فضائل القدس والمسجد الأقصى والمؤامرة عليهما

تاريخ الإضافة الأربعاء 29 تشرين الأول 2008 - 10:08 ص    عدد الزيارات 17438    التعليقات 0

        

 

 


فضائل القدس والمسجد الأقصى
 والمؤامرة عليهما

 

 

 

 

إعداد
الأستـاذ الدكتور / أحمــد يوسف أبو حلبية
مقــرر لجنة القـدس بالمجلس التشريعي الفلسطيني
رئيس فرع مؤسسة القدس الدولية غزة -فلسطين
 

 

أولاً : فضائل القدس والمسجد الأقصى

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه إلى
 يوم الدين وبعد ..
فإن الكلام والحديث عن المسجد الأقصى والقدس وفضائلها ومكانتها ذو شجون، ويبعث في نفوس المسلمين الأمل ويشحذ هممهم نحو أداء الواجب المنوط بهم تجاه هذه المدينة المقدسة ومسجدها الأقصى العامر بأهله وأتباعه المخلصين لدينهم الغيورين على حرمات الإسلام ومقدساته، والعمل الجاد لتحريرها من الاحتلال الصهيوني الغاشم وذلك لما تحظى به هذه المدينة المقدسة ومسجدها الأقصى المبارك من ذكر في القرآن الكريم وسنّة النبي صلى الله عليه وسلم، وما تتمتع به من قدسية وفضائل جمة في التاريخ الإنساني بعامة والتاريخ الإسلامي بخاصة.
ولما لهما من مكانة سامية توجب على المسلمين الحفاظ على قدسيتهما وعدم التفريط بذرة تراب منهما لأنهما ملك لجميع الأجيال إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ولأن الحديث عن القدس وبيت المقدس والمسجد الأقصى حديث شيق وعظيم النفع والفائدة في الدنيا والآخرة ويثير الشجون والحسرة والألم في قلوب المسلمين المخلصين والمؤمنين الصادقين وفي كوامن نفوسهم وذلك لما تعانيه هذه المدينة المقدسة وهذه البلاد الطاهرة من محاولات المسخ لمعالمها والتزييف للحقائق فيها وعنها من قِبل الاحتلال اليهودي ومؤسساته العسكرية والسياسية والمدنية وغيرها.


ويطيب لي أن أعرف بهذه المكانة وبفضائل هذه البقعة المباركة على النحو التالي :


أولاً التعريف بالقدس وبيت المقدس وأصل قدسيتهما

 

ذكر أهل اللغة وغيرهم أن معنى القُدْس والقُدُس – بسكون الدال المهملة وضمّها– هو الطهر والبركة، والتقديس هو التطهير والتبريك وتنزيه الله تعالى عما لا يليق بذاته العليّة عزّ وجلّ.

 

وبيت المَقْدس – بفتح الميم وسكون القاف – وكسر الدال المهملة، والبيت المُقَدَّس بضم الميم وفتح القاف والدال المشددة – هو البيت المطهر الذي يتطهر فيه من الذنوب.

 

وأصل مكانة القدس والمسجد الأقصى من قدسية وبركة وطهارة ما ذكره الله تعالى في بدية سورة الإسراء:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُِ﴾ ] الإسراء : 1[
وفي تفسير البركة المذكورة في هذه الآية الكريمة ذكر المفسرون أن البركة حول المسجد الأقصى تقتضي باللازم أن يكون هو مباركاً ومكانه مباركاً، كما ذكروا أن معنى البركة فيه وحوله مباركته بالأنهار والأشجار والزروع والثمار ومقابر الأنبياء لأنه مقر الأنبياء وقبلتهم ومهبط الملائكة والوحي وفيه يحشر الناس يوم القيامة.

 

ثانياً: سبب تسمية مسجدها بالأقصى

 

ذكر في ذلك أقوال عدة على النحو التالي :
1- ذكر بعض المفسرين أن المسجد الأقصى سُمّي بذلك لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام.
2-  وقيل: كان هذا المسجد أبعد مسجد عن أهل الأرض في الأرض يعظّم للزيارة.
3-  وقيل : لبعده عن الأقذار والخبائث.
4-  وروى أنه سُمّي بذلك لأنه وسط الدنيا لا يزيد شيء ولا ينقص.
قلت : والظاهر اعتبار الأقوال الثلاثة الأولى معاً في سبب التسمية دون الرابع لأن من المعروف أن مكة المكرمة ومسجدها الحرام هي مركز الأرض والمركز دائماً يكون في الوسط والله أعلم.

 


ثالثاً: الآيات القرآنية المنزّلة في ذكر المسجد الأقصى وبيت المقدس

 

ذكر المنهاجي السيوطي في الباب الأول من كتابه إتحاف الأخصا بفضائل الأقصى عدداً من الآيات القرآنية التي فيها الإشارة إلى بيت المقدس والمسجد الأقصى وفضائلهما وهذه الآيات هـي:
الآية الأولى : آية الإسراء ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُِ﴾ ]الإسراء1[
قال السيوطي في تعليقه عليها : "فلو لم يكن لبيت المقدس من الفضيلة غير هذه الآية لكانت كافية، وبجميع البركات وافية لأنه إذا بورك حوله فالبركة فيه مضاعفة؛ لأن الله تعالى لما أراد أن يعرج بنبيّه محمد صلى الله عليه وسلم إلى سمائه جعل طريقه عليه تبياناً لفضله، وليجعل له فضل البيتين وشرفهما، وإلاّ فالطريق من البيت الحرام إلى السماء كالطريق من بيت المقدس إليها"
الآية الثانية : ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدَاً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدَاً وَقُوْلُواْ حِطَّةً نُغْفَرْ لَكُم خَطَايَاكُم وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ ]البقرة : 58[
 قال السيوطي تعليقاً على هذه الآية : فلم يخصّ الله تعالى مسجداً سوى بيت المقدس بأن وعدهم أن يغفر لهم خطاياهم بسجدة فيه دون غيره إلا بفضل خصّه به.
الآية الثالثة : قول الله تعالى ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ ]الأنبياء : 71[ 
ذكر ابن جرير الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الأرض المباركة هي بيت المقدس لأن منها بعث الله أكثر الأنبياء وهي كثيرة الخصب والنمو عذبة الماء. وذكر السيوطي أن المراد بذلك بيت المقدس.
الآية الرابعة : قول الله تعالى ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ ]الأنبياء : 105[
 ذكر السيوطي عدة أقوال في المراد بالأرض في هذه الآية من هذه الأقوال أنها الأرض المقدّســـة، يعني بيت المقدس .
الآية الخامسة : قول الله تعالى ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍِ﴾        ]المؤمنون : 50[
قال بعض المفسرين : المراد بيت المقدس، أي آوى الله تعالى كل من عيسى وأمه عليهما السلام إلى هذا البيت المقدّس
الآية السادسة : قول الله تعالى ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ ]المائدة : 21[
قال السيوطي : فسمّاه الله تعالى مباركاً ومرة مقدساً يعني بيت المقدس.
الآية السابعة : قول الله تعالى ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ ]المعارج : 43[
ذكر السيوطي في معنى "إلى نصب يوفضون" أنه قيل إلى صخرة بيت المقدس.
الآية الثامنة : قول الله تعالى ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ﴾ ]ق : 41[
قيل إنه ينادى يوم القيامة من صخرة بيت المقدس.
الآية التاسعة : قول الله تعالى ﴿فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ﴾ ]النازعات : 14[
والساهرة إلى جانب بيت المقدس، وفي الأنس الجليل عن إبراهيم بن أبي عبلة قال : هي البقيع الذي هو جانب الطور. قلت : يوجد للمسجد الأقصى باب يقال له باب الساهرة وهو يقع في السور الشمالي الشرقي له، وكأنه هو المراد.
الآية العاشرة : قول الله تعالى ﴿وَالْتِّينِ وَالْزَيْتُونِ﴾ ]التين : 1[
ذكر السيوطي عن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه أنه قال : التين دمشق والزيتون بيت المقدس.
الآية الحادية عشر : قول الله تعالى ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾  ]الحديد : 13[
هو سور بيت المقدس باطنه أبواب الرحمة وظاهره وادي جهنم، وذكر مجيز الدين الحنبلي في الأنس الجليل عن ابن العوّام قال: رأيت عبادة بن الصامت وهو على حائط مسجد بيت المقدس الشرقي وهو متكئ يبكي، قلت: ما يبكيك يا أبا الوليد؟ قال : كيف لا أبكي وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "هذا وادي جهنم".
الآية الثانية عشر : قول الله تعالى﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ
فِيهَا اسْمُه﴾ ]النور : 36 [
 ذكر بعض المفسرين أنه يعني بها بيت المقدس.

 

رابعاً: أحاديث فضائل بيت المقدس والمسجد الأقصى

 

 لقد رويت أحاديث كثيرة في بيان هذه الفضائل منها :
الحديث الأول : حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه في كوْن المسجد الأقصى ثاني مسجد وُضع في الأرض لعبادة الله تعالى بعد المسجد الحرام، أخرج الإمام البخاري في صحيحه كتاب الأنبياء باب رقم (10) قال: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا عبد الواحد حدثنا الأعمش حدثنا إبراهيم التيمي عن أبيه قال : سمعت أبا ذرّ رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله أي مسجد وُضع في الأرض أوّل؟ قال : "المسجد الحرام" قال: قلت: ثم أيّ؟ قال "المسجد الأقصى" قلت: كم كان بينهما ؟ قال: أربعون سنة ، ثم أين ما أدركتك الصلاة بعد فصلّه فإن الفضل فيه".  وهو حديث صحيح متفق عليه .

 

أشار الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري إلى أن ابن الجوزي ذكر في قول النبي صلى الله عليه وسلم : "أربعون سنة" إشكالاً لأن إبراهيم عليه السلام بنى المسجد الحرام وسليمان عليه السلام بني بيت المقدس وبينهما أكثر من ألف سنة ثم أجاب ابن الجوزي عن هذا الإشكال بقوله : وجوابه أن الإشارة إلى أول البناء ووضع أساس المسجد وليس إبراهيم عليه السلام أول من بنى الكعبة ولا سليمان عليه السلام أول من بنى بيت المقدس، ثم قال ابن الجوزي : "فقد روّينا أن أول من بنى الكعبة آدم ثم انتشر ولده في الأرض فجائز أن يكون بعضهم قد وضع بيت المقدس ثم بنى إبراهيم الكعبة".

 

 ثم ذكر ابن حجر قول القرطبي : إن الحديث لا يدل على أن إبراهيم وسليمان عليهما السلام لما بنيا المسجدين ابتدأ وضعهما لهما، بل ذلك تجديد لما كان أسّسه غيرهما، أي آدم عله السلام.

 

 وقد رجح الحافظ ابن حجر قول ابن الجوزي وجعله أوجه من غيره، وذكر دليل وجاهته بقوله : "وقد وجدت ما يشهد له ويؤيد قول من قال : إن آدم عليه السلام هو الذي أسّس كّلاً من المسجدين، فذكر ابن هشام في كتاب التيجان أن آدم عليه السلام لمّا بني الكعبة أمره الله تعالى بالسير إلى بيت المقدس وأن يبنيه فبناه ونسك فيه، وبناء آدم للبيت مشهور".

 

الحديث الثاني : حديث البراء بن عازب رضي الله عنه : في كون بيت المقدس والمسجد الأقصى أول قبلة صلّى إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون. أخرج الإمام البخاري في صحيحه كتاب الإيمان باب الصلاة من الإيمان، قال : حدثنا عمرو بن خالد قال حدثنا زهير قال حدثنا أبو إسحاق عن البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أول ما قدم إلى المدينة نزل على أجداده – أو قال : أخواله – من الأنصار ، وأنه صلّى قِبل بيت المقدس ستة عشر شهراً – أو سبعة عشر شهراً – وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه صلى أوّل صلاة صلاّها العصر، وصلّى معه قوم فخرج رجل ممن صلى معه فمرّ على أهل مسجد وهم راكعون فقال : أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قِبل مكة فداروا كما هم قِبل البيت، وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قِبل بيت المقدس وأهل الكتاب، فلمّا ولّى وجهه قِبل البيت أنكروا ذلك .وهو حديث صحيح أخرجه البخاري في صحيحه .

 

 وهذا الحديث يبيّن أن بيت المقدس والمسجد الأقصى هو قبلة المسلمين الأولى لمدة سنة وأربعة أشهر تقريباً حيث تم تحويل القبلة إلى الكعبة المشرفة في مكة المكرمة كما في قوله تعالى : "قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي الْسَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيُنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا، فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُم فَوَلُّواْ وُجُوهَكُم شَطْرَه .." ]البقرة : 144[.

الحديث الثالث : حديث أنس بن مالك رضي الله عنه : في كون المسجد الأقصى مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعراجه إلى السموات العلا. أخرج الإمام مسلم في صحيحه كتاب الإيمان باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم، حدثنا شيبان بن فرّوخ حدثنا حماد بن سلمة حدثنا ثابت البُناني عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "أُتيت بالبّراق – وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه – قال : فركبت حتى أتيت بيت المقدس، قال : فربطته بالحلقة التي يربط به الأنبياء قال : ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم خرجت، فجاءني جبريل عليه السلام بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن، فقال جبريل – عليه السلام – اخترت الفطرة، ثم عَرَجَ بنا إلى السماء .."جزء من حديث طويل. وهو حديث صحيح أخرجه مسلم في صحيحه .

 

وهذا الحديث يبيّن مكانة المسجد الأقصى بالنسبة للمسجد الحرام وذلك من خل الربط بين هذين المسجدين المقدسين بهذه الرحلة العظيمة وهي رحلة الإسراء والمعراج التي كانت تسرية وتسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما كان يعانيه ويلاقيه من كفار قريش من صدّ عن سبيل الله تعالى وتكذيب له وإيذاء وتعذيب له ولأصحابه الكرام رضوان الله عليهم خاصة بعد وفاة زوجه خديجة رضي الله عنها وعمه أبي طالب آنذاك وهما نصيراه من البشر.

 

وقد كان هذا الإسراء بالجسد على القول الراجح كما قال القاضي عياض : "اختلف الناس في الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل : إنما كان جميع ذلك في المنام والحق الذي عليه أكثر الناس ومعظم السلف وعامة المتأخرين من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين أنه أسري بجسده صلى الله عليه وسلم، والآثار تدل عليه فيحتاج إلى تأويل".

 

ومعنى البّراق : بضم الباء الموحدة هو اسم الدابة التي ركبها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء، واشتق البراق من البرق لسرعته، وقيل : سمي بذلك لشدة صفائه وبريقه وتلألئه، وقيل : لكونه أبيض. وقال القاضي عياض : "يحتمل سمّي بذلك لكونه ذا لونين يقال : شاة برقاء إذا كان في خلال صوفها الأبيض طاقات سود ، ووصف في الحديث بأنه أبيض وقد يكون من نوع الشاة البرقاء وهي معدودة في البيض.

 

معنى الحلقة : هي حلقة باب المسجد الأقصى ببيت المقدس التي كانت الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تربط بها. وذكر النووي أن في ربط البراق الأخذ بالاحتياط في الأمور وتعاطي الأسباب وإن ذلك لا يقدح في التوكل إذا كان الاعتماد على الله تعالى.

 

الحديث الرابع : حديث أبي هريرة رضي الله عنه : في إمامة النبي صلى الله عليه وسلم إخوانه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في المسجد الأقصى في رحلة الإسراء والمعراج. أخرج الإمام مسلم في صحيحه كتاب الإيمان باب ذكر المسيح بن مريم والمسيح الدجال قال : وحدثني زهير بن حرب حدثنا حُجَين بن المثنى حدثنا عبد العزيز – وهو ابن أبي سلمة – عن عبد الله بن الفضا عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها، فكربت كربة ما كربت مثله قط. قال : فرفعه الله لي أنظر إليه، ما يسألوني عن شيء إلا أنبأتهم به، وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء فإذا موسى قائم يصلي فإذا رجل ضرب جعد كأنه من رجال شنوءة وإذا عيسى عليه السلام قائم يصلي أشبه الناس به صاحبكم – يعني نفسه – فحانت الصلاة فأممتهم، فلما فرغت من الصلاة قال قائل : يا محمد هذا مالك صاحب الناس فسلّم عليه فالتفت إليه فبدأني بالسلام". وهو حديث صحيح أخرجه مسلم في صحيحه .

 

 وهو حديث يبيّن مكانة رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم بين إخوانه الأنبياء – عليهم الصلاة والسلام – حيث كان إمامهم في المسجد الأقصى في رحلة الإسراء والمعراج مما يدلّل على أن لرسالته شأناً عظيماً وفيه الإمامة لكل الرسالات السماوية.
الحديث الخامس : حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه : في كون بيت المقدس والمسجد الأقصى أحد الأماكن التي أنزلت فيها النبوة على الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم. أخرج الإمام يعقوب بن سفيان البَسَوي في تاريخه قال : حدثنا أبو سعيد عبد الرحمن بن إبراهيم قال حدثنا الوليد بن مسلم قال : حدثنا عُفير بن معدان عن سُليك بن عامر عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "أُنزلت عليّ النبوة في ثلاثة أمكنة : بمكة وبالمدينة وبالشام". وهو حديث أخرجه ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق. وهو حديث ضعيف، ولكنه يصلح للاحتجاج به في فضائل الأماكن 

 

 وهذا الحديث يبيّن أن الشام إحدى الأماكن التي نزلت فيها النبوة على الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، والمراد بالشام هنا في هذا الحديث – والله أعلم – بيت المقدس حيث أُسري بالنبي صلى الله عليه وسلم إليه من مكة المكرمة وعرج به منه إلى السموات العلا، ومن ثم تعد هذه الحادثة – وهي الإسراء والمعراج – من صميم النبوة.

 

الحديث السادس : حديث أبي الدرداء رضي الله عنه : في أن الصلاة في المسجد الأقصى بخمسمائة صلاة في غيره ما عدا المسجد الحرام بمكة المكرمة والمسجد النبوي في المدينة المشرفة. أخرج الحافظ أبو بكر البزار في مسنده قال : حدثنا إبراهيم بن جُمَيل حدثنا محمد بن يزيد حدثنا سعيد بن سالم القدّاح حدثنا سعيد بن بشير عن إسماعيل بن عبيد الله عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : "فضل الصلاة في المسجد الحرام على غيره مائة ألف صلاة، وفي مسجدي ألف صلاة، وفي مسجد بيت المقدس خمسمائة صلاة"، ثم قال البزار : لا نعلمه يُروى بهذا اللفظ مرفوعاً إلا بهذا. وهو حديث حسن.

 

الحديث السابع : حديث أبي هريرة وعائشة رضي الله عنهما : في أن فضل الصلاة في المسجد الأقصى يأتي بعد فضل الصلاة في المسجد النبوي الشريف. أخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده قال : حدثنا عبد الرزاق حدثنا ابن جُريح أخبرني عطاء أن أبا سلمة بن عبد الرحمن أخبره عن أبي هريرة أو عن عائشة أنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "صلاة في مسجدي خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الأقصى". وهو حديث صحيح أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده.

 

الحديث الثامن : حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه : في فضل الصلاة في المسجد الأقصى، وأن ذلك الفضل يتمثل في أن من صلّى فيه خرج من ذنوبه وخطاياه كيوم ولدته أمه. أخرج الإمام أحمد بن حنبل في المسند قال : حدثنا معاوية بن عمرو حدثنا إبراهيم بن محمد أبو إسحاق الفزاري حدثنا الأوزاعي حدثني ربيعة بن يزيد عن عبد الله بن الديلمي قال : دخلت على عبد الله بن عمرو وهو في حائط له بالطائف يقال له : الوهط، فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن سليمان بن داوود عليه السلام سأل الله ثلاثاً فأعطاه اثنتين ونحن نرجو أن تكون الثالثة؛ فسأله حكماً يصادف حكمه فأعطاه الله إياه، وسأله ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده فأعطاه إياه، وسأله أيما رجل خرج من بيته لا يريد إلا الصلاة في هذا المسجد خرج من خطيئته مثل يوم ولدته أمه، فنحن نرجو أن يكون الله عزّ وجل قد أعطاه إياه". وهو حديث صحيح.

 

الحديث التاسع : حديث ميمونة رضي الله عنها – وهي مولاة النبي صلى الله عليه وسلم – في الحث على إتيان بيت المقدس ومسجدها الأقصى وإكرامه بالصلاة فيه أو بإرسال الزيت للإسراج في قناديله وإضاءتها. أخرجه الإمام أبو داوود السجستاني في سننه كتاب الصلاة باب السرج في المساجد قال : حدثنا النّفيلي ثنا مسكين عن سعيد بن عبد العزيز عن زياد بن أبي سودة عن ميمونة – مولاة النبي صلى الله عليه وسلم – أنها قالت : يا رسول الله أفتنا في بيت المقدس، فقال : "ائتوه فصلّوا فيه – وكانت البلاد إذ ذاك حرباً – فإن لم تأتوه وتصلّوا فيه فابعثوا بزيت يسرج في قناديله". وهو حديث صحيح.

 

الحديث العاشر : حديث أبي سعيد الخدري وغيره من الصحابة رضي الله عنهم في حث النبي صلى الله عليه وسلم على شد الرحال والمُطي إلى المساجد الثلاثة وهي المسجد الحرام بمكة المكرمة والمسجد النبوي بالمدينة المنورة والمسجد الأقصى في بيت المقدس. أخرج البخاري في صحيحه كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة باب مسجد بيت المقدس قال : حدثنا أبو الوليد حدثنا شعبة عن عبد الملك سمعت قَزْعة مولى زياد قال سمعت أبا سعيد رضي الله عنه يحدث بأربع عن النبي صلى الله عليه وسلم فأعجبتني وأنقتني قال : "لا تسافر امرأة يومين إلاّ معها زوجها أو ذو محرم، ولا صوم في يومين: الفطر والأضحى، ولا صلاة بعد صلاتين : بعد الصبح حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب، ولا تشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي". وهو حديث صحيح متفق عليه .

 

معنى "لا تُشد" قال ابن حجر العسقلاني في الفتح : "بضم أوله بلفظ النفي، والمراد النهي عن السفر إلى غيرها. قال الطيبي : وهو أبلغ من صريح النهي كأنه قال : لا يستقيم أن يُقصد بالزيارة إلاّ هذه البقاع لاختصاصها بما اختصت به، والرحال بالمهملة جمع رحل وهو للبعير كالسرج لفرس، وكنّى بشد الرحال عن السفر لأنه لازمه وخرج ذكرها مخرج الغالب في ركوب المسافر وإلاّ فلا فرق بين ركوب الرواحل والخيل والبغال والحمير والمشي في المعنى المذكور". قلت : ولا فرق كذلك بين الرحال المذكورة في الحديث وبين وسائل المواصلات الحديثة كالسيارة والطائرة والباخرة وغير ذلك.

 

سبب تفضيل هذه المساجد الثلاثة والصلاة فيها على غيرها : قال الإمام النووي في هذا المعنى : "فيه بيان عظيم فضيلة هذه المساجد الثلاثة ومزيتها على غيرها لكونها مساجد الأنبياء – صلوات الله وسلامه عليهم – ولفضل الصلاة فيها لو نذر الذهاب إلى المسجد الحرام لزمه قصده لحج أو عمرة ولو نذره إلى المسجدين الآخرين فقولان للشافعي: أصحهما عند أصحابه يستحب قصدهما ولا يجب، والثاني : يجب وبه قال كثيرون من العلماء، وأما باقي المساجد سوى الثلاثة فلا يجب قصدها بالنذر ولا ينعقد نذر قصدها، هذا مذهب العلماء كافة إلاّ محمد بن مسلمة المالكي.
وقال الحافظ ابن حجر : "وفي هذا الحديث فضيلة هذه المساجد ومزيتها على غيرها لكونها مساجد الأنبياء، ولأن الأول قبلة للناس وإليه حجهم، والثاني كان قبلة الأمم السابقة، والثالث أسس على التقوى.

 

الحديث الحادي عشر : حديث أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها – زوج النبي صلى الله عليه وسلم – في فضل الإهلال والإحرام بالعمرة أو الحج من المسجد الأقصى ببيت المقدس. أخرج الإمام ابن ماجة في سننه كتاب المناسك باب من أهل بعمرة من بيت المقدس قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى عن محمد بن إسحاق حدثني سليمان بن سُحَيم عن أم حكيم بنت أمية عن أم سلمة – رضي الله عنها – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "من أهلّ بعمرة من بيت المقدس غُفر له". وهو حديث ضعيف لكنه يعمل به في فضائل الأماكن.
معنى "أهلّ" أي أحرم بنية الحج أو العمرة، وأصل الإهلال هو رفع الصوت بالتلبية عند الدخول في الحج أو العمرة.
وهذا الحديث يبيّن أن الإحرام بالحج أو العمرة من بيت المقدس أو المسجد الأقصى له أجر عظيم عند الله تعالى لما له من فضل ومكانة، ولما فيه من المشقة والعنت مما يؤدي إلى مغفرة الذنوب ودخول الجنة لأن الأجر بقدر المشقة.

 

هذا وقد قام بعض الصحابة الكرام والتابعين وغيرهم من العلماء بالأخذ بهذا الحديث فأحرموا وأهلّوا من بيت المقدس مثل : عبد الله بن عمر رضي الله عنهما الذي أحرم وأهل من إيلياء – أي بيت المقدس – عام حكم الحكمين – يعني حكم عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهم سنة 37 هـ وقيل : سنة 39 هـ وقيل : سنة 40هـ - فيما رواه عنه الحافظ والبيهقي في سننه الكبرى بسنده إليـه.

 

ومثل أم حكيم حكيمة بنت أميّة السّلمية رحمها الله – راوية الحديث عن أم المؤمنين أم سلمة – حيث ركبت عند سماعها هذا الحديث إلى بيت المقدس حتى أهلّت منه بعمرة – فيما رواه عنها بسنده إليها غير واحد.
ومثل وكيع بن الجراح رحمه الله الذي قال عنه أبو داوود السجستاني بعد روايته لهذا الحديث : "يرحم الله وكيعاً أحرم من بيت المقدس يعني إلى مكة" .

 

لحديث الثاني عشر : حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه : في الحث على الرباط والسكنى في بيت المقدس أو أي مكان من سواحل الشام وإن ذلك الرباط يعد جهاداً في سبيل الله تعالى إلى يوم القيامة. فقد ذكر القاضي أبو اليمن مجيز الدين الحنبلي في كتابه الأنس الجليل عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "يا معاذ إن الله عزّ وجل سيفتح عليكم الشام من بعدي من العريش إلى الفرات، رجالهم ونساؤهم وإماؤهم مرابطون إلى يوم القيامة، فمن اختار منكم ساحلاً من سواحل الشام أو بيت المقدس فهو في جهاد إلى يوم القيامة". والحديث له شاهد صحيح من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه عند الطبراني في معجمه الكبير.

 

الحديث الثالث عشر : حديث ذي الأصابع – وهو ثوبان بن يَمْرُد التميمي – رضي الله عنه – في حث النبي صلى الله عليه وسلم لذي الأصابع على سُكنى بيت المقدس والصلاة في مسجدها الأقصى. أخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده قال : حدثنا أبو صالح الحَكَم بن موسى قال : حدثنا ضَمْرَة بن ربيعة عن عثمان بن عطاء عن أبي عمران عن ذي الأصابع قال : قلت: يا رسول الله إن ابتلينا بعدك بالبقاء أين تأمرنا؟ قال : "عليك ببيت المقدس فلعله أن يُنشأ لك ذرية يغدون إلى ذلك المسجد ويروحون". وهو حديث ضعيف لكنه يعمل به في فضائل الأماكن

 

الحديث الرابع عشر : حديث أبي أمامة الباهلي – صديّ بن عجلان رضي الله عنه – في بيان أن الطائفة المنصورة ببيت المقدس وما حولها من بلاد الشام. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل : وجدت في كتاب أبي بخط يده : حدثني مهدي بن جعفر الرملي حدثنا ضمرة عن السيباني – واسمه يحيى بن أبي عمرو – عن عمرو بن عبد الله الحضرمي عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين لعدوهم قاهرين لا يضرّهم من خالفهم – إلا ما أصابهم من لأواء – حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك" قالوا : يا رسول الله وأين هم ؟ قال : "ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس". وهو حديث صحيح.

 

ومعنى "اللأواء" أي الشدة وضيق المعيشة، ومعنى "أكناف بيت المقدس" : أي نواحيها وما حولها. ومعنى "أكناف بيت المقدس" أي المدن والقرى والضواحي المحيطة بها، وقيل : هي فلسطين، وقيل : بلاد الشام.

 

هذا الحديث يبيّن أن هذه البلاد المقدسة ستبقى فيها الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة حيث لا يضر هذه الطائفة ولا يثنيها عن واجبها في الدعوة إلى الله تعالى وتبليغ رسالته والجهاد والرباط في سبيل الله تعالى شدة أو ضيق معيشة أو أية عقبة يضعها  أعداؤها أمام أتباعها، وهذه تعتبر بشرى طيبة من الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم للمرابطين على ثرى الأقصى وبيت المقدس وأكناف بيت المقدس إلى يوم القيامة.
الحديث الخامس عشر : حديث عبد الرحمن بن أبي عميرة المُزني رضي الله عنه : في التبشير بوجود بيعة هدى في بيت المقدس. قال ابن سعد في الطبقات الكبرى في ترجمة هذا الصحابي : وهو الذي روى في معاوية ما روي من حديث الوليد بن مسلم قال : حدثنا شيخ من أهل دمشق قال : حدثنا يونس بن ميسرة بن حَلْبَس قال : سمعت عبد الرحمن بن أبي عميرة المُزني يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يكون في بيت المقدس بيعة هدى". وهو حديث ضيف لكنه يصلح للعمل به في فضائل الأعمال وفضائل الأماكن.

 

الحديث السادس عشر : حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه في ثناء النبي صلى الله عليه وسلم على بيت المقدس وأن هذه البلاد أرض المنشر والمحشر وأنها في آخر الزمان خير من سائر بقاع الأرض. أخرج الإمام البيهقي في شعب الإيمان قال : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أن أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن أيوب الطوسي حدثنا أبو حاتم الرازي حدثنا محمد بن بكّار بن بلال حدثني سعيد بن بشير عن قتادة عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذرٍ أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في بيت المقدس أفضل أو الصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : "صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات فيه : ولنعم المصلي في أرض المحشر والمنشر، وليأتين على الناس زمان ولقيد سوط – أو قال : قوس – الرجل حيث يرى منه بيت المقدس خير له أو أحب إليه من الدنيا جميعاً". وهو حديث حسن.

الحديث السابع عشر : حديث سمرة بن جُندب رضي الله عنه في كون بيت المقدس أرض المحشر. أخرج الإمام الطبراني في المعجم الكبير قال : حدثنا موسى بن هارون حدثنا مروان بن جعفر حدثنا محمد بن إبراهيم بن خبيب بن سليمان بن سمرة حدثنا جعفر بن سعد بن سمرة عن خبيب بن سليمان بن سمرة عن أبيه سمرة بن جندب قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول لنا : "إنكم تحشرون إلى بيت المقدس ثم تجتمعون يوم القيامة".  وهو حديث حسن.

خامساً : بعض أقوال الصحابة والتابعين في هذه البقعة المباركة

 

لقد رويت أقوال كثيرة عن الصحابة والتابعين في بيان مكانة وفضائل بيت المقدس والمسجد الأقصى منها ما يلي :

 

أولاً من أقوال الصحابة : قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : إن الحرم لمحرّم في السموات السبع وبمقداره في الأرض، وإن بيت المقدس لمقدّس في السموات السبع بمقداره في الأرض. وقال ابن عمر أيضاً : بيت المقدس بنته الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وعمرته، وما فيه شبر إلا وقد سجد عليه ملك أو نبي فلعل جبهتك أن توافي جبهة ملك أو نبي.
وقال أنس بن مالك رضي الله عنه : إن الجنة لتحنّ شوقاً إلى بيت المقدس، وبيت المقدس من جنة الفردوس، والفردوس الأعلى هو هاهنا ربوة في الجنة هي أواسط الجنة وأعلاها وأفضلها.
ويُروى عن معاذ بن جبل أنه أتى بيت المقدس فأقام به ثلاثة أيام ولياليها يصوم ويصلي فلما خرج منه وكان على الشرف – هو مكان مرتفع – ثم أقبل على أصحابه فقال : أمّا ما مضى من ذنوبكم فقد غفر الله تعالى لكم فانظروا ما أنتم صانعون في ما بقي من أعماركم.

 

ثانياً : من أقوال التابعين : قال كعب الأحبار – وهو من المخضرمين - : إن الله ينظر إلى بيت المقدس كل يوم مرتين. وقال : باب مفتوح من السماء من أبواب الجنة ينزل منه الحنان والرحمة على بيت المقدس كل صباح حتى تقوم الساعة.
وقال أيضاً : ما مَثَل بيت المقدس عند الله وسائر الأرضين – لله المثل الأعلى – إلا كمثل رجل له مال كثير وفيه كنز وهو أحبّ ماله إليه فإذا أصبح لم يطلع على شيء من ماله قبل كنزه ذلك، كذلك رب العالمين في كل صباح لا يطلع في شيء من الأرض قبلها يدرّ عليها حنانه ورحمته ثم يدرّها بعدها على سائر الأرضين.

 

وقال وهب بن منبّه : أهل بيت المقدس جيران الله تعالى، وحق على الله تعالى ألا يعذب جيرانه.
وقال عطاء بن أبي رباح : لا تقوم الساعة حتى يسوق الله خيار عباده إلى بيت المقدس فيسكنهم الله إياها.
وقال مقاتل بن سليمان : ما فيه موضع شبر إلا وقد صلى عليه نبي مرسل أو قام عليه ملك مقرب، وذكر مقاتل أن في كل ليلة ينزل سبعون ألف ملك إلى مسجد بيت المقدس يهللون الله ويكبرونه ويسبحونه ويحمدونه ويقدسونه ويعظمونه، ولا يعودون إلى أن تقوم الساعة.

 

من خلال ما تقدم من فضائل لهذه البقعة المباركة المقدسة يتبين لنا أنها تمتعت بمكانة عظيمة على مدار التاريخ الإنساني بعامة والإسلامي بخاصة وأن هذه المكانة استندت على المرتكزات التالية :

 

‌أ- إن المسجد الأقصى ببيت المقدس هو البيت الذي بنته الأنبياء وعمرته لعبادة الله تعالى وقد جاء الدين الإسلامي مصدقاً لنبوة هؤلاء الأنبياء الذين سبقوا النبي محمداً صلى الله عليه وسلم والذين عاش أكثرهم في بيت المقدس وما حوله.
‌ب- إن بيت المقدس هو القبلة التي اتجه إليها المسلمون في صلاتهم قبل أن يؤمروا بالتوجه إلى الكعبة المشرفة.
‌ج- إن بيت المقدس هو المكان الذي أسري بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم إليه وعُرج به منه إلى السموات العلا.

 

سادساً : أشهر الداخلين إلى بيت المقدس

 

لقد دخل بيت المقدس من الأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام وأعيان الصحابة والتابعين مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا .
فمن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الذين دخلوا بيت المقدس : إبراهيم الخليل وإسحاق ويعقوب وداود وسليمان وموسى وزكريا ويحيى وعيسى ومحمد.
ومن الصحابة رضوان الله عليهم : عمر بن الخطاب وأبو عبيدة عامر بن الجراح وأبو الدرداء عُوَيمر بن عجلان وسعيد بن زيد وعبد الله بن عمر ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وابناه عبد الله وعبيد الله ومعاذ بن جبل وأبو ذر الغفاري وسمرة بن جندب وسلمان الفارسي وخالد بن الوليد وعياض بن تميم وعبد الله بن سلام ويزيد بن أبي سفيان وأبو هريرة – عبد الرحمن بن صخر – وأبو أمامة صُدَي بن عَجْلان وأبو مسعود عتية بن عمرو الأنصاري وأبو جمعة الأنصاري وشدّاد بن أوس وعبادة بن الصامت وأبو ريحانة القرظي وتميم بن أوس الداري والشّريد بن سويد وعبد الله بن أبي الجدعاء التميمي وأبو عبد الله فيروز الديلمي وذو الأصابع التميمي وأبو محمد النجّاري وأُبَيّ بن أبي حرام وأبو أُبَيّ عبد الله بن عمرو الأنصاري وسلامة بن قيصر وواثلة بن الأسقع وأبو نُعَيم محمود بن الربيع وغضيف بن الحارث وأم المؤمنين صفية بنت حُيَي رضي الله عنهم جميعاً.

 

ومن التابعين رحمهم الله : كعب الأحبار – وهو مخضرم – وعبيد عامل عمر بن الخطاب على بيت المقدس وعمير بن سعيد ويَعْلَى بن شدّاد بن أوس وجُبير بن نُفير الحضرمي وأبو نُعَيم المؤذن وأبو الزبير المؤذن وأبو سلاّم ممطور الحبشي وعبد الرحمن بن تميم الأشعري وقَبيصَة بن ذُؤَيب وعبد الله بن مُحَيريز وهانئ بن كلثوم وعبد الملك بن مروان وعمر بن عبد العزيز ومحارب بن دِثَار وعبد الله بن فيروز المقدسي ورجاء بن حيوة ومحمد ابن واسع وزيادة بن أبي سودة وأخوه عثمان وأبو المعتمر التميمي وسليمان بن طرخان ومقاتل بن سليمان المفسر وأم الدرداء الصغرى – واسمها هُجَيمة – ورابعة العدوية رحمهم الله تعالى جميعاً.

 

 
ثانياً:الأخطـار التي تتهدد القدس
والمسجد الأقصى المبارك

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن ولاه إلى يوم الدين وبعد :
فإن الممارسات والاعتداءات الصهيونية المتكررة على مدينة القدس ومسجدها الأقصى المبارك وعلى المعالم والآثار الإسلامية فيها تشكل أخطاراً جمّة تدخل ضمن مخططات العدو اليهودي التي تهدف إلى تهويد مدينة القدس والذي يعني تهجير الفلسطينيين والعرب سكان القدس وجعل من تبقى منهم أقلية في داخل هذه المدينة المقدسة بين أغلبية يهودية، ومن ثَمَّ تسعى سلطات الاحتلال إلى وضع اليد على الممتلكات العربية ومحو المعالم والآثار الإسلامية وهدم المسجد الأقصى المبارك وإقامة هيكل سليمان المزعوم مكانه وعلى أنقاضه واستبدال هذه المعالم والآثار بأخرى يهودية.
وبهذا التهويد لمدينة القدس ومسجدها الأقصى ومعالمها وآثارها يسيطر اليهود على الأرض الفلسطينية ويطردون سكانها الشرعيين وإحلال مغتصبين محلهم ولتحقيق هذا الهدف وضعت سلطات الاحتلال سياسات على صعيدين هما:

 

أولاً: على صعيد الأرض: ويتم ذلك من خلال الإجراءات التالية:
1. إصدار 25 قانوناً وعددٍ من القرارات والأوامر لسلطات الاحتلال الصهيوني لمصادرة الأراضي والعقارات الفلسطينية في القدس ومن أخطر هذه القوانين قانون أملاك الغائبين وقانون الأرض الخضراء وقانون المصادرة من أجل المصلحة العامة وقانون الضرائب وخاصة ضريبة الأرنونا على هذه الأراضي والعقارات وقانون المحميات الطبيعية.

 

2. تجميد سياسة البناء الجديد للعرب الفلسطينيين وعدم السماح لهم بالتوسع الأفقي والرأسي في البناء وكذلك هدم الأبنية بحجة عدم الترخيص حيث تم هدم نحو 550  منزلاً حتى الآن منذ احتلال القدس عام1967، مما يسبّب نقصاً في مساكن الفلسطينيين مما يفرض على هؤلاء البحث عن سكن لهم خارج القدس.

 

3. إقامة المستوطنات والمغتصبات الصهيونية داخل حدود مدينة "القدس العربية" وما حولها حيث سيطر المغتصبون اليهود سكان هذه المغتصبات على نحو 35% من مجموع مساحة "القدس العربية".

 

4. إقامة جدار الضم والتوسع الصهيوني لإخراج التجمعات العربية من داخل القدس مع ضم تجمعات المغتصبات والمستوطنات الصهيونية إلى داخل القدس لتصبح مساحة الأرض التي يسيطر عليها اليهود أكثر من الأرض التي يقطن فيها الفلسطينيون.

 

ثانياً: على صعيد الديمغرافية والسكان: حيث وضعت سلطات الاحتلال الصهيونية سياسات متعددة للإسراع في التغيير الديمغرافي للسكان في مدينة القدس والتي منها:

 

1. سحب هويات عدد كبير من السكان المقدسيين لأسباب مختلفة وبحجج واهية وكذلك عزل عدد كبير من سكان القدس خارج المدينة المقدسة بفعل إقامة جدار الضم والتوسع الصهيوني.

 

2. التضييق على المقدسيين وإجبارهم على الهجرة وترحيلهم قسراً خارج المدينة المقدسة كما حدث مع160عائلة في ضاحية السلام بحي شعفاط ومع40عائلة في برج اللقلق بالقرب من باب العامود، وكما حدث مع نحو 17000 مقدسي هاجروا من القدس خارج فلسطين منذ احتلال اليهود للقدس عام1967م، ومع12000 مقدسي هاجروا منها إلى خارجها داخل فلسطين، ومع8000 كانوا خارج فلسطين عند وقوع احتلال القدس.
3. تجهيل الإنسان الفلسطيني في القدس والعمل على إفساده أخلاقياً وبنشر المخدرات والمسكرات على نطاق واسع وذلك لخلق جيل فلسطيني لا يهتم بقضاياه المصيرية ولا ينتمي لقيم الشعب الفلسطيني وأخلاقه مما يؤدي إلى تهويد هذا الجيل من حيث اهتماماته.

 

وحيال هذه السياسات الصهيونية على صعيدي الأرض والسكان فإن السكان الفلسطينيين في القدس ليس أمامهم إلا خيارات صعبة تتمثل فيما يلي:
1. الحصول على الجنسية والمواطنة "الإسرائيلية" ومن ثَم يفقدون الهوية الفلسطينية المقدسية.

 

2. الحصول على الجنسية الأجنبية ومن ثم يتم ترحيلهم من القدس بعد ثلاثة شهور حسب القوانين الصهيونية التي تم سنّها لتحقيق هذا الهدف.
3. لا يستطيعون حمل الجنسية الفلسطينية وهم داخل القدس حسب اتفاقيات أوسلو الظالمة مع العدو الصهيوني.
4. كما أنهم لا يستطيعون أن يحتفظوا بالجنسية الأردنية حسب اتفاقية وادي عربة بين الأردن والعدو الصهيوني بل يحملون وثائق سفر أردنية وليست جوازات سفر رسمية.

 

وعليه فإن القدس ومسجدها الأقصى ومقدساتها وآثارها في خطر حقيقي بل الأخطار محدقة بهم من كل جانب على النحو التالي:

 

القسم الأول: الأخطار المحدقة بالمسجد الأقصى المبارك

 

أولاً : الاعتداءات المتكررة على حرمة المسجد الأقصى المبارك وعلى المصلين فيه وقد بلغت هذه الاعتداءات نحو خمسمائة اعتداء منذ احتلال هذا المسجد في عام1967م حتى صياغة هذا التقرير، والتي من أشهرها :
1. إحراق المسجد الأقصى المبارك في 21/8/1969م الذي أتى على جزء كبير من الجهة الجنوبية من المسجد الأقصى وخاصة منبر صلاح الدين الأيوبي رحمه الله، وكذلك المحاولات المتكررة لحرقه.
2. استيلاء اليهود على حائط البراق الذي أطلقوا عليه حائط المبكى كذباً وزوراً، ويقيمون فيه طقوسهم وشعائرهم الدينية المزيفة والمحرفة.
3. إطلاق النار من قبل الجنود ورجال الشرطة والمغتصبين الصهاينة على المصلين  داخل المسجد الأقصى وساحاته وباحاته مرات عدة مما أدى إلى سقوط عدد كبير من الشهداء والجرحى وكان آخرها ما حدث يوم الجمعة29/2/2007.
4. منع المسلمين من سكان قطاع غزة والضفة الغربية من الدخول إلى المسجد الأقصى والصلاة فيه ويستمر هذا المنع إلى هذه الأيام.
5. محاولات الصهاينة المتكررة لنسف المسجد الأقصى بالمتفجرات وعن طريق القصف بالطائرات وجميع هذه المحاولات تم اكتشافها قبل تنفيذها وباءت بالفشل.
6. الاعتداءات المتكررة على حراس المسجد الأقصى المبارك بالضرب وإصابة بعض منهم من جراء ذلك الضرب، ومنع هؤلاء الحراس من دخول ساحات المسجد الأقصى المبارك أكثر من مرة حتى لا يقوموا بدورهم في منع المغتصبين الصهاينة من دخول ساحات المسجد الأقصى وباحاته وإقامة شعائرهم وطقوسهم فيها.

 

ثانياً : ازدياد عمليات الحفريات أسفل المسجد الأقصى المبارك وساحاته حيث بدأ العدو الصهيوني بهذه الحفريات بعد استيلائه مباشرة على شرقي مدينة القدس بعد حرب حزيران عام1967م وقد بدأ العدو الصهيوني بهذه الحفريات من الجهة الجنوبية للمسجد الأقصى المبارك حيث توجد بعض قصور خلفاء بني أمية. وقد ازداد عرض هذه الحفريات شرقاً وغرباً حيث وصلوا إلى منطقة الكأس (المتوضأ) أي بمعنى أنهم وصلوا إلى ضعف طول المسجد الأقصى المبارك في هذه الحفريات أسفل المسجد باتجاه الشمــال، ويخطط اليهود لتصل حفرياتهم هذه إلى أسفل مسجد الصخرة لتمتد غربا إلى السور الغربي للمسجد الأقصى المبارك وساحاته من باب السلسلة إلى نهاية السور الغربي من الجهة الجنوبية.

 

ثالثـاً : قيام العدو الصهيوني على مدى العشرين سنة الأخيرة بحفر أنفاق مختلفة الأطوال من غرب المسجد الأقصى المبارك أي من حائط البراق ومن داخل المدينة المقدسة من جهة الشمال الغربي إضافة إلى الأنفاق التي كُشف النقاب عنها مؤخراً من جهة الشرق من حي عين سلوان حيث يبلغ طول آخر نفق ـ الممتد من عين سلوان ـ نحو600 متر أسفل المسجد الأقصى المبارك باتجاه منطقة الكأس وهو بعمق عشرة أمتار وفي بعض المناطق بعمق عشرين متراً وعرض ما لا يقل عن خمسة أمتار وذلك حتى يُفسح المجال لدخول السيارات والشاحنات والجرافات وما إلى ذلك.
 رابعاً : العدو الصهيوني شرع منذ فترة في بناء نواة مدينة سياحية أسفل منطقة الكأس التي تضم كنيساً يهودياً لأداء طقوسهم اليهودية، وقد وضعوا مجسماً يمثل هيكل سليمان الثالث المزعوم فيه، كما تضم متحفاً صهيونياً يعرض فيه اليهود تاريخهم المزعوم لهذه البلاد الطاهرة بالإضافة إلى إقامة معهد ديني يهودي لتعليم الشباب والفتيات الدين والتاريخ اليهودي المزيفين والمحرّفين.

 

القسم الثاني: الأخطار التي تتهدد مدينة القدس

 

أولاً : تقوم بعض مؤسسات السماسرة مثل مؤسستي إلعاد وعطريت كوهانيم وبعض التجار السماسرة بشراء العقارات والمباني القديمة المحيطة بالمسجد الأقصى المبارك لتسريبها إلى اليهود، وتستغل هذه المؤسسات وهؤلاء السماسرة حاجة الفلسطينيين الماسة إلى الأموال وعدم استطاعتهم دفع الأتاوات والضرائب وعدم ترميم منازلهم وعقاراتهم في المدينة القديمة حيث تم حتى الآن الاستيلاء على نحو 75 عقاراً بالقرب من المسجد الأقصى المبارك بالإضافة إلى عشر عقارات أخرى مهددة الآن بالاستيلاء عليها قريباً إن لم يتم نجدة أصحابها، كما استولى اليهود عنوة وبقوانين ظالمة على آلاف الدونمات في أحياء متعددة تابعة لمدينة القدس وذلك لإقامة مستوطنات  ومغتصبات صهيونية وتوسيع مغتصبات أخرى مثل مغتصبة معاليه أدوميم وهي أكبر تجمع استيطاني واغتصابي في القدس التي تصل إلى منطقة الخان الأحمر التي تقع في منتصف الطريق بين القدس وأريحا.

 

ومن الجدير بالذكر أن سلطات الاحتلال فرضت سلسلة من مخططات مصادرة الأراضي الفلسطينية والتنظيم البلدي في مدينة القدس حيث بلغت نسبة ما تم مصادرته والاستيلاء عليه من أراضي المقدسيين34% والأراضي الخضراء والمحميات الطبيعية40% والأراضي غير المستعملة7% والأراضي المجمدة3% والبنى التحتية والشوارع6% أي تمت مصادرة ما مجموعه90% من أراضي شرقي القدس المقيدة تحت تصرف السلطات المحتلة، ومن ثَم لم يتبقَّ تحت تصرف الفلسطينيين في القدس إلا10% من أراضيهم.

 

ثانياً : توجد في داخل المدينة المقدسة حول المسجد الأقصى المبارك بؤر استيطانية بناها اليهود في منازل الفلسطينيين التي استولوا عليها منذ احتلالهم لهذه المدينة المقدسة عام1967م بحجة أنها أملاك غائبين وأن أصحابها غير موجودين، وأقاموا بها كنساً لأداء بعض الطقوس الدينية ومعاهد دينية صغيرة ومساكن لعدد كبير من اليهود المغتصبين، وتبلغ هذه البؤر نحو 75 بؤرة استيطانية منها البؤرة التي شرع اليهود بإقامتها في شهر يناير 2007م التي تبعد نحو93 متراً غرب مسجد الصخرة في حي الواد والتي شرع اليهود بإقامة كنيس يهودي فيها ليضاهي مسجد الصخرة بل وليزيد عليه في الضخامة في بنائه وفي قبته.

 

 ثالثاً : يحاول العدو الصهيوني جاهداً أن ينشر بشتى الوسائل المخدرات وتعاطي الخمور بأنواعها بين الشباب والفتيات العرب الفلسطينيين سواءً كانوا مسلمين أو مسيحيين في مدينة القدس وذلك لإشغال هؤلاء الفلسطينيين عن التفكير في قضاياهم المصيرية وفي مقدمتها الدفاع عن رمز عزتهم وقضيتهم المسجد الأقصى المبارك وحسب الإحصاءات الأخيرة فإن نسبة متعاطيي المخدرات والخمور ومروجيها في شرقي القدس أعلى نسبة بالنسبة لبقية مدن فلسطين الأخرى خاصة على مستوى قطاع غزة والضفة الغربية، وقد ذكرت مصادر فلسطينية مطلعة أن عدد المتعاطين للمخدرات والمروجين لها والمتاجرين بها يبلغ نحو5000 شخص مما يشكل خطورة كبيرة على مصير هذه المدينة المقدسة وعلى مستقبل سكانها.
رابعاً : اقترب العدو الصهيوني من الانتهاء من إقامة "جدار الضم والتوسع" العنصري العازل حول مدينة القدس حيث أصبح هذا الجدار يحيط بهذه المدينة كما يحيط السوار بالمعصم ، وقد أصبحت المدينة المقدسة معزولة تماماً عن مدن وقرى الضفة الفلسطينية، وتمت إقامة حواجز دولية على جميع الجهات المحيطة بمدينة القدس حيث لا يسمح لأحد من الفلسطينيين وغيرهم من الدخول إليها أو الخروج منها إلا بتصاريح رسمية من سلطات الاحتلال الصهيونية.

خامساً : لقد سنّ العدو الصهيوني منذ احتلاله لشرقي القدس على إثر حرب عام 1967 قوانين خاصة بالقدس ووصل عددها إلى25 قانوناً؛ الهدف الاستراتيجي من هذه القوانين هو تهويد مدينة القدس وتهجير أهلها منها ليصل عدد سكانها العرب بعد عام 2010 إلى أقل من12% من عددهم الآن  بعد أن كان عددهم يصل إلى نحو300ألف نسمة، في المقابل يريد العدو الصهيوني أن يزيد عدد المغتصبين الصهاينة في هذه المدينة المقدسة ليصل إلى نحو مليون مغتصب خلال الخطة العشرية القادمة التي تنتهي بحلول عام 2010؛ ومن ثَمَّ فهو يكثّف مساعيه لتحقيق هذا الغرض في وقت قريب بفعل تلك القوانين والسياسات والإجراءات الصهيونية ضد سكان هذه المدينة المقدسة، ووتيرة إجراءاته لتحقيق ذلك متسارعة.

 

سادساً : يحاول العدو الصهيوني التضييق على المؤسسات الفلسطينية العاملة في مدينة القدس سواءً التعليمية منها والاجتماعية والاقتصادية والصحية ... إلخ ويفرض أتاوات وضرائب باهظة ومنع بناء مؤسسات جديدة ووضع عراقيل أمام ترميم المؤسسات القائمة، وقد حارب وجود أي مؤسسات سياسية للشعب الفلسطيني في تلك المدينة المقدسة كما حدث مع بيت الشرق الفلسطيني.

 

سابعاً : إن العدو الصهيوني يخطط حتى عام2010لإقامة مدينة القدس الكبرى التي تضم نحو600 كيلومتر مربع تقريباً حيث يريد العدو الصهيوني أن يضم أراضٍ فلسطينية كثيرة يتم مصادرتها تقدر بآلاف الدونمات؛ بالإضافة لتوسيع المغتصبات المقامة أو إقامة مغتصبات جديدة حول المدينة المقدسة، كما يريد أن يسكن في هذه "القدس الكبرى" ما لا يقل عن مليون مغتصب صهيوني الذين يأتي بهم من أنحاء متفرقة من العالم كما أشرت إلى ذلك آنفاً.

 

ثامناً: في إطار مخطط سلطات الاحتلال الصهيونية لتهويد مدينة القدس فقد ذكرت صحيفة هآرتس العبرية في عددها يوم الخميس 10/05/2007م أن لجنة التخطيط والبناء في بلدية الاحتلال في القدس قررت اعتماد خطة استعمارية جديدة تشتمل على إقامة وبناء ثلاثة أحياء سكنية في مدينة القدس للمغتصبين الصهاينة، وذكرت الصحيفة العبرية أن هذا القرار اتخذ قبل عشرة أيام وينص على ما يلي : ( تعلن اللجنة – يعنى لجنة التخطيط والبناء – عن نيتها المبادرة لإجراء تغيير في الخارطة الهيكلية اللوائية من أجل فتح المجال للبناء في مناطق أخرى من المدينة – يعنى القدس – فولغا (الولجا)، غفعات علونا، ومنطقة مطار عطروت) .

 

وقد ذكر المركز الفلسطيني للإعلام أن رئيس هذه اللجنة الصهيوني يهوشاع بولاك – وهو من أكبر وأكثر مشجعي الاستيطان في القدس – أعلن أن الهدف من هذا المخطط الجديد هو خلق ما أسماه تواصلاً جغرافياً بين القدس وبين المغتصبات الصهيونية جنوبي وشرقي مدينة القدس.
وهذه الخطة الاستعمارية الصهيونية الجديدة ستشمل إقامة أحياء سكنية للمغتصبين الصهاينة.

 

على النحو التالي

 

 
• الحي الأول : في منطقة فولغا – أي الولجا – التي تقع جنوب غرب القدس وهى من الأراضي الفلسطينية التي تم احتلالها على إثر حرب حزيران عام  1967، ويهدف بناء هذا الحي الاستعماري الجديد إلى بناء نحو عشرة آلاف وحدة سكنية جديدة وذلك لخلق ما يسمى تواصلاً جغرافياً بين مستعمرة جيلو الصهيونية الواقعة غرب مدينة بيت لحم والمناطق المجاورة ومستعمرات بيتار عيليت وبين مجمع المستعمرات في كفار عتصيون.
• الحي الثاني : في منطقة مطار عطروت شمال القدس لبناء عشرة آلاف وحدة سكنية جديدة أخرى وذلك لربطها بواسطة أنفاق بمستعمرات بيت إيل الصهيونية.
• الحي الثالث : حيث أوصت لجنة التخطيط والبناء الصهيونية في بلدية الاحتلال في القدس بتحويل المنطقة التي تقع بين مدينة أبو ديس والسور الشرقي للمسجد الأقصى المبارك إلى منطقة خاصة بالمغتصبين الصهاينة. وقالت مصادر صهيونية أنه يجرى التخطيط لبناء خمسمائة وحدة سكنية في هذه المنطقة.
ومن الجدير بالذكر أن هذه الأحياء السكنية الجديدة للمغتصبين الصهاينة تقع في أرض فلسطينية تمّ احتلالها والاستيلاء عليها على إثر حرب حزيران عام1967م، وهى تدخل ضمن ما يسمّيه العدو الصهيوني أملاك غائبين وتدّعي سلطات الاحتلال كذباً وزوراً أن بعض الأراضي التي ستقام عليها هذه الأحياء هي مملوكة لمستثمرين صهاينة وأمريكيين.
ومما يجدر ذكره أيضاَ أن متوسط عدد الصهاينة المقترح إسكانه في هذه الأحياء الثلاثة لا يقل عن مائة ألف مغتصب يهودي، في حين تعمل سلطات الاحتلال على تهجير أهلنا في القدس وترحيلهم خارجها قسراً وبوسائل شتى وبسنّ قوانين ظالمة وجائرة.
هذه المخاطر الرئيسة التي تتعرض لها مدينة القدس وهدفها الاستراتيجي هو تهويد هذه المدينة المقدسة وطرد أهلها منها وزرع مغتصبين صهاينة مكانهم.

 

 

القسم الثالث: الأخطار التي تتهدد المعالم والآثار الإسلامية في القدس

 

إن معالمنا وآثارنا الإسلامية في القدس بخاصة وفي فلسطين بعامة تتهددها مخاطر جمة بسبب العدوان الصهيوني المتواصل لطمس هذه المعالم والآثار بهدمها وتغييرها، ومن هذه المعالم والآثار التي تحدق بها الأخطار ما يلي:
أولاً: الحفريات في تلة باب المغاربة وحائط البراق: حيث شرع العدو الصهيوني في إزالة هذه التلة وهي أثر ومَعلم مهم في مدينة القدس له رمزية خاصة تكمن في أنها جزء لا يتجزأ من حي المغاربة الذي هو حي عربي إسلامي فلسطيني أقطعه صلاح الدين الأيوبي رحمه الله إلى المسلمين المغاربة الذين شاركوه في فتح وتحرير بيت المقدس، وتنقسم هذه الحفريات إلى مرحلتين هما:
المرحلة الأولى: الشروع في تجريف تلة باب المغاربة والطريق المقام عليه، حيث شرع العدو الصهيوني بهذا التجريف في الأسبوع الأول من شهر فبراير2007م  بالجرافات الكبيرة وبإشراف من علماء الآثار الصهاينة وبحماية من جنود وشرطة الاحتلال اليهودي وبتوجيه رسمي من القيادة السياسية الصهيونية ورئاسة بلدية سلطات الاحتلال في القدس.
ويأتي هذا العدوان اليهودي الآثم الجديد ليطال أثراً مهماً من آثار بيت المقدس والمسجد الأقصى المبارك، في الطريق المقام على التلة التي تؤدي إلى باب المغاربة الذي يقع في الجهة الغربية من سور المسجد الأقصى المبارك، وفي الجهة الجنوبية من حائط البراق الذي يطلق اليهود عليه كذباً "حائط المبكى".

 

من الجدير بالذكر أن هذه التلة هي من آثار حي المغاربة، وهو حي عربي إسلامي سكنه عدد كبير من المغاربة من بلاد المغرب العربي على مدار تاريخ الإسلام وأكثرهم جزائريون لذلك سمي هذا الحي بحي المغاربة، ثم استقر فيه بعد ذلك الفلسطينيون، لكن بعد استيلاء اليهود على شرقي مدينة القدس على إثر حرب 1967م عملوا جاهدين على الاستيلاء على هذا الحي وتغيير معالمه، وأقاموا فيه مبانٍ وحصوناً صهيونية على أنقاض منازل السكان الفلسطينيين والعرب الذين تم ترحيلهم وتهجيرهم والاستيلاء على بيوتهم وعقاراتهم، وأصبح هذا الحي يطلق عليه "الحي اليهودي" بعد أن تم تهويده وتغيير معالمه تماماً.

 

ومما يجدر ذكره أيضاً أن من أهداف العدو الصهيوني في عدوانه هذا على تلة باب المغاربة ما يلي:

 

1. البحث عن آثار صهيونية مزعومة تدلّ على هيكل سليمان الثالث المزعوم ـ كما صرّح بذلك كبير علماء الآثار الصهاينة وكما أشارت إلى ذلك الصحف العبرية _ وهذا يدلَ على أنَ اليهود لم يتمكنوا من العثور على أي أثر لذلك الهيكل المزعوم من خلال الأنفاق والحفريات التي قاموا بحفرها سابقاً.

 

2. توسيع حائط البراق باتجاه الجنوب ليضم أكبر عدد من اليهود أثناء أدائهم لطقوسهم المزعومة في هذا المكان الطاهر المبارك.

 

وأما أسباب اختيار اليهود لتجريف هذه الطريق وهذه التلة في هذا الوقت بالذات فتتمثل فيما يلي:
1. إمعانهم في تحدي الإرادة العربية والإسلامية والفلسطينية؛ حيث تشهد هذه المرحلة أخطر مرحلة من مراحل الضعف الفلسطيني والعربي والإسلامي في مواجهة هذا التحدي الصهيوني.
2. إضافة إلى أن اليهود يسيرون في أعمالهم هذه من خلال مخططات وضمن سياسات رسموها لأنفسهم للاستيلاء على المسجد الأقصى المبارك وتهويد ما حوله من عقارات، لعزله عن محيطه الفلسطيني

 


المرحلة الثانية: وهي المرحلة التي تهدف للقيام بحفريات وهدم وإزالة جديدة أسفل حائط البراق وفي طريق باب المغاربة بمدينة القدس، حيث شرعت سلطات الاحتلال الصهيونية يوم الخميس10/5/2007 في الإعلان عن مناقصة جديدة تشرف عليها "سلطة الآثار الصهيونية" تدعو فيها رجال الأعمال الصهاينة للتقدم لهذه المناقصة لتنفيذ أعمال مساعدة للحفريات الأثرية في حائط البراق وطريق باب المغاربة تشمل نقل أتربة مع مزاولة أعمال حفر وأعمال هندسية وتدعيم وإقامة جدران ونصب لافتات وفك أرصفة وإقامة شبكات مواسير وبنى تحتية متنوعة. وتنقسم هذه المرحلة إلى مرحلتين أيضاً هما:

الأولى: تشمل إزالة نحو ثلاثة عشر ألف كوب من الأتربة والحجارة التي ستهدم وتزال من تلة باب المغاربة وحائط البراق (أي ما يقارب اثنين وعشرين ألف طن).
وتشترط هذه المناقصة في المرحلة الأولى إحضار جرافات صغيرة الحجم تكون قادرة على الدخول أسفل حائط البراق بالإضافة إلى إحضار جرافة كبيرة وحفار لمواصلة الهدم أسفل السور الغربي للمسجد الأقصى المبارك من جهة حائط البراق، وستستمر هذه المرحلة نحو60 يوماً متواصلة.
المرحلة الثانية: من هذه المناقصة فهي غير واضحة وغير مفصلة وهي غامضة لم يتم شرحها تفصيلياً حيث تمت الكتابة بأعلى ورقة المناقصة في هذه المرحلة ما يلي: (تتم الأعمال في محيط البراق الذي يعتبر موقعاً أثرياً ومكاناً مقدساً).

 

وأشار الشيخ/رائد صلاح أن سلطة الآثار وبحماية الشرطة الصهيونية قامت يوم الثلاثاء الماضي8/5/2007 برفقة المقاولين المتقدمين للمناقصة بجولة في محيط حائط البراق في باب المغاربة، كما أشار الشيخ رائد صلاح أن المناقصة تشترط على من يريد المشاركة فيها ما يلي:
1. أن تكون لديه الخبرة والتجربة لتنفيذ أعمال الحفريات وإزالة بقايا البناء.
2. أن تكون ساعات العمل في الفترة المسائية وبالليل اعتباراً من الثالثة عصراً حتى الساعة السادسة والنصف من صباح اليوم التالي.
3. أن تكون ساحات العمل مرتبة ونظيفة لدخول السياح في اليوم التالي.
4. أن يكون الحصول على التراخيص اللازمة والتنسيقات العامة لتنفيذ هذه الأعمال على مسؤولية المقاول الذي يرسى عليه عطاء هذه المناقصة.

 

ثانياً: تجريف بناية المجلس الإسلامي الأعلى: ففي فجر يوم الأحد 22/4/2007 أوعزت سلطات الاحتلال الصهيوني إلى جرافاتها للشروع في هدم وتجريف بناية المجلس الإسلامي الأعلى بالقدس، وهو المجلس الذي تمْ بناؤه في عام 1929م بتوجيه من سماحة الشيخ أمين الحسيني رئيس الهيئة الإسلامية العليا في فلسطين– رحمه الله –وذلك على إثر أحداث ثورة البراق التي قام بها شعبنا الفلسطيني في عام 1928م لمنع اليهود من إقامة صلواتهم وشعائرهم في حائط البراق بجوار تلة باب المغاربة، ويقوم العدو الصهيوني بهذا الانتهاك ضد القدس والأقصى ممثلاً ببناية المجلس الإسلامي الأعلى بحجة ما يسميه هذا العدو جواراً وظلماً وعدواناً أملاك غائبين، علماً بأن هذا المجلس وبنايته هو أحد أوقاف المسلمين في مدينة القدس، وهذا الوقف هو ملك للمسلمين جميعاً ولا تسقط عنه صفة الوقفية بالتقادم ولا تحت أي ادّعاء صهيوني ظالم وكذلك قضية كل فلسطين لأنها أرض وقف لجميع المسلمين، ومما يجدر ذكره أن هذه البناية أقيمت على النمط المعماري الأندلسي وهي تقع على الخط الفاصل بين شقي القدس الشرقي والغربي.

 

ثالثاً: مكتبة الأنصاري: حيث تعد هذه المكتبة من الآثار الإسلامية ومن أقدم وأكبر وأهم المكتبات الثقافية العامة في القدس وهى تحتوى على أشهر المؤلفات والكتب العلمية والتاريخية والثقافية والأدبية كما تضم أشهر المجلدات والدوريات في مختلف أنواع المعرفة والآداب، ويستفيد منها آلاف الطلبة والأساتذة والتربويين من مختلف أنحاء فلسطين والعالم وكانت ملتقى للأدباء والشعراء قبل إقامة "جدار الضم والتوسع" العنصري وإغلاق مدينة القدس. 

 

     وتعتبر هذه المكتبة تاريخية حيث تم إنشاؤها قبل وجود الاحتلال اليهودي لفلسطين وللقدس عام 1948م .
    وهذه المكتبة مهددة اليوم من سلطات الاحتلال اليهودي في القدس بالإخلاء والهدم حتى نهاية عام 2007 حيث تسلم صاحبها السيد/فهمي الأنصاري كتاباً رسمياً من هذه السلطات بذلك بحجة أنها تعترض طريق سير القطارات المزمع إقامته.
وهذا يعد عدواناً صارخاً جديداً على شعبنا الفلسطيني وعلى إرثه الثقافي والأدبي والتاريخي.

 

رابعاً: مقبرة مأمن الله

 

تقع مقبرة "ماملا" أو مأمن الله "في غربى مدينة القدس وعلى بعد كيلو مترين من باب الخليل وتقدر مساحتها حوالي 2001 دونم، بينما قدرها المهندسون بتاريخ 16/4/1929م بحوالي ( 137 دونماً ) بعد استثناء بناية الأوقاف التي كانت مبنية على جزء من أرض وقفها واستثناء مقبرة الجباية التي يفصلها الشارع عن مقبرة مأمن الله. 

 

    وعندما سجلت المقبرة في سجلات دائرة الأراضي – الطابو بتاريخ 22/3/1938 سجلت مساحتها ( 134.650 دونم ) واستصدرت بها وثيقة تسجيل أراضي "كوشان طاب" ضمت أراضي الوقف الإسلامي. وقد أصبحت هذه المقبرة في وسط البنيان بسبب اتساع المدينة وازدياد عدد السكان، ولذلك حظر دفن الموتى فيها سنة 1927 بقرار من المجلس الإسلامي الذي كان يرأسه وقتها المفتى الحاج أمين الحسيني.
تأوي مقبرة "مأمن الله" رفات أكثر من سبعين ألفاً بين صحابي وتابعي وشهيد وعالم وزاهد منهم الصحابي الجليل "عبادة بن الصامت"، وتتعرض مقبرة مأمن الله لانتهاكات واعتداءات متكررة منذ الانتداب البريطاني وحتى اليوم. وفيما يلي أهم الانتهاكات التي تعرضت لها المقبرة من قبل الاحتلال الصهيوني منذ احتلالها سنة1948 وحتى اليوم:

 

1- سنة 1948م استولت دولة الاحتلال على المقبرة واعتبرتها ضمن الأملاك المحالة إلى ما أسمته حارس أملاك الغائبين.
2- سنة 1967م حولت حكومة الاحتلال جزءاً كبيراً من المقبرة إلى حديقة عامة دعيت "بحديقة الاستقلال" بعد أن جرفت القبور ونبشت العظام البشرية منها.
3- فيما بين عامي 1985م - 1987م دمرت سلطات الاحتلال عشرات القبور وبعثرت عظام الموتى بحجة تمديد شبكات مجارى، وتوسيع موقف السيارات.
4- في 15/11/2000م قامت شركة الكهرباء في دولة الاحتلال بأعمال حفريات في المقبرة ما تسبب في تناثر عظام الموتى بحجة تمديد أسلاك كهرباء في باطن الأرض.
5- استخدام جزء من المقبرة كمقر رئيس لوزارة التجارة والصناعة في دولة الاحتلال.
6-  في شهر أيلول 2002م أعلنت سلطات الاحتلال عن نيتها إقامة مبنى لمحاكمها في منطقة المقبرة.
7- وتتعرض المقبرة اليوم لعمليات التهويد المنظم عن طريق إقامة مشروع استيطاني يسمى بمركز الكرامة الإنساني "متحف التسامح" في مدينة القدس بمشاركة حاكم ولاية كاليفورنيا الأمريكية أرنولد شوارتزنيجر وقد شرعت بإقامة المتحف شركتا "فيزنطال سينتر" و"أس ديليوسى ميوزميم" على أرض المقبرة بموافقة سلطة التطوير في دولة الاحتلال. وقد طالت الحفريات التي تجريها دولة الاحتلال عدة قبور باستخدام حفارات عمودية حتى ظهرت عظام الموتى فيها.

 

8- كما أقامت دائرة أراضى دولة الاحتلال بتاريخ 25/5/2006م سياجاً حديدياً حول أجزاء كبيرة من مقبرة مأمن لله وأغلقت باب المقام ووضعت الدائرة لافتات على المقام باللغة العبرية كُتب عليها (دولة إسرائيل – دائرة أراضى إسرائيل – ممنوع الدخول إلى هذه المنطقة – والفاعل لذلك يصنعه على عاتقه ويتحمل مسؤوليته)، وهى عبارة تعنى منع الفلسطينيين من دخول المقبرة رغم حصول مؤسسة كرامة على قرار من محكمة القدس الشرعية بتاريخ 6/2/2006م يقضي بمنع الاستمرار في أعمال الحفر"، وفي 3/10/2006م أعطت المحكمة العليا في دولة الاحتلال مهلة شهرين للرد على اقتراحات القائمين على بناء "متحف التسامح" الذين اقترحوا نقل رفات الموتى إلى مكان آخر لاستكمال عمليات البناء مما يترك قضية المقبرة مفتوحة أمام كل الاحتمالات.

 

الواجب والمطلوب نحو القدس والأقصى والمقدسات
وفي الختام فالمطلوب من جميع الفلسطينيين والعرب والمسلمين والجهات الدولية واجبات متعددة تتمثل فيما يلي :

 

أولاً: على المستوى الفلسطيني:
1. على الشعب الفلسطيني أن يهب بانتفاضة جماهيرية عارمة جديدة ومسيرات حاشدة للتعبير عن سخطه واستنكاره لهذه الإجراءات ضد القدس والمسجد الأقصى المبارك وأهلنا المدافعين عنهما، وأن يكون شعبنا الصابر المرابط على مستوى الحدث وأن يتوحد في صف واحد, وتوجيه جميع الأسلحة باتجاه العدو الصهيوني ووقف الاحتراب بين أبناء المصير الواحد ومحاربة مثيري الفتن.
2. على القيادة الفلسطينية رئاسةً وحكومةً التحرك السريع والعاجل لدعم صمود أهلنا في مدينة القدس ورفع دعاوى للمنظمات الدولية ضد العدو الصهيوني كمجلس الأمن، ومنظمة العدل الدولية، ومنظمة اليونسكو، مع تكليف محامين مقتدرين لتبني رفع هذه الدعاوى والترافع بها أمام تلك الجهات الدولية.

 

3. على الفصائل والأحزاب الفلسطينية أن يفعّلوا دورهم ويتحركوا بسرعة قبل فوات الأوان لنجدة مقدساتنا وآثارنا في القدس وفي فلسطين والقيام بكل ما في وسعهم من وسائل المقاومة المقدسة والمشروعة لإجبار العدو الصهيوني على وقف اعتداءاته المتكررة على المسجد الأقصى المبارك وأهلنا ومقدساتنا في القدس وفلسطين.

 

4. على المجلس التشريعي أن يفعل دوره بالتحرك السريع والعاجل مع البرلمانات العربية والإسلامية والدولية ومطالبتها باستنكار جرائم الحرب لسلطات الاحتلال الصهيوني ضد القدس والمسجد الأقصى المبارك والمقدسات والآثار وتفعيل الإجراءات القضائية ضد هذا العدو لإجباره على وقف عدوانه، وأخص بالذكر مطالبة البرلمانات العربية والإسلامية بتشكيل لجنة خاصة بالقدس وفلسطين ضمن لجانها الدائمة لما تمثله هذه القضية من رمزية خاصة عند العرب والمسلمين.

 

ثانياً: على المستوى العربي والإسلامي:

 

1. على الجماهير العربية والإسلامية أن يدعموا صمود الشعب الفلسطيني في مواجهته للعدو الصهيوني ومخططاته من أجل الذود عن حياض المسجد الأقصى والدفاع عنه وحمايته بشتى وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، وتسيير المسيرات الجماهيرية الحاشدة في المدن العربية والإسلامية في جميع بقاع الأرض استنكاراً لهذه الهجمة الصهيونية الشرسة ضـد المسجد الأقصى المبارك.

 

2. ضرورة التقدم إلى المؤسسات الدولية وحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة مثل مجلس الأمن ومحكمة العدل الدولية ومنظمة اليونسكو بصفتها راعية لحماية الآثار في العالم من أجل اتخاذ قرارات حاسمة ضد العدو الصهيوني تلزمه بالحفاظ على المسجد الأقصى المبارك وعلى الآثار الإسلامية والمسيحية في القـدس.

 

3. على حكام العرب والمسلمين أن يكونوا على قدر المسئولية وأن يهبوا للدفاع عن المسجد الأقصى المبارك والضغط على العدو الصهيوني بشتى الوسائل وذلك من خلال :
‌أ- قطع العلاقات الدبلوماسية والتجارية وعدم إقامة علاقات جديدة معه وسحب السفراء.
‌ب- توفير الدعم المادي والمعنوي للشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال والعدوان الصهيوني على الآثار والمقدسات والحقوق الفلسطينية.
‌ج- تفعيل جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي لتقوم بتحريك الدول العربية والإسلامية وملوكها ورؤسائها وأمرائها لدراسة الوضع الخطير الذي يتهدد المسجد الأقصى المبارك وسبل الدفاع عنه.

 

‌د- تفعيل المقاطعة العربية والإسلامية للكيان الصهيوني في شتى المجالات.

 

ثالثاً: على المستوى الدولي:

 

1. على الأحرار من شعوب العالم دعم صمود شعبنا الفلسطيني في الدفاع عن مقدساته وآثاره ومعالمه الإسلامية والمسيحية وفي العمل على استرداد حقوقه المقدسة.
2. على حكومات العالم الضغط على العدو الصهيوني حتى يوقف عدوانه الظالم على القدس والمقدسات والشعب الفلسطيني.
3. على المنظمات الدولية التفاعل الإيجابي مع مطالب شعبنا العادلة واتخاذ القرارات اللازمة للجم العدو الصهيوني حتى يقلع عن ممارساته الغاشمة ضد شعبنا ومقدساته وآثاره.
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
 

                                                                          

* شكرٌ خاص للقائمين على المؤتمر الدوليّ لنصرة القدس الأول الذي انعقد في كلّ من القدس المحتلة وغزة وبيروت في الفترة 6-7 حزيران 2007م حيث قًدّم هذا البحث في الجلسة الرابعة من المؤتمر والذي تناول المحور الديني لقضيّة القدس.


 

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.


براءة درزي

كقدسٍ فيها مصباح..

الخميس 11 تشرين الأول 2018 - 8:41 ص

 صادفت يوم الثلاثاء الذكرى السنوية الثانية لاستشهاد أسد الأقصى مصباح أبو صبيح الذي نفّذ في 9/10/2016، عملية فدائيّة في حي الشيخ جراح، خاصرة المسجد الشمالية المستهدفة بالتهويد. العملية التي أدّت إلى مق… تتمة »