرهم ممن محيت من قبورهم الآثار، ولم تزل تتلى في الكتب لهم الأخبار، فقرأت لهم ما تيسر وختمت بالسبع المثاني
ودعوت الله ببلوغ المنا وحصول التهاني، فانشرح بتلك الزيارة صدري، واستبشرت بنجاح قصدي وأمري  :

رعا الله وادينا المقدس أنه
  حوى روضة الفردوس أجداث ماملا
 
مآثر رضوان ومهبط رحمة
  أصبت به من عالم الغيب ماملا(3)"
 

وفي سنة 1101هـ  زار المقبرة الشيخ عبد الغني النابلسي وقال : "وفيها خلق كثير من الأكابر والأعيان والشهداء والصالحين والتابعين (4) " ومعظم أرض تربة مأمن الله من الصخور الصم، وحفر القبور فيه مشقة زائدة" (5)
لقد مضى زمان على مقبرة ماملا كانت فيه موضع عناية. وقد شيدت فيها على مدى قرون طوال قباب وأضرحة وترب بأنواع المرمر والرخام والأحجار الملونة، وكانت فيها مئات الشواهد المكتوبة بأنواع الخطوط الكوفية والأيوبية والمملوكية والعثمانية لكن المنشآت التي شيدت في المقبرة زال أكثرها والشواهد القديمة كانت قد أصبحت نادرة في بداية هذا القرن وكثير من الشواهد القليلة الباقية أمحت الكتابة عليها فلم تعد تقرأ واستعلمت في كثير من الأحيان لوحات الرخام للشواهد القديمة ليكتب عليها من جديد لقبور أحدث عهدا
" والمقابر والترب الإسلامية في القدس وما تضمه هذه المدينة المقدسة من قبور متفرقة لأعلام المسلمين خلال القرون المتعاقبة، تراث كان يجب أن يعنى به ذوو الشأن وأولو الأمر في العهود المختلفة صيانةً وترميماً وتجميلاً ليكون مصدراً من مصادر العلم والثقافة والتاريخ ومستنداً مهماً يدل على تلاحم أبناء هذه الأمة في حياتهم ومماتهم مع مدينتهم المقدسة، التي أسرى الله عز وجل برسوله إليها والتي بارك سبحانه من حولها "(6).
وهذه المقبرة من أهم مقابر المسلمين في بيت المقدس "و يظهر أنها أنشئت  بعد الفتح الصلاحي، وكانت لها أفضلية عند أهل القدس، وربما عاد ذلك مما انتشر بينهم، ولصق باعتقادهم، إضافة إلى حرمتها كمقبرة، فإن وجودها في بلاد مقدسة، أرض المحشر والمنشر، ومجيء الأخبار بأن "من دفن في بيت المقدس في زيتون الملة، فكأنما دفن في سماء الدنيا" و "إنها روضة من رياض الجنة" يعتبر من نافلة القول في مجال حرمتها".
فمكانتها كمقبرة، تضفي عليها أهمية حرمتها، ومن ثم تأتي أهميتها في كون عدد كبير ممن نزلوا ثراها لهم أثرهم الفعال، وأهميتهم في خدمة الدين والعلم والمجتمع.
 ومن هنا، فلا غرابة أن يقول مجير الدين "وفيها خلق من الأعيان والعلماء والصالحين والشهداء" وأن يكرر قوله النابلسي "وفيها مدفن الأعيان من الأمراء" وأن يقول اللقيمي "وإنها مدفن الخلاصة من الأبرار الوارد في فضلها الأخبار والآثار" وأن يقول العارف "فإنها بلا مراء أقدم مقابر القدس عهداً وأوسعها حجماً، وأكثرها شهرة" ثم يقول "ولقد كانت ولا تزال في أيدي المسلمين منذ قرون يجلونها أجلال منقطع النظير. ذلك لأنها تعج بالعدد الوفير من الصحابة والمجاهدين والعلماء والأقطاب الصالحين" ويقول خلف "وتقوم على رقعة من الأرض وارت الأجداد، ممن أخرجتهم هذه البلاد، أو شغفتهم حباً، فأقاموا فيها وآثروها على أوطانهم فقضى الله قضاءه فيهم فيها، وشعبتهم شعوبهم فتوسدوا ثراها إلى يوم يبعثون" ويقول أيضاً "وإنما نحن هنا لذكر أهمية هذه المقبرة وقدسيتها، فهذه التربة تحوي رفات عظماء الماضي في تاريخنا الطويل، وتضم أجساد مفكرينا وعلمائنا ومجاهدينا الذين لهم سجلات خالدة في تاريخ الإسلام عامة، والقدس خاصة"(7) .  

 


تاريخها وموقعها وأهميتها :

 

تقع  مقبرة ماملا  بالقرب من باب الخليل في القدس الشريف. وهي من أهم المقابر التي تحوي قبور علماء وعظماء مدينة بيت المقدس، حوّلها اليهود لمكان شركة كبيرة(8). وقد طُمست من قِبل اليهود حيث قاموا بتجريفها والبناء فوقها.
 وعن تاريخ نشأتها وبدايات الدفن فيها  يشير عبد الله مخلص في كتاب "الإشارة إلى من نال الوزارة" أنها اقترنت بفتح بيت المقدس حيث ( كان فتح بيت المقدس من قبل الجيوش المصرية في سنة 491هـ 1098م) عند نصب المجانيق عليها وهدم جانب منها وكانت بيد قواد الأتراك كأن الأفضل أراد أن يقف في وجه سيل الصليبيين الجارف الذي أخذ بالانحدار من القسطنطينية إلى بلاد الإسلام فطمى على أنطاكية وبلاد الساحل لكن ذلك لم يمنع القدر فسقط البيت المقدس في أيدي الفرنجة بعد حصار استمر أربعين يوماً لسبع بقين من شعبان سنة 493هـ 15 يوليو سنة 1099م وقد فتكوا بالمسلمين فتكاً ذريعاً وصاروا يقتلون الرجال والنساء والكبار والصغار والبنين والبنات وقتلوا داخل المسجد الأقصى ما ينيف على سبعين ألف من المجاورين ولا يزال في مقبرة ماملا ببيت المقدس تربة معروفة تضم رفات هؤلاء الشهداء الذين قتلوا صبراً وذهبوا ضحية التعصب الديني في الحرب الصليبية الأولى"(9). إذا هو شدة الفتك بالمسلمين من قبل الصليبين الحاقدين .
"ويبدو أن صلاح الدين الأيوبي قد علم بموضع أجداث وجماجم من قتلهم الصليبيون فرغب أن يلحق بهم من استشهد من رجاله وجنده كاستمرار لمناجزة الصليبيين ولهذا نرى أحد كبار أمرائه : عيسى بن  محمد الهكاري الشافعي " توفي سحر ليلة الثلاثاء تاسع ذي القعدة سنة خمس وثمانين وخمسمائة بالمخيم بمنزلة الخروبة ـ موضع بالقرب من عكا ـ وحمل من يومه إلى القدس الشريف ودفن بظاهره بتربة ماملا " (10)
ويشير العسلي بصورة أكثر دقة فيقول : " مقبرة ماملا هي كبرى مقابر بيت المقدس الإسلامية وأوسعها شهرة. تبلغ مساحة هذه المقبرة 168 دونما"(11) وهي تقع خارج المدينة القديمة إلى الغرب على بعد حوالي ميل واحد من باب الخليل ولا يعرف بالتحديد متى استعملت كمقبرة ويذكر المؤرخون أن سنحاريب ملك آشور عسكر في أرضها بجيشه عندما جاء لفتح القدس سنة 710 ق.م  وقد ارتبط اسم المقبرة بأهم الأحداث التاريخية التي مرت بالقدس. ومن ذلك مثلا احتلال الفرس للمدينة سنة 614م واحتلال الصليبيين لها سنة 1099م واسترداد القدس بقيادة صلاح الدين سنة 1187 م وفيما يتعلق بالحدث الأول اقترن فتح الفرس للمدينة بعمليات واسعة من التدمير والنهب والسلب وقدر عدد القتلى من سكان المدينة المسيحيين بأكثر من ستين ألف نسمة دفن عدة آلاف منهم في ماملا"(12) 
كما لا يخلو الاحتمال أن يكون قد دفن من شهداء المسلمين زمن الفتح الصلاحي شهداء آخرون، إلا أن النص يبقى أقدم نص يدل على الدفن في العصر الأيوبي في المقبرة(13) . 

 

مساحة المقبرة :

 

 
تقع مقبرة  "مأمن الله" والتي يسميها البعض "ماملا" - بمعنى ماء من الله أو بركة من الله – غربي مدينة القدس القديمة وعلى بعد كيلومترين من باب الخليل، وهي من أكبر المقابر الإسلامية في بيت المقدس وتقدر مساحتها "بمائتي دونم" بينما قدرها المهندسون بتاريخ 16/4/1929 بـ ( 137.450.29م2) أي بنحو 137 دونماً ونصف، علماً أنه استثني منها بناية الأوقاف التي كانت مبنية على جزء من أرض وقفها، ومقبرة الجبالية التي كانت على القلندرية، والتي يفصلها عن المقبرة الشارع، وعندما سجلت المقبرة في سجلات دائرة الأراضي – الطابو- بتاريخ 22/3/1938 سجلت مساحتها (134.560) من الدونمات واستصدر بها وثيقة تسجيل أراضي "كوشان طابو" ضمن أراضي الوقف الإسلامي(14).
ويحدد العلامة الأنصاري بدقة أكبر فيقول : "إنها  تمتد إلى منطقة دير الروطزبون (شارع الملك جورج ) وإلى قرب سور المدينة شرقاً، ومن أواسط منحدرات رأس الميدان (15) شمالاً، حتى الأرض المقامة عليها جمعية الشبان المسيحية اليوم . ...  وفي خارطة (16) للمقبرة أعدت بتاريخ 16/4/ 1929 م من قبل المهندس "س . توروك" وآخرين، فقد بلغت مساحة المقبرة (29 و 450 و 137 م 2) علماً بأن مقبرة الجبالية التي كانت عليها القلندرية والتي يفصلها عن المقبرة الشارع من ناحية القبلة، والتي أقيمت عليها بناية الأوقاف، لم تدخل ضمن مساحة المقبرة.(17) ويلاحظ على حدود هذه الخارطة، أن حدود المقبرة من الطرف الجنوبي الغربي والجنوبي، والجنوبي الشرقي، تطل على طرق عامة، أما حدودها من الطرف الشمالي الغربي وباتجاه الشرق فكانت على التوالي مع : عائلة طنوس، ناصر دجاني إخوان، ثم طريق عام. وفي الشمال الشرقي عائلة أرمنيان، ماقوريان، بويكومايوس، حنة طنوس، أرمنيان ، شكيب النشاشيبي فوير ماشوليودي، محمد إسماعيل الطزيز، وطريق عام، ورديا، حبيب شاخم دار لليونان أرمنيان، عيسى، قطعة غير معروف صاحبها، تومار انستاس  دجاني.
هذا كل ما أحاط بالمقبرة من طرق عامة وأملاك خاصة شكلت حدودها مع المقبرة وذلك حسب خارطة المساحة المذكورة.
وعندما سجلت المقبرة في سجلات دائرة الأراضي "الطابو" سنة 1938 م. سجلت مساحتها (560 . 134) من الدونمات.(18) 
تسجيل مجدد بموجب أمر مدير تسجيل الأراضي رقم 17985/ 128 . 1555 مؤرخ 3/3/938. مقبرة مأمن الله ."
وتشير وثيقة بكشف مساحات أراضي الأوقاف، أن مساحة المقبرة 150 من الدونمات ، ولا نعرف في أية سنة كان ذلك لأن الوثيقة لا تحمل تأريخا لكن أكبر الظن أنها تعود إلى سنة 1923 م (19) ."
أهمية المقبرة وما تحويه من قبور للصالحين :
 يقول صاحب الأنس الجليل مجير الدين الحنبلي : " وفيها خلق من الأعيان والعلماء والصالحين والشهداء" (20) و يكرر قوله النابلسي : "ومقبرة ماملا بالقدس الشريف من جهة الغرب هي أكبر مقابر البلد  فيها خلق كثير من العلماء والأعيان والشهداء والصالحين"  وأن يقول اللقيمي : "و أنها مدفن الخلاصة الأبرار الوارد في فضلها الأخبار والآثار"
ويقول العارف : "إنها من أكبر المقابر الإسلامية في بيت المقدس، لا بل إنها أكبرها طراً ... وهي أقدم المقابر عهداً، وأوسعها حجماً، وأكثرها شهرة ً. ولقد ساير تاريخها تاريخ المدينة. وذكر معه مراراً . ففي هذا المكان مسح سليمان ملكاً سنة 1015ق.م . وفيه ألقى  الفرس بجثث القتلى من سكان المدينة عندما احتلوها سنة 614م(21) وفيه دفن عدد كبير من الصحابة والمجاهدين أثناء الفتح الإسلامي سنة 636م، وفيه عسكر صلاح الدين يوم جاء ليسترد بيت المقدس من الصلبيبين سنة 1187 م، ولقد كانت ولا تزال في أيدي المسلمين منذ قرون يجلونها إجلالاً منقطع النظير، ذلك لأنها تعج بالعدد الوفير من الصحابة والمجاهدين والعلماء والأقطاب الصالحين"

 

العدوان "الإسرائيلي" على المقبرة :

 

 
إن اليهود يلقون بأنقاض أبنية لهم في تربة "مأمن الله"، هذا ما كتبه مدير الأوقاف العام إلى مأمور أوقاف القدس "الإسرائيلي" في 6/7/1935.
ومنذ ذلك الحين ومقبرة "مأمن الله" تتعرض للانتهاكات "الإسرائيلية" المتواصلة، وكان آخر هذه الاعتداءات كما أشارت مؤسسة الأقصى لأعمار المقدسات الإسلامية، تحويل قسم كبير من المقبرة للرذيلة وخاصة بين اليهود الشواذ، وازدادت وتيرة العدوان "الإسرائيلي" على "مأمن الله" منذ عام 1967 يوم سقطت مدينة القدس والمسجد الأقصى.
وقد أشار الأنصاري إلى أن هناك نفقاً تحت أرض المقبرة في الوسط الغربي مليء بالجماجم
وممن كان لهم قصب السبق في التنبيه إلى الاعتداءات "الإسرائيلية" على هذه المقبرة الأثرية المؤرخ الفلسطيني الكبير عارف العارف حيث يتساءل مستغرباً : "... وما قولهم –اليهود- في مقبرة مأمن الله الإسلامية التي لم تكن أثناء القتال في حرب التقسيم سنة 1948 – هدفاً لقصف مدفعي، لا من العرب ولا من اليهود، وهي واقعة في صميم المنطقة اليهودية من مدينة القدس التي حطموا قبورها تحطيماً، وأزالوا كل أثر إسلامي كان فيها، وأبقوا على واحد فقط من ثمانية من مساحتها فيه قبور مبعثرة وأزالوا السبعة البواقي فحرثوها حرثاً وأنشؤوا فيها الطرق والمجاري والمراحيض، كما أنشؤوا فيها المباني والسوق التجاري المعروف :"بسوبرسول" وهناك مقابر إسلامية أخرى ومساجد كانت قائمة في عدد كبير من مدن فلسطين العربية التي احتلوها ... أزيلت من الوجود وبعضها قلبوه إلى متحف أو حانة لشرب الخمرة"(22).
 
أشار الشيخ صلاح في حديثه لـ"عشرينات" :"إن الانتهاكات "الإسرائيلية" مستمرة، حيث قامت بالسيطرة على مسجد عين كارم، ولا تزال تفرض الحصار والإغلاق عليه، وتمنعنا من إعماره لدرجة أنه بات يستخدم كمكان للدعارة، وما حدث في تلك المقدسات وقع بالتالي على مقبرة مأمن الله، حيث اقتطعت "إسرائيل" جزء كبير منها وأقامت عليها موقف للسيارات ومتنزه وفندق وشارع رئيسي، والآن تسعى إلى إقامة مركز للتسامح كما تدعي بدعم من جمعيات أمريكية
وأكد الشيخ صلاح بأن هذه المقبرة إسلامية تاريخية ودفن فيها بعض الصحابة، ثم تواصل الدفن فيها على مدار العهد الإسلامي. مما يجعل الاعتداء عليها اعتداء على تاريخنا الإسلامي ومقدساتنا".
وفي عام 1948 احتلت القوات "الإسرائيلية" الجزء الغربي من القدس فسقطت من ضمنها مقبرة "مأمن الله"، وأقرت "إسرائيل" قانوناً "يعتبر جميع الأراضي الوقفية الإسلامية وما فيها من مقابر وأضرحة ومقامات ومساجد –بعد الحرب– أراضي تدعى أملاك الغائبين، وأن المسؤول عنها يسمى "حارس أملاك الغائبين" الذي له حق التصرف بأوقاف المسلمين، وبذلك دخلت مقبرة "مأمن الله" ضمن أملاك حارس أملاك الغائبين لدى "دائرة أراضي إسرائيل".
منذ ذلك التاريخ قامت المؤسسة "الإسرائيلية" بتغيير معالم المقبرة وطمس كل أثر فيها، حتى لم يتبقَ فيها أقل من خمسة بالمائة من القبور التي كانت موجودة، وقدرت المساحة المتبقية منها بحوالي ثمن المساحة الأصلية.
وعام 1967 حولت المؤسسة "الإسرائيلية" جزءاً كبيراً من المقبرة إلى حديقة عامة، "حديقة الاستقلال"، بعد أن جرفت القبور ونبشت العظام البشرية وقامت بزرع الأشجار والحشائش فيها، وشقت الطرقات في بعض أقسامها.
وفي شهر سبتمبر عام 2002 أعلن عن النية بإقامة مبنى للمحاكم "الإسرائيلية" في المقبرة وفي شهر فبراير من العام 2004 أعلنت الصحف "الإسرائيلية" نية الحكومة "الإسرائيلية" افتتاح "مركز الكرامة الإنساني - متحف التسامح في مدينة القدس" على ما تبقى من أرض المقبرة الأمر الذي يؤكد تصميم "إسرائيل" إنهاء وجودها.
وجاءت دعوة الشيخ صلاح في مؤتمر صحفي عقب قرار للمحكمة العليا "الإسرائيلية" أجاز لشركة يهودية بناء ما يسمى "متحف السلام" على أرض المقبرة.
وفي مقابلة مع الجزيرة وصف الشيخ صلاح قرار المحكمة بالجريمة، وبأنه بمثابة إعلان حرب على الأمة الإسلامية جمعاء.
وكشف بأن مؤسسته وجهت رسائل إلى "أكثر من دولة عربية وإلى الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي وإلى السلطة الفلسطينية للضغط على الكيان لوقف الجريمة".
وأكدت المؤسسة أن سلطة الآثار "الإسرائيلية" وحفاريها يقومون بخلع العظام والهياكل العظمية من أماكنها وجمعها في صناديق تم وضعها في مخزن ملاصق لموقع الحفريات، ثم تنقل هذه الصناديق الممتلئة بعظام وجماجم وهياكل أموات المسلمين إلى جهات غير معلومة.
وكانت صحيفة هآرتس  قد أفادت في وقت سابق بنبأ الكشف عن عشرات الهياكل من العهد الإسلامي القديم، مؤكدة أنها أخليت من المنطقة دون تبليغ وزارة الأديان "الإسرائيلية" بذلك، خلافاً لإجراءات سلطة الآثار.
وقد أورد الباحث  سميح حموده (23) في بحثه القيم عن "إسرائيل" و المقدسات (24) معلومات هامة عن الاعتداءات "الإسرائيلية" على المقبرة فقال : "أنشأ الإسرائيليون على الأجزاء المدمرة منها حديقة الاستقلال ومواقف للسيارات وفندق بلازا الضخم ومراحيض عامة وفتحوا فيها الشوارع والطرق وزرعوا الجزء المتبقي بالأشجار لكي تطمس معالم المقبرة(93). وفي أعوام 85، 86، 1987  نفذوا عمليات جديدة من الحفر لتمديد شبكة مجار وتوسيع موقف السيارات فدمرت عشرات القبور وبعثرت عظام الموتى في المكان. وقد جمعت دائرة الأوقاف الإسلامية مجموعة كبيرة من العظام المبعثرة. ورغم احتجاجات الهيئة الإسلامية العليا ودائرة الأوقاف والمواطنين العرب وأعضاء في الكنيست "الإسرائيلي"، فإن البلدية نفذت مخططها وأجرت الحفريات فيها (94). وأشار الأستاذ الباحث إلى الصحف والجرائد التي نوهت بالحادثة وهي : : جريدة مرايا 25/12/1985، جريدة القدس 15/12/1985، جريدة الشعب 13/12/1985، جريدة الفجر 12/12/1985، جريدة الفجر 18/11/1986، جريدة الفجر 17/11/1986، جريدة القدس 13/11/1986، جريدة الشعب 6/11/1986، جريدة القدس 6/11/1986، جريدة الفجر 1/11/1986.

 

وثيقة هامة تثبت ملكية المقبرة

"وثيقة" كوشان طابو لتوثيق وتسجيل  مقبرة مأمن الله " (25)

 

 

 

وصف المقبرة : أرض بها قبور إسلامية قسم منها مشجر وقسم ملسا الموقع        : مأمن الله نوع الوقف   : وقف صحيح مضبوط الحدود        : شمالاً طريق، واسحق الياس ناصر، وحسن صدقي الدجاني وإخوته. جنوبا : طريق مأمن الله. ص 36 شرقاً : دير الأرمن ، وورثة يوهانس مركيان، وثيودور نيوليادس، وميناس يعقوب مناسيان وشكيب النشاشيبي، وراحيل ليوي، وإسماعيل محمد الطظيظ[ الطزيز] وجوانيا وروديانه، وحبيب شاهين، ودير الروم، وعيسى الغزاوي، وميخائيل نومايران وشركاه، ويعقوب طناس، وصدقي الدجاني، وطريق. غرباً : طريق قطعة ، قسيمة : 36/1 رقم الأملاك : 2786/ 35 المساحة     : 560. 134 دونم رقم المجلد : 53 رقم الصفحة : 50 رقم العقد   : 862 تاريخ الكوشان : 22/ 3/938 م

 

 

 

 وفي النهاية أورد قول الشاعر الفلسطيني  الكبير  ابن زُقّاعه الغزّيّ (  816 هـ/ - 1414 م) في مأمن الله(26):

  يا ساكني مامُلّا عيني عليكم ساهرة  وظاهر الحال أني في أرضكم مقبور مَدَدْتُ للوصل طرفي والجفن مقصور الكرى  فأعجب لمدود دائم عن الكرى مقصور      فاركب على أيمُن الله في سرعةٍ و سْرٍ إلى الأقصى ومامُلّة فقمتُ من نومةٍ وأنشدته ستين بيتاً من فتوح الله *

 

 

 

الهوامش والمصادر

 

  (1)- الحضرة الإنسية في الرحلة القدسية للنابلسي ، تحقيق ودراسة  : أكرم حسن العلبي ص187 بيروت : دار المصادر ، 1990م .
 (2) - نفس المصدر السابق ص181 .
(3)  موانح الأنس برحلتي لوادي القدس ، ورقة  -113112 من المخطوط . " بحوزة  الباحث .
(4) الحضرة الانسية ص187 مصر سابق . 
(5)  - نفس المصدر ص 314 .
 (6) - أجدانا في ثري بيت المقدس ،للدكتور : كامل جميل العسلي ، دراسة أثرية تاريخية لمقابر بيت المقدس وتربها وأثبات بأسماء الأعيان المدفونين فيها ، عمان : المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية ، 1981م .  مقدمة ناصر الدين الأسد . ص4
(7)  - راجع : تاريخ مقبرة ماملا دراسة:  فهمي الأنصاري ص111 اشراف ومراجعة
د . حمد أحمد عبد الله يوسف، نشرة رقم (6) 1407 هـ /1987م  جزء 1
صادر عن قسم إحياء التراث الإسلامي .


(8)  - يشير مايكل دنبر إلى أن الأوقاف حاولت استثمار منطقة المقبرة وزيادة المدخول ببناء فندقاً فخماً ، لم ينجح قط في جذب الزبائن ، وثبت أنه كان استثماراً تجارياً فاشلاً "  انظر : سياسة إسرائيل تجاه الأوقاف الإسلامية في فلسطين ، لمايكل دنبر  ص194 . صدر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية ، بيروت.
  (9)- انظر : كتاب الإشارة على من نال الوزارة    ، حققه عبد الله مخلص ص59 ، نشره المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية ، 1928
(10)  مقبرة ماملا للأنصاري ص39 ، مصدر سابق .
(11)  انظر : " أجدادنا في ثرى بيت المقدس للدكتور : كامل جميل العسلي ، ص117
 (12) - نفس المصدر  ص117 .

(13)  - تاريخ مقبرة ماملا للانصاري ، ص39


  (14)- عن تقرير موقع المركز الفلسطيني للاعلام ، مقالة بعنوان " عين على المقدسات – مقبرة مأمن  الله " http://www.palestine-info.info/ar/
(15) رأس الميدان : هي المنطقة التي تقوم عليها اليوم البنايات الروسية ( المسكوبية )
(16)  خارطة مقبرة ماملا ، إعداد المهندس . توروك ، وحكمت أبو السعود وجودت درويش .  عن الأنصاري ص35 مقبرة ماملا .
 (17) - ماملا  للأنصاري  ص35 " 
 (18) - الأنصاري ماملا  ص35 .
(19)  فسم احياء التراث ... ، وثيقة من ملف رقم 10/9و 1 /23 /13 ( كشف بمساحات أراضي الأوقاف ) عن تاريخ مقبرة ماملا للأنصاري . ص36
(20) الأنس الجليل ... ( ط 1283هـ ) : ج2 ، ص 413 ( ط 1973م ) : ج2 ، ص 64 .
- . " الانصاري ص37 
  (21)- انظر : المفصل في تاريخ القدس لعارف العارف ص 505-506 ، ط5، القدس : مكتبة الاندلس ، 1999 م .
  (22)- أوراق عارف العارف " المجموعة الخامسة ص1229 " مآخذي على الحكم الإسرائيلي في القدس – مذكراتي عن نشاط المقاومة الفلسطينية " 18-5-1237" وراجع بصدد مقابر القدس ص1243-1244 من الكتاب .
(23)  - سميح  طه حمودة (باحث من فلسطين ، مختص في شؤون التاريخ الفلسطيني الحديث، وعمل في مركز الدراسات العربية بالقدس المحتلة).سابقاً له العديد من الأبحاث والمقالات وهو من المتخصصين في تاريخ فلسطين الحديث ،وأهمها :  كتاب : " الوعي والثورة " دراسة في حياة الشيخ عز الدين القسام ، نشرفي القدس سنة 1985 وأصدرته  جمعية الدراسات العربية .
 (24) - من شبكة الويب موقع نداء القدس : http://www.qudsway.com/more.php?type=new
  (25)- الأنصاري مقبرة ماملا  مصدر سابق .
(26)-ديوان الشاعر الصوفي الكبير ابن زقاعة الغزي " مخطوط " حققه وقدم له بدراسة وافية : عبد اللطيف زكي أبو هاشم ، قيد الإعداد للطباعة والنشر .

 

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.


د.أسامة الأشقر

لمى خاطر ... القضية إنسان !

الثلاثاء 24 تموز 2018 - 10:55 ص

في عتمة الليل يأتيك اللصوص الخطّافون، تُمسِك بهم أسلحتُهم ذات الأفواه المفتوحة، يقتحمون البيوت بعيونهم الوقحة، وتدوس أقدامهم أرضاً طاهرة ... وفي علانية لا شرف فيها يقطعون الأرحام وينتهكون الحرمات يتعم… تتمة »