أدب فضائل المدن في دراسات المستشرقين اليهود

تاريخ الإضافة الثلاثاء 21 تشرين الأول 2008 - 11:56 ص    عدد الزيارات 11457    التعليقات 0

        

 

أدب فضائل المدن
في دراسات المستشرقين اليهود

 

 

 


إعداد:
عبـد اللطيـف زكـي أبو هاشم
مدير دائرة التوثيق والمخطوطات والآثار

 



بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة

 

الاستشراق يعنى بدارسة الحياة الحضارية للأمم الشرقية بصفة عامة، ودراسة حضارة الإسلام والعرب بصفة خاصة، فالمجالات التي يبحث فيها اللغة والدين والحضارة والعادات والتقاليد.
ودوافع الاستشراق موروثة لدى الفرنجة والغربيين وهي امتداد للحروب الصليبية وراء الدوافع الاستعمارية والسياسية التي دفعت ملوك أوروبا إلى غزو الشرق واستعماره، خصوصاً بلاد الشام والأراضي المقدسة التي كانت تتمتع بطمأنينة روحية سرها الدين الإسلامي وحضارة مدنية عظيمة؛ لا عهد للنصارى واليهود بها أو بمثلها في بلادهم، كل هذه العوامل خلقت لدى الصليبيين التصميم عل الاستيلاء على هذه البلاد مهما طال الزمن وكثرت التكاليف وذلك بعد أن أخفق الغرب عسكرياً في الحروب الصليبية وحتى في الاستعمار الذي جاء في القرن التاسع عشر وهو امتداد للحروب الصليبية.
ويلاحظ الدارس أن الجيل الأول من المستشرقين كان من الرهبان والقساوسة وما زال بعضهم حتى الآن من رجال اللاهوت، وأن روح التعصب والأفكار الكنسية والنظر إلى الإسلام نظرة غير موضوعية.

 

مراحل الاستشراق:

 

1-المرحلة الأولى: وتبدأ بعد فتح الأندلس وازدهار الحياة العلمية فيها، وكذلك جزر البحر المتوسط وجنوب إيطاليا، وتنتهي هذه المرحلة بانتهاء الحروب الصليبية.
2-المرحلة الثانية: وتبدأ بعد الحروب الصليبية وتمتد إلى منتصف القرن الثامن عشر الميلادي تقريباً.
3-المرحلة الثالثة: وقد بدأت في منتصف القرن الثامن عشر على وجه التقريب، واستمرت إلى نهاية الحرب العالمية الثانية.
4-المرحلة الرابعة: وبدأت بعد الحرب العالمية الثانية وما زالت مستمرة حتى الآن. وهي ظهور نوع آخر من الاستشراق والذي اتسم بطابع آخر غير الطابع الأوروبي وبصورة أخرى، إلا أنها لم تختلف كثيراً تلك الصورة هذا الطابع هو ظهور الاستشراق والمستشرقين اليهود الذين كان لهم أثر كبير في إثراء (التصور الصهيوني) عن الحضارة الإسلامية والعالم الإسلامي. ومنذ أن بدأ المشروع الغربي الصليبي (الاستشراق) بدراساته عن الشرق الإسلامي، وركز جل جهوده لدراسة ثقافة الشرق المتمثلة بالثقافة الإسلامية كنقطة بداية لانطلاقة نحو معرفة الشرق واستكشاف ثقافته، والولوج والتضلع في أعماق معتقداته وتاريخه وحضارته.
كان الاستشراق اليهودي هو قسم ملتئم وغير منفصل عن المشروع الغربي، فهناك قاسم مشترك بين الاستشراق الغربي الأوروبي وبين الاستشراق اليهودي منذ ظهور الاستشراق كعلم مستقل له أهدافه وأساليبه ككيفية معرفة الحضارة الإسلامية والعالم الإسلامي.
والاستشراق اليهودي يمثل اللبنات الأولى التي نما فيها وترعرع، فقد عرجت الدراسات اليهودية في الاستشراق وعلى رأسها المستشرق (شبرنجر) و(جولدزيهر) و(شاخت) …، باتجاه في الدراسات نحو أهداف ديانته ومن ثم لغته والعمل على بعثها وإحيائها من جديد.
والمدرسة الأولى للاستشراق لم تكن لتقم لها قائمة لولا جهود (شبرنجر) و(زيهر) و(مونك) و(فامبري) و(شاخت)، وكانت هي الأساس الذي اعتمد عليه المستشرقون اليهود في فلسطين المحتلة.
لقد بدأ الاستشراق اليهودي في فلسطين على يد كل من (جوتياين) و(شلوسنجر) و(بلانك) و(بينس)، إلى أن امتد حتى البروفيسور (م. ي. كستر)، حيث اتجه بالاستشراق وجهة جديدة تتوجه بدراسة القضايا الحيوية والفعالة مثل (أدب فضائل المدن) و(فضائل بيت المقدس، نشأتها وأهميتها)، (الرواية الإسلامية في بلاد الشام) أو(روايات الشاميين) و(القبلة وتحويلها من بيت المقدس إلى الكعبة).
وقد نظم كستر مؤتمراً تحت عنوان (دراسات في الجاهلية والإسلام) سنة 1983م، وضم هذا المؤتمر المستشرقين اليهود من جميع أنحاء العالم، وكل حسب تخصصه ودراساته، وجل دراساتهم وأبحاثهم موجهة ومرشدة نحو سبر الإسلام وحضارته.
وقد تنوعت دراسات المستشرقين اليهود فكل حسب تخصصه واهتماماته فهناك طاقم يقوم بدراسات وأبحاث القرآن الكريم وتفسيره وأحكامه وعلومه، وآخر متخصص في علم الحديث الشريف، وأهم شخصية متخصصة ودراسة هذا العلم على مستوى الاستشراق العالمي هي شخصية البروفيسور (مئير يعقوب كستر)، وآخر يعمل في مضمار السيرة النبوية وصدر الإسلام وأهمهم د. م. ليكر.
وهناك من يعمل في حقل التاريخ الإسلامي وحضارته وهم كثير لا نستطيع الإتيان بذكرهم في هذه العجالة، وهم مقسمون حسب الفترات، فهناك طاقم للعصر الأموي، وآخر للعباسي وهكذا دواليك إلى العثماني، ومن ثم المعاصر حيث يتسلل الهدف في طريقه حتى يصل إلى (أمنون كوهين وسيفان وليفنن …الخ).
وهناك دارسو الفلسفة الإسلامية بجميع أقسامها وفتراتها وتوجيهاتها ونزعاتها من علم الكلام إلى الفرق الإسلامية القديمة حتى الوصول إلى أيديولوجيات الفرق المعاصرة (الأحزاب والحركات والجماعات الإسلامية في جميع أنحاء العالم الإسلامي) وهذا ما تؤكده معظم أبحاثهم ودراساتهم وأهم موجه لهذا الطاقم ولهذه الدراسات هو البروفيسور سلمون بينيس.
ولديهم أيضاً متخصصين في علم اللغات والأدب العربي بجميع فتراته وأنواعه، وكذلك اهتماماتهم بعلوم الجغرافيا والرحلات والآثار والاقتصاد والقانون الإسلامي.
وقد أفرد الجهاز الاستشراقي الموجه اهتمامات خاصة ومركزة حول قضية فلسطين، فباحثيهم جديون في بحث علاقة القضية الفلسطينية وانتقالها من قضية قومية إلى قضية إسلامية عالمية تهم المسلمين في جميع الأقطار وعلاقة ذلك بفضائل بيت المقدس في القرآن والسنة.
والجهاز الاستشراقي لم يغفل باحثوه ودارسوه للتوجه نحو دراسة الحق اليهودي في فلسطين (منذ داود حتى وقتنا الحاضر) فما نحن من وجهة نظر تاريخهم إلا غزاة لسنا بأصحاب حق أو أرض.
ولقد أفاضت عدة دوائر استشراقية في الوطن المحتل إلى تنبؤات جديدة ومثمرة ومفيدة في التعرف على قضايا الصراع العربي "الإسرائيلي" وجذوره.
ولم يغفل قادة الاستشراق في تدريس الإسلام لجيل (الصابرا) الجديد كي يتقن التعامل مع أبناء العروبة والإسلام، فلديهم كتباً إسلامية مهمة قد فرضت وقررت ليقرأها أبناء جيش الدفاع "الإسرائيلي"، وعدا عن الطواقم والأجهزة فهناك أساليب كثيرة تدور في دائرة الاستشراق ينبغي دراستها ورصدها وتفهمها من مؤسسات ودور نشر ودوريات ومؤتمرات …الخ.
وفي اعتقادي إن أهم مؤسسة تقوم بدراسة الإسلام وتدريسه بدقة وإخلاص لأبنائها اليهود هي (الجامعة العبرية بالقدس) و(جامعة تل أبيب). ولكن يا ترى لماذا كل هذه المؤسسات ولِم كل هذه الاهتمامات.
إن الإجابة على هذه التساؤلات لا تتسع لها الصفحات القليلة لذلك قمت بمحاولة الإجابة عن بعض الجزئيات وهي قضية اهتمام المستشرقين اليهود بأدب فضائل المدن وفضائل بيت المقدس (قبلة اليهود)، وسأحاول في هذه الصفحات أن أقوم بتنوير وإبراز هذه المعضلة بصورة مكثفة وأرجو أن أكون كذلك.

 

الفصل الأول
فضائل بيت المقدس وأدب فضائل المدن

 

إن موضوع فضائل المدن موضوع واسع وشامل، ولا يستطيع أحد الإحاطة به تماماً مهما حاول أن يزعم، بل إن الزعم في هذا المجال هو أشبه بالهذيان.
ولقد تعرض للبحث في هذا الموضوع كثير من الباحثين والمؤلفين على مر العصور، وكان الاهتمام بفضائل بيت المقدس يتم بنسب حسب كل عصر واحتياجاته، فمثلاً اهتم الأمويون بالفضائل أكثر مما اهتم بها العباسيون وذلك يرجع إلى أسباب كثيرة منها على سبيل المثال لا الحصر: "تدعيم مركز السلطة الأموية"، ولفت أنظار المسلمين إلى مبنى له هيبة تضاهي مباني النصارى وكنائسهم، وحتى يستتب الأمر للأمويين في بلاد الشام، وفي بيت المقدس بالذات؛ ومثال آخر هو تقهقر مكانة بيت المقدس أثناء فترة حكم "مسلمة بن عبد الملك" ؛ وذلك حينما أسس مدينة الرملة وجعلها عاصمة فلسطين؛ وبذلك حصل تقهقر لمكانة بيت المقدس مع تأسيس مدينة الرملة، وإعلانها عاصمة للبلاد(1)، وعادت فضائل بيت المقدس تتعزز وتثور إبان الحروب الصليبية؛ ولمواجهة الزحف الصليبي على البلاد، ولتجذير المقاومة والاستشهاد في سبيل إنقاذ بيت المقدس.
 وفضائل المدن هو: أن لكل مدينة فضيلة، وقداسة لدى أهلها لما لها من رصيد هائل بارتباطها بثقافتهم، وحضارتهم. "وقد لخص البروفيسور فون غرونباوم" درجات الطابع المقدس للمدن الإسلامية على النحو التالي:
1-  فضائل المدينة لتبركها بقبر أحد الأنبياء فيها، أو لوجود مقام له فيها، أو لأنها ضمت عدداً كبيراً من المنتسبين إلى النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-، أو من الشخصيات ذات الأهمية الدينية الكبيرة، أو كثرة العلماء فيها.
2-  الفضل الناجم عن الدور الذي ستلعبه المدينة يوم الدين.
3-  الفضل الناجم عن الدور الذي خصص للمدينة في خلق الكون.
ويضيف البروفيسور "فون غرونباوم" قائلاً: أنه تجدر الإشارة إلى أن مكة وبيت المقدس، وهما المكانان اللذان اعترف الإسلام بأهميتهما في تكوين الكون يمتازان في الوقت نفسه باحتوائهما على عدد كبير من قبور شخصيات دينية مرموقة تضفي من بركتها على سكان المدينتين وعلى حجاجهما.
وقد أبرز الزمخشري بصورة واضحة لا تقبل الجدل مدى أهمية وجود علاقة بين الأنبياء والصالحين؛ وبين بقاع معينة. الأمر الذي يجعل هذه البقاع أفضل من غيرها، وذلك بقوله: "البقاع تشرف وتفضل بمقام الصالحين الأخيار، ولقد شرّف الله بيت المقدس بمقام الأنبياء، والمدينة بهجرة رسول الله =صلى الله عليه وسلم-، وأصحابه -رضي الله عنهم-" (2) وهذه المقاييس جميعها قد انطبقت على كل من: مكة، والمدينة، والقدس، وللقدس مكانة كبيرة بين أدب فضائل المدن، فهي من المدن المقدسة لدى جميع أبناء الديانات السماويّة وليس في الإسلام فحسب.
وكما قال عنها بعض الباحثين المعاصرين: "القدس هي مدينة متميزة عن سائر المدن في أيامنا هذه، وكذلك كانت ظاهرة غير عادية على مدى التاريخ الإنساني، فإذا تطلعنا إلى خريطة الشرق الأوسط التاريخية، لشهدنا قيام مراكز حكم وحضارات أقدم منها ليس فقط في فلسطين فحسب، بل في غيرها من المناطق كمصر أو العراق، حيث نشأت مدن أهم منها أضعافاً مضاعفة في عصور لم تكن القدس فيها معروفة أبداً، ومع ذلك فإن الأمر الذي تثيره القدس في الذاكرة الإنسانية أعمق من الأهمية النسبية التي كان من المتوقع أن تثيره استناداً إلى الكبر النسبي لمساحتها، وعدد سكانها في الماضي، أو إلى آثار الحضارة المادية التي بقيت من المراحل الأولى لتاريخها سواء في المدينة نفسها أو في المتاحف المختلفة في العالم. إن مصدر الانطباعات القوية التي تعكسها القدس في أذهان العامة والخاصة عبر التاريخ وحتى أيامنا هذه ناجمة بالطبع عن أهميتها الدينية والثقافية(3)

 

الفصل الثاني
"أدب فضائل القدس في دراسات الباحثين المعاصرين"

 

قام ببحث هذا الموضوع كثير من الباحثين والدارسين في العصر الحاضر وتحدثوا عن نشأة فضائل بيت المقدس، وكيف تطورت حتى وصلت إلى ما وصلت إليه الآن وبالصورة التي تمت فيها واكتملت. ومن أبرز من بحث في هذه القضية بتوسع وأحاطه وشمول وأولاها عناية كبيرة البروفيسور (م. ى قسطر) حيث أفرد لهذه القضية "أدب فضائل القدس" عدة مقالات وأبحاث وقد أولاها عناية خاصة لما لها من أهمية في البحث الاستشراقي الحديث. وقد اخترت من تلك الأبحاث بحث حول الحديث المعروف "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد"(4) دراسة لحديث مبكر فيعلق، قسطر على بداية فضائل القدس قائلاً "في بداية القرن الثاني ظهر إجماع بين علماء المسلمين حول قداسة هذه المساجد الثلاثة وقداسة البلدان الثلاثة، وقد ظهر هذا في الأدب المتعلق بهذه المدن. وقد ظهرت اتجاهات قديمة لتأكيد قدسية مكة، أو قدسية كل من: مكة والمدينة، والتقليل من قداسة القدس. وهذه النزعات والاتجاهات ظهرت في أحاديث مبكرة، وقد حفظ جزء منها في الأحاديث المعترف بها، وهذه الأحاديث التي من الممكن أن تكون قد سبقت إجماع المسلمين حول الحديث المتعلق بالمساجد الثلاثة"(5).
وللأستاذ قسطر ملاحظات مفيدة وهامة سنعود إليها في فصول قادمة أثناء الحديث عن قضية "شد الرحال"، والتعليق على حديث: "لا تشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد".
وهناك تعليق مهم لدى الباحث "عوفر ليفنين" في مقدمة تحقيقه لمخطوط "ابن المرّجا" "فضايل بيت المقدس" في أثناء تعليقه على أحاديث فضائل بيت المقدس، ونشأتها وتطورها الذي آلت إليه. فيقرر " ليفنين " أن: " الأحاديث المتعلقة ببيت المقدس انتشرت بشكل واسع في العهد الأموي. حيث لم يتم إيجاد أول مجموعتين تختصان بالنوع الأدبي لفضائل بيت المقدس إلاّ في النصف الأول من القرن الحادي عشر الميلادي.
لقد كتب أبو المعالي المشرف بن المرّجا بن إبراهيم المقدسي كتاباً عن فضائل بيت المقدس والخليل، وفضائل الشام. يعمل في الثلاثينيات من القرن الخامس للهجرة"(6) ويضيف هذا الباحث ملاحظة هامة وهي :"إن العدد الكبير للمتطابقات من مئات المواد العربية تشير إلى كيفية انتشار هذه الأحاديث بين العلماء المسلمين والإسناد المفصل أرجعنا إلى المصادر الكبيرة لابن المرّجا.
والظهور المتأخر لبعض المواد المخصصة لبيت المقدس قادنا إلى الاندهاش من بعض الباحثين، وبتدقيق جذر لسلسلة الرواة توصلت إلى أن المجموعات الكبيرة المتعلقة في بيت المقدس وجدت في القرن الثالث والرابع للهجرة "(7)، ويقرر الباحث "ليفنين" الجهات التي قامت على كاهلها فضائل بيت المقدس فيذكر منها: "زهاد أوائل المسلمين الأتقياء، والسلاطين الأمويين، والقصاص المسلمين "مروجي القصص"(8)، ثم يبين مدى ارتباط بيت المقدس، ومكانتها في علم الكونيّات، وفي الإيمان بالأخرويات، وكما نقلنا سابقاً عن "فون غرونباوم" تعليله لقداسة أي مدينة من المدن المقدسة بالدور الذي خصص للمدينة في خلق الكون، والدور الذي ستلعبه يوم الدين(9)، وبما أن مدينة القدس قد انطبقت عليها جميع المقاييس التي أوردها "فون غرونباوم"، فقد طبقها "ليفنين" على هذه المدينة أيضاً، وبصدد ارتباط بيت المقدس في علم الكونيات يقول: "العناصر المتعلقة بمركز المدينة في علم الكونيات نقلت إلى أقدس ملجأ للإسلام (الكعبة في مكة) مع أن أحاديث المسلمين عن بيت المقدس حفظت هذه العناصر أيضاً إلى بيت المقدس خاصةً ضمن حدود الصخرة (الصخرة المقدسة).
لقد وُضِعَتْ بيت المقدس في مصادر المسلمين كمركز للعالم. حيث أن بيت المقدس هي مصدر الماء العذب في العالم، وهي مكان الجنة، وهي أقرب بقعة إلى السماء. وفكرة المحشر السماوي المعاكسة لملجأ بيت المقدس ظهرت في أحاديث المسلمين بالرغم من أن هذا العنصر اليهودي معروف من أحاديث عن ملجأ سماوي مساوٍ للكعبة. معظم أحاديث المسلمين ترجح بقداسة بيت المقدس إلى تأسيس المعبد اليهودي في فترة داود بن سليمان. وفي الأحاديث اليهودية هناك محاولة لربط فضائل بيت المقدس مع شخصيات أوائل "(10).
ثم يلقي الباحث الضوء على الدور الذي لعبته المدينة في الإيمان بالأخرويات تحت عنوان: "دور بيت المقدس في الإيمان بالأخرويات" فيقول: "دور بيت المقدس في الإيمان بالأخرويات لم يذكر في القرآن. التفاسير القديمة للقرآن، ولأحاديث المسلمين التابعة لأفكار اليهود، والمسيحيين قالوا: إن القدس هي المكان الذي سيتم فيه البعث والحساب.
هذه مسألة مهمة في الهالة التي وجدت حول المدينة، وقد استغلت كمسألة جدالية في المحادثات السياسية. حسب الآيات القرآنية هناك تفسير يفيد بأن الملاك في يوم الآخرة سوف يقف على الصخرة، وينفخ بالبوق إشارة للبعث، وسوف يساق الناس للحساب من جميع أنحاء العالم. وقد وضعت بعض الأحاديث زيارة الكعبة في اليوم الأخير، ودورها كشفيع للمسلمين المخطئين. العادة بين اليهود على إحضار موتاهم لدفنهم في بيت المقدس لأن البعث بعد الموت سوف يكون في بيت المقدس أثّر على إيجاد نفس العادة عند المسلمين"(11). ويشير الباحث أخيراً إلى بيت المقدس كملجأ فيقول: "لقد لعبت بيت المقدس دوراً مهماً في الجدال بين علماء المسلمين حول محاولة تثبيت ملجأ متفق عليه للدين الجديد"(12). وممن كانت لآرائه قيمة كبيرة بصدد تعليقاته على نشأت فضائل بيت المقدس في الإسلام هو الباحث "اسحق حسون"، وذلك في مقدمة تحقيقه لمخطوط "فضائل البيت المقدس" "للواسطي" حيث ألقى الضوء على الدور الذي لعبه بنو أمية في رفع شأن بيت المقدس، أو في تكثيف مكانة بيت المقدس إن صح التعبير.
يبين "د. حسون" كيف نقل الأمويون مقر الخلافة من الحجاز عهد الإسلام إلى الشام، عهد اليهودية والنصرانية، وقد حدت هذه الخطوة بالأمويين إلى العمل من أجل إضفاء صيغة إسلامية مقدسة على الشام عامة، وبين المقدس خاصة. ولا نشك في أن معاوية كان مدفوعاً بدوافع سياسية قبلية بحتة حين قرر نقل العاصمة إلى دمشق، واستبدال الحجاز بالشام، ولم يكن صعباً عليه إثبات حرمة بلاد الشام، فالقرآن يسميها "الأرض المقدسة" في سياق خطاب موسى إلى بني إسرائيل، وفيها المسجد الأقصى الذي "بارك الله حوله" و"إليه أسرى بالرسول" كما أنه القبلة الأولى للمسلمين، وقد وسع معاوية المعنى الذي يشتمله بيت المقدس إلى الأرض المقدسة، وكي ينشر معاوية ذلك بين المسلمين، ويدفع عن نفسه تهم علماء المدينة، وأصحاب علي، وكبار الصحابة الذين لم يؤيدوه، أو لم يؤيدوا خطوته هذه عمل على ترويج الأحاديث، والقصص التي تروي ذلك "(13). ويضيف حسون قائلاً: "وممن لهم اليد الطولى في ترسيخ مكانة بيت المقدس في الإسلام الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان الذي ذكرت إحدى الروايات أنه تلقى البيعة فيه، والذي بنى فيه قبة فوق الصخرة مؤكداً بذلك أنها مقدسة في الإسلام، ولم يعد الآن من يشك في أن بناء عبد الملك قبة الصخرة كان خطوة من خطوات الدولة الأموية في سبيل تعزيز أمر الإسلام في ديار ما زالت النصرانية راسخة القدم فيها منتشرة، فالشام بصورة خاصة كانت آنذاك نصرانية، ولغة الدواوين فيها كانت يونانية، وعملتها بيزنطية، ولم يكن هدفه كما ذكر عدد من الباحثين معتمدين على رواية اليعقوبي وغيره تحويل الحج من مكة إلى بيت المقدس.
وقد انتهى الأستاذ "غويتين" معتمداً فيما جاء به على الآيات القرآنية والأحاديث، والكتابات التي خطت داخل قبة الصخرة وخارجها، وهي كلها بمثابة الاحتجاج على النصارى حول مكانة عيسى أنه ليس بابن الله، ولكن عبده ورسوله، وكلمته، وأن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له.
وبهذه المناسبة يجب الإشارة إلى أن قصة الإسراء لم تذكر في أيٍّ من هذه الكتابات ولو مجرد ذكر ويجدر هنا أن نتساءل لماذا اختار عبد الملك الصخرة بالذات ليبني فوقها قبة يضاهي بها الكنائس النصرانية الكبيرة التي خشي أن تفتن المؤمنين بجمالها وزخرفتها. يمكننا أن نحاول إيجاد الرد على هذا التساؤل في الوقائع التاريخية فالصخرة، وما يسمى اليوم بالحرم القدسي كان عليه في الماضي هيكل سليمان، ثم الهيكل الثاني الذي خربه الإمبراطور الروماني "طيطوس". وعندما أصبحت النصرانية الدين الرسمي للدولة البيزنطية جعل النصارى يرمون القمامة غيظاً لبني إسرائيل وتدنيساً لأقدس مقدساتهم وللمكان الذي تذكر الروايات اليهودية أن إبراهيم الخليل اعتزم أن يذبح ابنه اسحق فيه امتثالاًً لأمر الله تعالى، لذلك من المعقول أن يكون عبد الملك قد اختار هذه المكان بالذات في نطاق احتجاجه على النصارى ليؤكد قدسيته خلافاً لرأيهم خاصة وأن الإسلام يعتبر نفسه استمراراً لحنفية إبراهيم الخليل. وقد حفظت لنا الكتب روايات عديدة تؤكد بصورة غير مباشرة قيام هذا الجدل واعتماد المسلمين في ذلك من جملة ما اعتمدوا عليه على الروايات اليهودية سواء أعطيت صبغة إسلامية أم لا ففي هذه الفترة على ما يبدو تم تغير اسم المدينة من إيلياء وهو الاسم الذي أعطاه إياها الرومان إلى "بيت المقدس" وهو تعريب (بيت همقدوش بالعبرية) فهذا كعب الأحبار اليهودي الذي أسلم ينهى ابن أخيه، ورجلاً آخر كان معه يقولا إيلياء ويقول لهما: "لا تقولا إيلياء ولكن قولو بيت الله المقدس" كما أنه نهاهما عن زيارة كنيسة مريم، والعموريين فإنهما طاغوت من أتاهما حبطت صلاته إلا أن يعود من ذي قبل ويختم كعب حديثة بقوله: "قاتل الله النصارى ما أعجزهم أما بنوا كنيسة إلا في وادي جهنم"(14)، وبخصوص نشأة أحاديث الفضائل وتطورها يستنتج "حسون" أن :"التحديث عن بيت المقدس عن الكتب في نهاية القرن الأول للهجرة وبداية القرن الثاني، وهذه العبارة تعني بصورة عامة مصادر يهودية أو نصرانية، وقد حفظ لنا الواسطي أثراً عن خالد بن حازم جاء فيه "قدم الزهري بيت المقدس فجعلت أطوف به في تلك المواضع فيصلي فيها. قال، قلت: "إن هنا شيخاً يحدث عن الكتب يقال له عقبة بن أبي زينب، فلو جلسنا إليه. قال: فجلسنا إليه، فجعل يحدث فضائل بيت المقدس. فلما أكثر قال الزهري: أيها الشيخ لن تنتهي إلى ما انتهى الله إليه. قال الله تعالى: "سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى" الاسراء17 آية1. فغضب عليه وقال: "لا تقوم الساعة حتى تنقل عظام محمد -صلى الله عليه وسلم- إليها، ولهذا الأثر مغزى ذو أهمية ففيه يتجلى الصراع بين رجال الحديث –كالزهري- الذين يروون أن فضل بيت المقدس يكمن في أنه المكان الذي أسرى بالنبي إليه، وكفاه بذلك فضلاً، وبين القصاص الذين يجذبون إليهم العامة، ويقصون عليهم القصص من كل مصدرٍ كان، وخاصة من كتب اليهود والنصارى، وقد بلغ هذا الصراع ذروته في القرن التاسع للهجرة في كتابات ابن تيمية إلا أن طيلة هذا الصراع لم يخالف المحدثين، القصَاصُ بين المسلمين على أية روايات ثابتة صحيحة، ولا أدل على ذلك أن مدناً إسلامية كانت في حينه ذات أهمية كبيرة وجد علماؤها حاجة إلى ربطها بصورة أو بأخرى ببيت المقدس لإعطاء تلك المدن صبغة إسلامية مقدسة"(15) ويبين حسون بأن الأحاديث في فضائل بيت المقدس وفلسطين كانت معروفة، ورائجة في بلاد الإسلام عامة، وبلاد الشام خاصة. وقد كانت مدينة دمشق، وغيرها من مدن الشام في القرن الرابع للهجرة مركزاً لرواية هذه الفضائل، ومن دلائل ذلك روايات أبي المعالي المشرف بن المرّجا الذي ذكر في أسانيده بصورة لا تترك مجالاً لشك"(16)، وأورد حسون بعض الأمثلة على ذلك(17)، وبصدد معرفة تطور مكانة بيت المقدس في الإسلام تجدر الإشارة إلى مراجعة بعض الحوادث التاريخية التي لها ارتباط بهذا الشأن، وذلك من خلال الفتح الإسلامي ببيت المقدس.

 

وينقل حسون ما جاء لدى الباحث (H. Bu SSE) (هربرت بوس)، وقد لخصها حسون على النحو التالي:

 

1-  حاصر المسلمون بيت المقدس بعد اليرموك إلاّ أن فتحها تعذر عليهم حتى قدم عمر بن الخطاب في أربعة آلاف راكب، فكان لاشتراكهم في القتال تأثير على بطريرك بيت المقدس الذي طالب بالصلح، والجزية.
2-  وافق الروم على الصلح شريطة أن يكون ذلك على يد عمر بن الخطاب، وقد بعث أبو عبيدة برسائل إلى عمر مع وفدي الروم والمسلمين، وقدم عمر إلى بيت المقدس، وصالح أهلها.
3-  زار عمر بن الخطاب الشام، فنزل الجابية، وأرسل "رجلاً من جديلة إلى بيت المقدس، ولم يدخلها هو فافتتحها صلحاً، ثم أتاها عمر، ومعه كعب" في حين ذكرت رواية أخرى أن عمر بعث خالد بن ثابت إلى بيت المقدس في جيش وهو يومئذ بالجابية، فقاتلهم فأعطوه على ما أحاط به حصنهم شيئاً يؤدونه ويكون للمسلمين ما كان خارجاً. فقدم عمر فأجاز ذلك ثم رجع للمدينة، وأورد الطبري رواية أخرى عن خالد وعيادة دون تفاصيل جاء فيها أن عمر "صالح أهل إيلياء بالجابية وكتب لهم فيها الصلح".
4-  أورد البلاذري روايتين أحدهما عن أبي حفص الدمشقي والثانية (دون تحديد مصدرها) جاء فيها أن الذي حاصر إيلياء في سنة عشرة هو عمرو بن العاص وأن أبا عبيدة "وجهَّه إلى إنطاكية من إيلياء وقد غدر أهلها ففتحها ثم عاد فأقام يومين أو ثلاثة ثم طلب أهل ايلياء من أبي عبيدة الأمان والصلح … على أن يكون المتولي لهم عمر بن الخطاب نفسه إلاّ أن المؤلف لم يذكر في المرة الثانية الشرط الخاص بعمر بن الخطاب.
وقد وردت في الترجمة الفارسية لتاريخ الطبري لأبي علي محمد البلعمي التي نشرت ترجمتها إلى الفرنسية رواية فريدة لم ترد في الأصل الذي نشر بالعربية. جاء فيها أن عمر كان الأمير الوحيد الذي فرض الحصار على إيلياء، وإن أرطبون قائد الروم انسحب بعد أجنادين إلى إيلياء وقد جاء عمر بن الخطاب إثر تلقيه رسالة من عمرو بن العاص، وصالح بنفسه أهل إيلياء.

 

ويقول "بوسيه" بعد سرد هذه الروايات أن الرواية التي تنسب حصار إيلياء حتى مصالحة أهلها إلى عمرو بن العاص هي أكثر هذه الروايات انتقاصاً من مكانة المدينة فعمرو لم يدخل الإسلام إلا في العام الثامن للهجرة، وقد بعث به أكابر الصحابة. وما من شك أن عمرو لعب دوراً هاماً في فتوح فلسطين، وخاصة غربي نهر الأردن، وليس من المستبعد أن يكون قد حاصر إيلياء، وأن يكون قد افتتحها إلاّ أن ذلك لا يتناسب والمكانة التي تحتلها المدينة هذه المكانة التي أخذت تسمو شيئاً فشيئاً ويتطلب أن يكون فاتح المدينة شخصية إسلامية مرموقة كذا استغلت الروايات المحلية القصص أو ربطتها بواقعة تاريخية هي مجيء عمر بن الخطاب إلى الشام (الجابية) دون أن يكون لذلك علاقة بفتح بيت المقدس.

 

ويأتي "بوسيه" بأمثلة على ذلك من الروايات التي أوردها الطبري كتلك الرواية التي تقول : "لما قدم عمر -رحمه الله- الجابية قال له رجل من اليهود يا أمير المؤمنين، ألا ترجع إلى بلادك حتى يفتح الله عليك إيلياء. فبينما عمر بن الخطاب بها إذا نظر إلى كردوس من خيل مقبل … فإذا هم أهل إيلياء فصالحوه على الجزية وفتحوها له"، أو الرواية الأخرى "قال لما دخل عمر الشام تلقاه رجل من يهود دمشق فقال: السلام عليك يا فاروق، أنت صاحب إيلياء لا والله لا ترجع حتى يفتح الله إيلياء، وكانوا قد أشجوا عمر وأشجاهم ولم يقدر عليها ولا على الرملة". وفي رواية أخرى للطبري عن سيف بن عمر استغل الفرق بين الاسمين (عمرو) و(عمر) لإدخال العلم الذي يقال إن بعض أهل الكتاب يعلمه والتأكيد على لسان قائد الروم أن الذي سيفتح المدينة اسمه مركب من ثلاثة أحرف، وأن لقبه هو (الفاروق)، وقد تطورت هذه الروايات لدى ابن الأثير فلم يكتفِ بالتلميح إلى عمر، بل أعطت وصفاً دقيقاً له. وهكذا نرى أنه كلما علت منزلة بيت المقدس في الإسلام ازدادت الروايات التي من شأنها إظهار ذلك، ولو بصورة غير مباشرة(18). ومن الأبحاث الجادة، والمتميزة بطابعها العلمي والأكاديمي بحث د. "اليعاد" حول "تاريخ، وطبوغرافية القدس خلال الفترة الإسلامية" القيم التاريخية في أدب فضائل القدس، حيث جاء فيه ما يلي: "لم تتكرس دراسات كثيرة عن تاريخ القدس خلال الفترة الإسلامية المبكرة، وقد حول العلماء جهودهم في موضوعات لها علاقة في تاريخ المعالم المقدسة(19).

 

وتحت عنوان "تقديس المسلمين للأماكن المقدسة في القدس": - طقوس وشعائر على بيت المقدس خلال العصر الأموي. يقول الباحث: "الشعائر والطقوس في القدس التي كانت تقام خلال العصر الأموي وما بعده كانت مركزة في بيت المقدس؛ وهناك شهادات، وأدلة مبكرة كافية في توثيق هذه الخدمات التي تطورت، وحظيت بتشجيع كبير من الخلفاء الأمويين خلال فترة "عبد الملك بن مروان" كانت قبة الصخرة مفتوحة للعامة أيام الاثنين والخميس فقط، وبقية الأيام فقط لنازليها وروادها. وهؤلاء الرواد كانوا يطهرون أنفسهم، ويغيرون ملابسهم، وكانوا يقومون بحرق البخور ومسح الصخرة بالعطر أو المسك، أما الصلاة فكانت تقام بعد حرق البخور. وكان هنالك عشرة حراس مسئولون عن كل باب، ففي زمن "عبد الملك" كانت القبة مطلية بالذهب، وخلال تلك الفترة أيضاً كانوا أهل الذمة اليهود والمسيحيون يشتغلون في مختلف الخدمات في بيت المقدس، فكانوا ينظفون القاذورات والمهملات في ساحات بيت المقدس، وكانوا يصنعون الزجاج للقناديل للإنارة. وهؤلاء أي الرجال من أهل الذمة كانوا معافين من دفع الجزية (الضريبة) في مقابل هذه الأعمال والخدمات، وقد أخذوها توارثاً "(20)، ويبرز "د. اليعاد" دور الخلافة الأموية في الحض على زيارة بيت المقدس، والحج إليها فيقول: "نستطيع أن نقول، وبكل تأكيد أنه كانت هنالك محاولة في الحث على الحجاج بالقيام بالزيارة إلى بيت المقدس، حيث الأحاديث الكثيرة التي تدل على هذه المبادرة في تشجيع الحج والصلاة في القدس خلال العصر الأموي، ونستدل على هذا من كتاب "الواسطي" حيث يشير إلى الحديث الذي يقول: { والذي يأتي بيت المقدس "الموضع" بجانب السلسلة، ويعطي شيئاً من الصدقات، فدعاؤه سوف يستجاب، وأن الله سوف يرفع آلامه، ويحط من خطاياه، ويجعله كما ولدته أمه }(21). ومن الباحثين المعاصرين الذين بحثوا "فضائل القدس" هي الباحثة المستشرقة "لاتسروس يافه" حيث تناولت في مقالتها "قدسية القدس في الإسلام"(22) ونشأة هذه الفكرة، وكيف نشأت ؟ وهل أجمع فقهاء الإسلام دائماً على قدسيتها؟ والبحث يتطرق أيضاً إلى مدى التأثيرات الخارجية، والتطورات الداخلية التي كانت وراء نشوء هذه الفكرة. ومن أهم الأفكار التي جاءت بها هذه الباحثة هي فكرة مصدر "قدسية القدس في الإسلام" فتقرر: "بأن فكرة قدسية القدس في الإسلام هي متوارثة من الديانتين اليهودية والمسيحية"(23).

 

"وفيما يتعلق بفكرة عامة مثل قدسية القدس، وحتى بعد تحويل القبلة فإن هالة من القدسية استمرت في تتويج هذه المدينة التي تبعد عن مهد الإسلام هالة أضفاها عليها الزهاد والمتصوفة المسلمون بشكل خاص، حيث كانوا قريبين من المبادئ اليهودية، والمسيحية "(24). وتورد "يافه" آراء الباحثين حول فضائل بيت المقدس في مقالتها هذه فتقول: "لقد مال الباحثون إلى الاعتقاد وبينهم الباحث الأعظم "جولد تسيهر"(*) أن "عبد الملك" قصد من إقامته المبنى إعداد مبنى يحج إليه المسلمون ينافس الكعبة في مكة المكرمة التي كانت آنذاك تحت سيطرة خطر هو "عبد الله بن الزبير" أما لأن "عبد الملك" لم يرد أن يحج رعاياه إلى منطقة التمرد، وأما لأن "عبد الملك" قد منع الأمويين من أداء شعائر الحج في مكة، وتفيد الروايات أن "عبد الملك" لم يكتفِ بإقامة "معبد" قبة الصخرة الضخم، بل وجند من أجل هدفه هذا محدثين يروون الأحاديث عن النبي" وخاصة ابن شهاب الزهري الذي كان آنذاك صغير السن، ولذلك فليس من الممكن أن يكون قد استجاب لطلب الخليفة الأموي التي تشيد بالصلاة في القدس، وفي الحرم، وقبة الصخرة على وجه الخصوص. إن أشهر تلك الأحاديث المنسوب إلى أبي هريرة الصحابي الذي يضعفه الكثيرون، والمنسوب لآخرين كذلك، وهذا نصه: {لا تشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى } لقد انتشر هذا الحديث، وأحاديث أخرى متشابهة في المرويات الإسلامية، ولذلك يطلق على القدس، والحرم ثالث الحرمين، وهناك من يروي أن "عبد الملك: كان قد حاول في تلك الأيام أن يطور شعائر عبادة في الحرم تشبه تلك التي تقام في الكعبة كالطواف غير أن طواف الصخرة من اليمين إلى اليسار "على عكس الطواف في الكعبة"، وعادات أخرى غدت بدعاً …"(25) ويعتقد "غويتين" أن الأسباب التي دفعت "عبد الملك" إلى إقامة قبة الصخرة ليست في الواقع سياسية، وإنما دينية بحتة يمكن وصفها في إطارين :

 

أ- تعاظم الهالة القدسية التي أحاطت بفلسطين عامة، وبالقدس خاصة بشكل خاص منذ بداية الإسلام خاصةً بين حلقات الزهاد، والصوفية الذين تأثروا على ما يبدو بالرهبانية المسيحية. ليس واضحاً ما إذا كان عبد الملك نفسه، أو على الأصح ابنه الوليد هو الذي شيد المبنى الثاني في رحبة الحرم القدسي، ولكن ما من شك لأن المبنيين تحولا إلى توأمين لا ينفصلان" مع أنه توجد روايات تشير إلى منافسة بينهما على غرار مسجدي مكة والمدينة" لقد جاءت قبة الصخرة لتحفظ، وتمجد الصخرة التي أقيمت فوقها، ويمكن فيها للمؤمن أن يصلي صلاته بمفرده، بينما يشكل المبنى الآخر مسجداً خاصاً لإقامة صلاة الجمعة يوم الجمعة، ولذلك يطلق عليه الجامع، وقد أضيفت إليهم قباب كثيرة أخرى في الفترة الأموية كما تشهد على ذلك الحفريات بمحاذاة السور الجنوبي"(26) وتخلص "يافه" إلى أن الذي عزز مكانة القدس في الإسلام هو مجيء الحملات الصليبية وتحويل قبة الصخرة كنيسة مسيحية، حيث حدث رد فعل في الإسلام فبدأ الفقهاء يدعون ويعززون قدسية القدس في الإسلام، وبدأت الدعوة إلى الجهاد بغية استردادها من أيدي الكفار، ومن جراء ذلك ازدهرت آداب فضائل القدس التي كانت جذورها وطيدة في الإسلام، وعلى أثر تحرير القدس على أيدي المسلمين بقيادة صلاح الدين الأيوبي (عام 1187م - 583هـ) وخاصة في القرن الثالث عشر الميلادي السابع الهجري فصاعداً نفذت مشاريع بنائية كثيرة حول الحرم، وفي المدينة بشكل خاص من أجل التأكيد على طابعها الإسلامي، وعلى الرغم من ذلك فقد أعاد المسلمون القدس (عام 1229م / 626هـ) سلمياً "ما عدا الحرم نفسه" مع بعض المناطق في الجليل إلى فردريك الثاني إمبراطور ألمانيا وملك الصليبيين(27). وللباحث "عمانوئيل
 
 سيفان" عدة تعليقات بخصوص قدسية القدس في الإسلام(28)، وذلك في معرض حديثة عن الإسراء والمعراج. "يؤكد سيفان بأن محمداً كان يعرف بوجود مدينة القدس، إلاّ أنها لم تلفت اهتمامه، ولم تحظ بقدسية من جانبه"(29). ويذهب سيفان إلى أبعد من ذلك حيث يقول: "إن محمداً حاول استقطاب الأسباط اليهودية في مكة إلى دينة فدعا أتباعه لأن يتجهوا في صلاتهم نحو القدس، واستمر على ذلك النهج ستة عشر أو سبعة عشر شهراً، ولكنه ألغى هذا النهج عندما لم يقبل أحبار اليهود به، وعندها اتخذ الكعبة من مكة قبله له وهو المكان الأكثر قدسية لدى العرب في شبه الجزيرة منذ الجاهلية وبالتالي فإن ارتفاع قيمة القدس في نظر المسلمين لم يكن سوى فصلاً عابراً.

 

ويستدل سيفان على عدم أهمية القدس في نظر الإسلام في سنواته الأولى وبالادعاء بأن القدس كانت من أواخر المدن التي تم احتلالها لدى غزو سوريا، وإنه تم احتلالها من قبل ضابط صغير، وليس من قبل عمر بن الخطاب كما يدعي المسلمون"(30) ويزعم سيفان أن أهمية القدس أدخلت إلى الإسلام من قبل أحبار اليهود ضمن إطار ما يسميه المسلمون بـ"الإسرائيليات"، ويقول أن المسلمين: "يقرون بأن تغيير اسم القدس من إيلياء إلى بيت المقدس تم بفضل الحبر اليهودي كعب الأحبار". وإن الاسم العربي الجديد بيت المقدس لم يكن سوى ترجمة للاسم العبري "بيت همقداش"، والاسم الذي ورد في الوثائق اليهودية. ويذهب سيفان إلى حد الادعاء بأن قدسية القدس اعتبرت في أعين المسلمين بدعة استمدت جذورها من اليهود، والمسيحيين الذين استمروا في تقديسهم للقدس، وحاولوا إدخال ذلك إلى التقاليد الإسلامية(31). وهكذا وبهذه الأفكار المختلفة التي أوردناها للباحثين المعاصرين نرى أنهم يكادون يلتقون في عدة نقاط من أهمها:

 

1-  مكانة بيت المقدس في الإسلام في القرن الثاني للهجرة منبثقة من خلال رحلتي الإسراء والمعراج، ومن حديث "لا تشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد".
2-  إن تفسير الآية { سبحان الذي أسرى بعبده }(32) حيث أن المسجد الأقصى فهم في البداية على أنه مسجد بعيد قصي سماوي (ولم يقصد منه بالطبع ذلك المسجد الذي لم يقم في إلاّ زمن الأمويين والذي أطلق عليه نفس الاسم بسبب الربط الذي تم بينه وبين القدس في الحديث والتفاسير؛ وقد حاول بعض الدارسين أن يجدوا مكاناً ملائماً لهذه المصطلح (الأقصى) على مقربة من مكة (كالجعرانة أو المدينة). وهناك باحثون يعتقدون بأن القصد هو مصلى سماوي في آن واحد أي القدس العليا السماوية.
3-  بالنسبة لحديث "لا تشد الرحال" فقد قام "البروفيسور قسطر" بدراسة قيمة لهذا الحديث، وسنرى فيما بعد نتائج دراسته.
4-  بناء الخليفة عبد الملك بن مروان (لقبة الصخرة) هو لأنه كان يحاول في تلك الأيام أن يطور شعائر عبادة في الحرم تشبه تلك التي قام بها في الكعبة كالطواف غير أن الطواف في الصخرة من اليمين إلى اليسار (على عكس الطواف في الكعبة). ويعتقد الباحث "غويتين" أن الأسباب التي دفعت عبد الملك إلى إقامة قبة الصخرة ليست في الوقع سياسية، وإنما دينية.(33)
قدسية القدس نشأت وتطورت ونمت مع الوقت ولكنها واجهت دوماً معارضة ما، ووجدت هذه المعارضة صدى لها في مؤلفات الفقه والشريعة الإسلامية، وهذه المعارضة في الإسلام نفسه لقدسية القدس قديمة جداً، وما زالت قائمة حتى اليوم، ومع أن أسسها كانت دينية صرفة، فإنها لم تستطع أن تقف في وجه التيارات العظيمة التي تأثرت باليهودية والمسيحية.
هذه هي نتائج دراسات المستشرقين حسب ما وقفنا عليه من أبحاثهم، ودراساتهم عن (قدسية القدس، ونشأة فضائل بيت المقدس في الإسلام).
- من الممكن التعليق على هذه الدراسات وكتابة الملاحظات من خلال ربط بيت المقدس بالغزوات الصليبية؛ حيث تدور جميع أبحاث المستشرقين اليهود في دراساتهم حول فضائل بيت المقدس إلى تكريس النقاط التالية:

 

أولاً: أنه لم تكن هناك أي قداسة لبيت المقدس في الإسلام، قبل وجود الخلافة الأموية في بيت المقدس، وأن الخليفة عبد الملك بن مروان قد بنى قبة الصخرة المشرفة ليصرف أنظار المسلمين عن الكعبة، وذلك بسبب ثورة ابن الزبير، وأن بناءه لقبة الصخرة المشرفة جاء ليكون مبنى يحج إليه المسلمون ينافس الكعبة في مكة المكرمة، التي كانت آنذاك تحت سيطرة عبد الله بن الزبير، ولأن عبد الملك لم يرد أن يحج رعاياه إلى منطقة التمرد، وأنه (عبد الملك) قد منع الأمويين من أداء الحج في مكة، وهذه الفرية من افتراءات المستشرق جولد زيهر.

 

انياً: إن قداسة بيت المقدس مصطنعة وأن الهالة القدسية التي تعاظمت لبيت المقدس ولفلسطين كانت بسبب الموروثات "الإسرائيلية" والمسيحية حول بيت المقدس.

 

ثالثاً: إن المسجد الأقصى الذي باركنا حوله، هو في السماء وليس في الأرض، على حد زعمهم، وأن كلمة الأقصى تفيد أنه مصلى سماوي، أي القدس العليا، البعد الزماني المعلق، أو أن الأقصى مكان آخر في المدينة.

 

رابعاً: يزعم المستشرقون أن الأحاديث التي رويت في فضائل بيت المقدس وجدت في فترة متأخرة وفي عهد الخليفة عبد الملك بن مروان وأن جل الأحاديث هذه هي من اختلاق محمد بن شهاب الزهري.

 

خامساً: إن بناء الخليفة عبد الملك بن مروان لقبة الصخرة هو لأنه كان يحاول في تلك الأيام أن يطور شعائر  عبادة في الحرم تشبه تلك التي قام بها في الكعبة كالطواف غير أن الطواف في الصخرة من اليمين إلى اليسار على عكس الطواف في الكعبة، ويعتقد المستشرق غويتاين أن الأسباب التي دفعت عبد الملك إلى إقامة قبة الصخرة ليست في الواقع سياسية وإنما دينية.

 

إن جميع هذه الشبهات والترهات التي أثارها هؤلاء المرجفون يمكن الرد عليها بآية واحدة من سورة الإسراء: {… الذي باركنا حوله}. إن لفظ البركة قد أطلق في القرآن الكريم سبع مرات على أرض فلسطين أرض بيت المقدس، وأن هناك حكماً كبيرة قد غابت عن هؤلاء الذين أعمى الله بصيرتهم، ولا يمكن أن يستطيعوا فهمها لأنهم يتعامون عن الحق، وإلا ما هي الحكمة من أن الله سبحانه وتعالى أسرى بمحمد صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى المبارك، ثم قل لي بربك ما الحكمة من عروج النبي محمد صلى الله عليه وسلم من فوق قبة الصخرة المشرفة وإمامته للصلاة في الأنبياء جميعاً، ثم عروجه إلى السماء السابعة وفرض الصلاة.
إن هناك رابطة مقدسة ووثيقة بين مكة وبيت المقدس وقد توثقت منذ اتخاذ المسلمين المسجد الأقصى قبلتهم الأولى حوالي سبعة عشر شهراً، هناك حكم غابت عن هؤلاء المستشرقين الحاقدين الذين يبتغون من وراء ذلك معرفة مصيرهم على تلك الرمال المتحركة، حيث أنهم يدرسون ويحللون مدى قداسة هذه المدينة في قلوب أبناء الأمة الإسلامية، ويريدون من وراء ذلك معرفة معنى الجهاد وكيف استيقظ في المشرق العربي إبان الحروب الصليبية، وتأثير إحياء فكرة الجهاد في نفوس المسلمين وردود فعلهم ضد الاحتلال الغريب، ويبحثون عن جذور الترابط في المنطقة وعن أسباب توحد المشرق والمغرب في معركة حطين وما بعدها.

 

لذلك فهم المستشرقون اليهود شديد الحساسية لموضوع فضائل بيت المقدس حيث يقوموا بدراستها وتحليلها ومقارنتها بفضائل مكة والمدينة، وقد قام العديد منهم بدراسة وتحقيق بعض مخطوطات فضائل بيت المقدس ونفثوا كثيراً من أفكارهم وسمومهم في مقدمتها، وفي ثنايا سطورها وهوامشها، وكتب الكثير منهم الأبحاث والدراسات التي تعزز وجهة نظرهم، وقد قام البعض منهم بالسطو والاستيلاء على بعض المخطوطات الموقوفة منذ مئات السنين في مكتبات المساجد الفلسطينية.

 

ويقص علينا الأستاذ الباحث عصام الشنطي مأساة مخطوطة فلسطينية فريدة ونفيسة، كانت موجودة في مكتبة جامع أحمد باشا الجزار، في مدينة عكا الواقعة على الشاطئ الفلسطيني، وهي الآن أسيرة حبيسة في الجامعة العبرية، وعلى الرغم من أن هذه المخطوطة قد صدرت مطبوعة محققة عن الجامعة المذكورة بالقدس على يد (إسحاق حسون) إلا أن أول من نبه لهذه المخطوطة في وقت مبكر هو (عبد الله مخلص) عضو المجمع العلمي العربي في دمشق في مقالته التي نشرت عام 1930 في مجلة المجمع العلمي العربي، وقد أشار إلى نفاستها وإلى مؤلفها (أبي بكر محمد بن أحمد الواسطي)، وأنها محفوظة في مكتبة جامع أحمد باشا الجزار في مدينة عكا، وهي نسخة وحيدة ليس لها ثانية في خزائن المخطوطات العربية في العالم، ويتحدث الأستاذ الشنطي عن هذه المخطوطة في مقالة كبيرة له في مجلة معهد المخطوطات العربية بعنوان: "فضائل البيت المقدس لأبي بكر الواسطي" فينبغي مراجعتها.
وهكذا وبعد أن حاولنا إبراز نتائج دراسات المستشرقين اليهود بصدد فضائل بيت المقدس لابد لنا أن نقوم بإكمال البحث حول المواضيع الأخرى.

 

الفصل الثالث
فضائل بيت المقدس في الكتاب والسنة

 

كان لحادثة الإسراء والمعراج الأثر الأكبر للمكانة التي حازتها القدس في الإسلام. حيث تم بواسطة هذه الحادثة -الإسراء والمعراج- الربط بين مكة والقدس، ولذا أصبحت مدينة القدس مدينة متميزة عن سائر المدن الإسلامية. والحادثة الأخرى التي تركت بصماتها على "قدسية المدينة ومكانتها" هي حادثة تغيير "القبلة" وتوجه المسلمين إليها في صلاتهم نحو سبعة عشر شهراً. فلذا يطلق عليها أولى القبلتين، وثالث الحرمين الشريفين.

 

حادثة الإسراء والمعراج :

 

1-  قال تعالى في كتابه العزيز: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام} يعني من مكة {إلى المسجد الأقصى} بيت المقدس، وقيل له الأقصى لبعد المسافة (التي بين المسجدين)، و(والذي باركنا حوله) أي أجرى حوله الأنهار وأنبت الثمار، وقيل مقر الأنبياء ومهبط الملائكة. وهذه الآية {سبحان الذي أسرى} هي مكمن القداسة والتبجيل لبيت المقدس، وكما يقرر الزركشي بأن: "هذه الآية هي المعظمة لقدره بإسراء سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبل عروجه إلى السماء، وإخبار الله بالبركة حوله وفيه تأويلان، أحدهما أن جعل حوله من الأنبياء المصطفين الأخيار، والثاني لكثرة مجاري الأنهار". ويفرد ابن الجوزي (510 - 597 هـ) باباً خاصاً تحت عنوان "في ذكرى مسرى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى بيت المقدس، وما جرى له هناك، وذكر صلاته فيه" ويورد ابن الجوزي عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لما كان ليلة أُسري بي، فأصبحت بمكة أقطعت بأمري، وعرفت أن الناس مكذبي، فقعد رسول الله -صلى الله عله وسلم- معتزلاً حزيناً" فمر به أبو جهل، فجاء حتى جلس إليه، فقال له كالمستهزئ: هل كان من شيء ؟ قال: نعم، قال: وما هو ؟ قال: إني أسري بي في هذه الليلة قال: إلى أين ؟ قال: إلى "بيت المقدس" قال: ثم أصبحت بين ظهرانينا ! قال: نعم، قال: فلم يره أنه مكذبه، مخافة أن يجحده الحديث، أن دعا قومه إليه قال: إن دعوت قومك أتحدثهم بما حدثتني ؟ فقال: نعم. فقال: ها معشر بني كعب لوى حتى انفضت إليه المجالس، وجاءوا حتى جلسوا إليهما، فقال: حدث قومك ما حدثتني، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إني أسرى بي الليلة. قالوا: إلى أين ؟ قال: إلى بيت المقدس. قالوا: ثم أصبحت بين ظهرانينا ! قال: نعم. قالوا: وهل تستطيع أن تنعت لنا المسجد ؟ -وفي القوم من قد سافر إلى ذلك البلد. ورأى المسجد-، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فما زلت أنعت حتى التبس عليّ بعض النعت فجيء بالمسجد، وأنا انظر إليه حتى وضع دون دار عقيل، فنعته وأنا انظر إليه قال القوم أما النعت فوالله لقد أصاب".

 

فضائل المسجد الأقصى المبارك، وبيت المقدس
في الكتاب والسنة

 

لقد شرف الله المسجد الأقصى، وبارك حوله، واختص بيت المقدس من بين سائر البلاد بالأنبياء والصالحين، وجعل المسجد الأقصى أفضل مسجد في الأرض بعد البيت الحرام، والمسجد النبوي الشريف. فقد وردت النصوص القرآنية، والأحاديث النبوية مشيرة إلى هذا الفضل العظيم، والمكان الرفيع، وفيما يلي بعضها:
* قال تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير} الإسراء (1)، ولو لم يكن لبيت المقدس من الفضيلة غير هذه الآية لكانت كافية لأنه إذا بورك حوله فالبركة فيه مضاعفة.
* قال تعالى: {وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية، فكلوا منها حيث شئتم رغداً وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطّة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين} البقرة (58). هي بيت المقدس.
* قال تعالى: {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه؛ وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلاّ خائفين} البقرة (114).
روي عن قتادة -رحمه الله- أن المراد بمساجد الله: بيت المقدس.
* قال تعالى: {وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون، مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها} الأعراف (137)
* قال تعالى: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} الأنبياء (105). قال المفسرون: هي الأرض المقدسة التي ترثها أمة محمد -صلى الله عليه وسلم-.
* قال تعالى: {والتين والزيتون وطور سنين {التين (1، 2). روي عن أبي هريرة أنه قال: "الزيتون": طور زيتا مسجد بيت المقدس.
* روي عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا تشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجد الأقصى، ومسجدي هذا" أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، وابن ماجة، وأحمد.
* عن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: قلت يا رسول الله: أي مسجد وضع في الأرض أول ؟ قال: المسجد الحرام، قال: قلت: ثم أي ؟ قال: المسجد الأقصى، قلت: كم كان بينهما؟ قال أربعون سنة، ثم أينما أدركتك الصلاة بعد فصلّه، فإن الفضل فيه" أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجة، وأحمد.
* عن ذي الأصابع قال: قلت: يا رسول الله، إن ابتلينا بعدك بالبقاء أين تأمرنا ؟ قال: "عليك ببيت المقدس فلعله أن ينشأ لك ذرية يغدون إلى ذلك المسجد ويروحون" رواه أحمد، والطبراني.
* عن أبي أمامة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم إلاّ ما أصابهم من لأواء حتى يأتيهم أمر الله وهو كذلك. قالوا: يا رسول الله، وأين هم ؟ قال: ببيت المقدس، وأكناف بيت المقدس" رواه أحمد، والطبراني في الأوسط بإسناد صحيح رجاله ثقاة.
* عن ميمونة مولاة النبي -صلى الله عليه وسلم- قالت: قلت يا رسول الله، أفتنا في بيت المقدس قال: أرض المحشر والمنشر أئتوه فصلوا فيه، فإن صلاة فيه كألف صلاة في غيره. قلت: أرأيت إن لم أستطع أن أتحمل إليه ؟ قال: فتهدي إليه زيتاً يسرج فيه، فمن فعل ذلك فهو كمن أتاه" رواه ابن ماجة، وأحمد بإسناد صحيح رجاله ثقاة ورواه أبو داود والبيهقي.
* عن معقل بن أبي معقل الأسدي قال: "نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن نستقبل القبلتين ببول أو غائض" رواه أبو داود، وابن ماجة، وأحمد.
* عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "من مات في بيت المقدس فكأنما مات في السماء" رواه البزار، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان.
* عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: " أن سليمان بن داود -صلى الله عليه وسلم- لما بني بيت المقدس سأل الله عز وجل خلالا ثلاثة، سأل الله عز وجل حكماً يصادف حكمه فأوتيه، وسأل الله عز وجل ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه، وسأل الله عز وجل حين فرغ من بناء المسجد أن لا يأتيه أحد لا ينهزه إلاّ الصلاة فيه أن يخرجه من خطيئه كيوم ولدته أمه" رواه النسائي بإسناد صحيح، وابن ماجة، وابن خزيمة، والطبراني، وأحمد.
• عن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: تذاكرنا ونحن عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أيما أفضل: مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أو بيت المقدس فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات فيه، ولنعم المصلى هو وليوشكن أن يكون قوسه من الأرض حيث يرى منه بيت المقدس خير له من الدنيا جميعاً" رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح. 

 

 
الفصل الرابع
(فضل بيت المقدس وفضل الصلاة فيه)

 

إن فضيلة بيت المقدس في السنة النبوية إلى جانب القرآن الكريم تأتي بعدة أشكال؛ وصور كل صورة تكمل الأخرى، وتختلف عنها بعض الشيء، وذلك لتعدد الروايات واختلافها إلاّ أنها جميعاً تصب في مجرى واحد ألا وهو مجرى القداسة، والمكانة فالربط بينها وبين المدينة مع عدم إنكار أن هناك روايات تشير إلى تفضيل مكة والمدينة بكثير عن بيت المقدس. ومن أهم الروايات المعروفة، والتي انبثقت من خلالها أحاديث الفضائل هي رواية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا تشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام، ومسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ومسجد بيت المقدس"(38) ووردت هذه الرواية بصورة أخرى مع بعض التغيرات، وها هي الرواية بسندها: "حدثنا عمر بن الفضل قال: - حدثنا أبي حدثنا الوليد بن أحمد بن الحسن، حدثنا يحيى بن أبي بكير، حدثنا شيبان عن عبد الملك بن عير بن فزعة قال: أتيت المدينة فصليت في مسجدها ركعتين قال: فلما انصرفت جلست إلى أعظم حلقة رأيت فإذا أبو سعيد الخدري يحدث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فآنقني وأعجبني فقلت: أنت سمعت هذا من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: لا تشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى. وأفرد ابن الجوزي باباً في كتابه تحت عنوان "أنه أحد المساجد التي تشد الرحال إليها، حيث روى حديثاً عن أبي سعيد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "لا تشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجـــدي،
 
 ومسجد بيت المقدس"(39). وقرر الزركشي في كتابه(1)، استحباب شد المطي إليه، فأورد هذا الحديث نفسه "لا تشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى"(40). وروى هذه الحديث أيضاً عن معمر بن راشد عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة بنفس اللفظ، وبنفس المضمون.
وحول هذا الحديث كتب البروفيسور "قسطر" بحثاً كاملاً بعنوان: "لا تشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد"(2) دراسة لحديث مبكر. وقد أورد عدة ملاحظات حول هذا الحديث على النحو هذا الحديث المعروف أجاز الحج(*) (*) إلى المساجد في القدس، والمدينة بالإضافة إلى الحج والعمرة في مكة، وقد ظهر جدال حول موثوقية وأصالة هذا الحديث الذي يمنح وضع خاص لكلٍّ من: المدينة والقدس. وفي الحقيقة إن هذا الحديث محظور ويدل ضمناً على منع الحج أو زيارة مساجد، وأماكن أخرى مقدسة غير المشار إليها.(41)
الملاحظة الثانية: يبين "قسطر" أنه في بداية القرن الثاني ظهر إجماع لدى علماء المسلمين حول قداسة هذه المساجد الثلاثة، وقداسة البلدان الثلاثة، وقد ظهر هذا في الأدب المتعلق بهذه المدن. وقد ظهرت اتجاهات قديمة تأكد قداسة مكة، أو قداسة كلٍّ من: مكة والمدينة، والتقليل من قداسة القدس، وهذه النزاعات أو الاتجاهات ظهرت في أحاديث مبكرة، وقد حفظ جزء منها في الأحاديث المعترف بها، وهذه الأحاديث والتي من الممكن أن تكون قد سبقت إجماع علماء المسلمين حول الحديث المتعلق بالمساجد الثلاثة.(42)
الملاحظة الثالثة: يورد "قسطر" حديث روي عن عائشة "زوجة الرسول" ذكر مسجدان: مسجد مكة، ومسجد المدينة، فنسب هذا الحديث قال النبي: "أنا خاتم الأنبياء، ومسجدي خاتم مسجد الأنبياء، وأما المساجد التي تستحق أن تزار، وأن تشد إليها الرحال هي: مسجد مكة، ومسجدي "مسجد المدينة" فالصلاة في مسجدي خير من ألف صلاة في مسجد آخر ما عدا مسجد مكة".
وحديث آخر مطابق روي عن طاووس: "لا تشد الرحال إلاّ إلى مسجدين: مسجد مكة، ومسجد المدينة " إن العبارة الأولى من هذا الحديث مطابق للعبارة الأولي من الحديث الذي يتكلم عن المساجد الثلاثة، وهناك حديث آخر دونه "المنذري" أن أفضل المساجد التي تشد إليها الرحال هو مسجد إبراهيم "مسجد مكة "، ومسجدي". وهناك حديث ذو مغزى دونه ابن جريح يضفي بعض الضوء على موقف علماء المسلمين في القرن الثاني من الحج إلى المساجد الثلاثة، فقد ورد عن ابن الجريح أن ابن عطاء دون حديثاً يوصي به الحج إلى المساجد الثلاثة، وقد أضاف: "كان عطاء ينكر الأقصى، ثم عاد فعده معها"، وقد سأل ابن جريح عطاء: "ما رأيك في رجل نذر المشي من البصرة إلى القدس" فأجاب: "لقد أمرت فقط بالحج إلى هذا البيت "الكعبة". وقد قام طاووس الذي روي عنه الحديث يدعو كل الناس الذين نذروا التوجه إلى القدس بالتوجه إلى مكة"(43).
الملاحظة الرابعة: يشير "قسطر" إلى أن هذه الأحاديث تبين أن علماء المسلمين في النصف الأول من القرن الثاني كانوا معارضين إعطاء قداسة للمسجد الثالث مساوية للمسجدين، ومنح القدس مركزاً مساوٍ لكل من: المدينة ومكة. وقد ظهرت هذه المعارضة من خلال الأحاديث التي نصح فيها الرسول المؤمنين الامتناع عن الذهاب إلى القدس من أجل الصلاة، وأن يقوموا بتأدية الصلاة في مكة أو المدينة. ففي حديث روي عن جابر بن عبد الله: قدم رجل إلى الرسول في يوم فتح مكة وقال له: "يا رسول الله، لقد نذرت الصلاة في القدس إذا فتحت مكة" فقال الرسول: "صلِ هنا، فسأله الرجل مرة ثانية، وأجاب الرسول نفس الجواب، ثم سأله مرة ثالثة، فأجاب الرسول فشأنك إذاً"، وحديث آخر مشابه روي عن أبي سعيد الخدري، ولكن هذه الحديث بخلاف الحديث السابق يشدد على أهمية المدينة، وقد أخبر بشكل قصة فقد جاء رجل إلى الرسول من أجل أن يستأذن في الذهاب إلى القدس، فقال له الرسول: إن صلاةً في مسجدي خير من ألف صلاة في مسجد آخر ما عدا مسجد مكة. وبعض روايات هذا الحديث أوردت اسم الرجل وهو الأرقم، ولم تذكر العبارة المتعلقة بمكة، وتنتمي لفئة هذه الأحاديث قصة رويت عن ميمونة زوجة الرسول، فقد مرضت إحدى النساء، ونذرت الذهاب إلى القدس إذا شفيت، وبعد شفائها قامت بإعداد ما تحتاجه في الرحلة، وذهبت لاستئذان ميمونة، فنصحتها ميمونة في البقاء في المدينة، واستهلاك مؤنتها هناك وأن تحقق نذرها بالذهاب إلى مسجد الرسول، ومن خلال القصة اقتبست قول الرسول بأن الصلاة في مسجده خير من ألف صلاة في غيره ما عدا الكعبة.
وقد رويت قصة مشابهة لهذه القصة عن سعيد بن المسيب ،فالقصة عن عمرو من صالح مكة، وليس المدينة، فقد جاء رجل إلى عمر يسأله الإذن في الذهاب إلى القدس فقال له عمر: أعد مؤنتك، وعندما أعدها دعاه عمر إلى تأدية العمرة بدل الذهاب إلى القدس.
إن السبب الرئيسي لمعارضة جماعة من علماء المسلمين السماح للناس الحج(*) إلى القدس ظهر في قصة أخرى عن عمر رويت عن سعيد بن المسيب الذي نقل القصة السابقة، وقد دونها عبد الرزاق بن همام في مصنفه. والقصة تشير إلى أن علماء المسلمين كانوا خائفين من أن تنال القدس نفس مكانة مكة وتصبح مكان الحج بدلاً منها وقد ذكر الفرزدق مكة والقدس في بيت شعري :

 

          وبيتان بيت لله نحن ولاته             وبيت بأعلى إيلاء مشرّف

 

إن البيت الشعري يظهر التبجيل لهذين المكانين في نهاية القرن السابع، ويبدو أن ذكر المكانين سوياً له مغزى، وهذه ما حاول العلماء تجنبه، فالقدس يمكن أن تعتبر كمكان للصلاة وكمكان مقدس له بعض الفضائل لحجاج مكة، ولكن لا يمكن أن يساوي مكة.
وظهرت معارضة الحج(*) إلى القدس في بعض الأحاديث المروية عن صحابة الرسول: "فقد صرح عبد الله بن مسعود إذا كانت المسافة بيني وبين القدس بمقدار فرسخين فلن أذهب، وقد أحجم مالك بن أنس عن الذهاب إلى القدس خوفاً من أن تصبح سنة"(44).
وهكذا نرى مدى قيمة هذه الملاحظات التي أوردها البروفيسور "قسطر" تباعاً على استنتاجاته من خلال ربطه لحديث "لا تشد الرحال" برواته، ومدى قوة أو ضعف الأسانيد، ومدى تغير السياق واللفظ والمعنى والمبنى أيضاً، وقد لاحظ البروفيسور "قسطر" مدى التغيرات التي طرأت على هذه الرواية مع بداية تدوينها، وقبل أن تدون حتى وصلتنا بالصورة التي عليها.
إن هذا الحديث "لا تشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد" أرجعه كل علماء الحديث بإسناده إلى الصحابي أبو هريرة، وحسب رأي بعض الدارسين المعاصرين بأنه من هنا تكمن الخطورة، ويعلل السبب في ذلك قائلاً: "كأن أكثر الصحابة روايةً أبو هريرة،، وقد صحب ثلاث سنين وعمر بعده -صلى الله عليه وسلم- نحواً من خمسين سنة، ولهذا كان عمر وعثمان وعائشة ينكرون عليه ويتهمونه، وهو أقل راوية أيتهم في الإسلام؟! وكانت عائشة أشدهم إنكاراً عليه لتطاول الأيام بها وبه إذ توفيت قبله بسنة "(45). وينقل أبو ريّة عن الحافظ الذهبي، وهو يؤرخ لأبي هريرة "كان أبو هريرة يدلّس" وتدليس الصحابة "كثير ولا عيب فيه"
وقد أورد أبو ريّة ملاحظات تكاد تكون مهمة جداً، وجريئة جداً في نفس الوقت بصدد هذا الحديث "لا تشد الرحال"، وبصدد قضايا أخرى في فضائل الشام، وفضائل بيت المقدس، وقد علل ذلك بأن لليهودية اليد الطولى في هذا الشأن"(46) ويلتقي أبو رية مع كثير من الباحثين والدارسين في الوقت الحاضر، وذلك من خلال النتائج التي خلص إليها في نشأت فضائل المدن، وفضائل بيت المقدس بالذات، حيث أن هذه الأحاديث كانت فقط في فضل المسجد الحرام ومسجد رسول الله فقط(47)، ولكن تطورت الفضائل بعد بناء قبة الصخرة وأضيفت إليها فضيلة أخرى ألا وهي "فضيلة المسجد الأقصى"، وذلك تم -حسب رأي أبو رية- بعد بناء قبة الصخرة على يد عبد الملك بن مروان، ولنرجع للنص بحذافيره من كتاب أبي رية "أضواء على السنة المحمدية" تحت عنوان "ما قيل في المسجد الأقصى" يقول أبو رية: "كانت الأحاديث الصحيحة أول الأمر في فضل المسجد الحرام ومسجد رسول الله، ولكن بعد بناء قبة الصخرة ظهرت أحاديث في فضلها وفضل المسجد الأقصى.
وقد روى أبو هريرة: "لا تشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، ومسجد الحرام، ومسجد الأقصى". وفي رواية: يسافر إلى ثلاثة مساجد، الكعبة، ومسجدي، ومسجد إيلياء. روى مالك في الموطأ ومسلم في كتابه عن أبي هريرة: صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة في غيره من المساجد إلاّ المسجد الحرام. وعنه أيضاً: "صلاة في مسجد رسول الله أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلاّ أن يكون المسجد الحرام"، وعن أبي عمر: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلاّ المسجد الحرام".
وعن ابن عباس: "أن امرأة اشتكت شكوى، فقال: إن شفاني الله لأخرجن فلأصلين في بيت المقدس، فبرئت ثم تجهزت تريد الخروج، فجاءت ميمونة زوج النبي تسلم عليها، وأخبرتها بذلك، وقالت: اجلسي ،(فافعلي) ما صنعت في مسجد رسول الله، فإني سمعت الرسول يقول: صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلاّ مسجد الكعبة.
ولو أن المسجد الأقصى كان قد ورد في تلك الأحاديث لما منعت ميمونة هذه المرأة من أن توفي بنذرها"(48) (48).

 

الفصل الخامس

"فضل الزيارة وفضل الصلاة فيه"

 

هناك عدة فضائل لبيت المقدس، وقد أسلفت في القول بأن أهم فضائلها هو حديث: "لا تشد الرحال" وقد أوردت الحديث بنصوصه المختلفة، وآراء الباحثين القدامى والمعاصرين حوله، ونتائج دراساتهم وأبحاثهم. وفي مقابل هذا الحديث توجد عدة أحاديث تكرس فضيلة بيت المقدس وفضل زيارته وفضل الصلاة فيه، وفضل الصخرة المشرفة. ومن هذه الأحاديث التي تنص على فضل الزيارة (زيارة بين المقدس)(49) ما أورده الواسطي في فضائل بيت المقدس(50): "… حدثنا عمر حدثنا أبي حدثنا الوليد حدثنا هارون بن سعيد حدثنا بشر بن بكر عن أم عبد الله عن أبيها أنه قال: من أتى بيت المقدس فليأتِ محراب داود الشرقي فليصلِ فيه في العين (عين سلوان)، فإنها من الجنة، ولا يدخل الكنائس، ولا تستر فيها بيعاً فإن الخطيئة فيها مثل ألف خطيئة، والحسنة مثل ألف حسنة".
وعن أبي بشر عبد الله بن فيروز الديلمي عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن سليمان بن داود لما فرغ من بناء بيت المقدس سأل الله عز وجل ثلاثاً: حكماً يصادف حكمه، وملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، ولا يأتي هذا المسجد أحد لا يريد إلاّ الصلاة فيه إلاّ خرج من خطيئته كيوم ولدته أمه. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أما اثنتان فقد أعطاهما، وأنا أرجو أن يكون قد أعطى الثالثة "(51).
وعن كعب قال: "إن الله -عز وجل- ينظر إلى بيت المقدس كل يوم مرتين(52)".
وعن ابن جريح عن عطاء قال: "لا تقوم الساعة حتى يسوق الله خيار عباده إلي بيت المقدس وإلى الأرض المقدسة فيسكنهم إياها"(53).
وعن عبيد الله عن مكحول عن كعب قال الله -عز وجل- لبيت المقدس: "أنت جنتي وقدسي وصفوتي من بلادي من سكنك فبرحمةٍ مني ومن خرج منك فبسخطٍ مني عليه"(54).
ومن صلى في بيت المقدس عشر ركعات كان رفيق داود وسليمان في الجنة، ومن استغفر للمؤمنين والمؤمنات في بيت المقدس ثلاث مرات كان له مثل حسناتهم ودخل على كل مؤمن ومؤمنة من دعائه سبعون مغفرة غفر له ذنوبه كلها"(55).
وعن البراء أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلى قِبَلَ بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، وكان يعجبه أن تكون قبلته قِبَلَ البيت.
وعن البراء أيضاً: "وما كان الله ليسمع إيمانكم" قال: صلواتكم نحو بيت المقدس"(56).
وعن مكحول قال: "من زار بيت المقدس شوقاً إليه دخل الجنة، وزاره جميع الأنبياء، انطوى بمنزلته من الله عز وجل، وأيما رفقة خرجوا يريدون بيت المقدس شيَعتهم عشرة آلاف من الملائكة يستغفرون لهم ويصلون عليهم، ولهم مثل أعمالهم إذا انتهوا إلى بيت المقدس، ولهم بكل يوم يقيمون فيه صلاة سبعين ملكاً". ومن دخل بيت المقدس طاهراً من الكبائر يلقاه الله بمائة رحمة، ما فيها رحمة إلاّ ولو قسمت على جميع الخلائق لوسعتهم. ومن صلى في بيت المقدس ركعتين يقرأ فيها فاتحة الكتاب، وقل هو الله أحد خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وكان له بكل شعرة على جسده حسنة. ومن صلى في بيت المقدس أربع ركعات مر على الصراط كالبراق، وأعطي أماناً من الفزع الأكبر يوم القيامة. ومن صلى في بيت المقدس ست ركعات؛ أعطي مائة دعوة مجابة أدناها براءة من النار، ووجبت له الجنة. ومن صلى في بيت المقدس عشر ركعات كان رفيق داود وسليمان في الجنة. ومن استغفر للمؤمنين والمؤمنات في بيت المقدس ثلاث مرات كان له مثل حسناتهم ودخل على كل مؤمن ومؤمنة من دعائه سبعون مغفرة وغفر له ذنوبه كلها(57).
وهكذا (يتضح لنا أن) هناك فضائل كثيرة لبيت المقدس لا نستطيع حصرها في هذه السطور القليلة، ومن أرادها فليراجع الكتب التي صنفت في فضائل بيت المقدس.(58)

 

قائمة المصادر
أ- الكتب والمراجع :

 

1-  ابن الجوزي (508 - 597هـ) أبي الفرج عبد الرحمن ابن علي ابن الجوزي - فضائل القدس: د. جبرائيل جبور (محقق) بيروت: منشورات دار الآفاق الجديدة (1979).
2-  محمود، أبو رية "أضواء على السنة المحمدية"، أو دفاع عن الحديث، ط3 (مزيدة ومحققة) القاهرة: دار المعارف (د. ت. ن).
3-  الزركشي (745 - 794هـ) محمد بن عبد الله، "أعلام الساجد بأحكام المساجد" الشيخ أبو الوفا مصطفى المراغي (محقق).
4-  أمنون كوهين، (محرر) / القدس: "دراسات في تاريخ المدينة" ترجمة: سلمان مصالحة، مراجعة الترجمة وإعداد الكتاب للنشر: د. اسحق حسون / القدس: ياد يتسحاق بن تسفي 1990.
5-  عارف العارف، "تاريخ قبة الصخرة المشرفة والمسجد الأقصى المبارك، ولمحة عن تاريخ القدس" / القدس: مطبعة دار الأيتام الإسلامية 1955م.
6-  الواسطي، أبي بكر محمد بن أحمد، "فضائل البيت المقدس" أ. حسون (محقق) / القدس: الجامعة العبرية في أورشليم القدس، معهد الدراسات الآسيوية والأفريقية (1979).

 

ب- الأبحاث والمقالات باللغة العربية :

 

1-  زياد أبو زيّاد، "المسجد الأقصى في الإعلام الإسرائيلي" ورقة بحث قدمت إلى اليوم الدراسي الذي عقد في مركز الأبحاث الإسلامية بتاريخ 22/7/1992م تحت عنوان (المسجد الأقصى حاضراً ومستقبلاً).
2-  يهوشواع بارفر، "القدس كما انعكست في المفاهيم الدينية المسيحية واليهودية في مستهل القرون الوسطى" في كتاب "القدس دراسات في تاريخ المدينة" / القدس: ياد يتسحاق بن تسفي (1990م). تحرير: أمنون كوهين.
3-  د. عفيف عبد الرحمن، "القدس ومكانتها لدى المسلمين، وانعكاس ذلك من خلال كتب التراث" بحث ضمن المؤتمر الدولي لتاريخ بلاد الشام (فلسطين) - القدس مج1 ص(224 - 270) عمان: الجامعة الأردنية / ط2 1983م.
4-  شلودوف غويتاين، "القدس في الفترة العربية 638 - 1099" أمنون كوهين (محرر) في كتاب القدس: دراسات في تاريخ المدينة، القدس (1990م) ياد يتسحاق بن تسفي (ناشر).
5-  حواء لاتسروس يافه، "قدسية القدس في الإسلام" في القدس: دراسات في تاريخ المدينة، القدس: ياد يتساق بن تسفي (ناشر) 1990م.

                                                                                                       

* شكرٌ خاص للقائمين على المؤتمر الدوليّ لنصرة القدس الأول الذي انعقد في كلّ من القدس المحتلة وغزة وبيروت في الفترة 6-7 حزيران 2007م حيث قًدّم هذا البحث في الجلسة الثانية من المؤتمر والذي تناول المحور الإعلامي لقضيّة القدس.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أحمد الشيبة النعيمي

تأملات في آية الإسراء بين يدي ذكرى الإسراء والمعراج

الجمعة 13 نيسان 2018 - 6:25 م

'سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنَآ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ''سُبْحَانَ… تتمة »