القدس في الإسلام

تاريخ الإضافة الأربعاء 29 تشرين الأول 2008 - 9:00 ص    عدد الزيارات 12043    التعليقات 0

        

      القدس في الإسلام

 

 

 

 


إعداد
سماحة الدكتور الشيخ تيسير رجب التميمي
قاضي قضاة فلسطين
رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي

 

بسم الله الرحمن الرحيم


المقدمة 

 

 

         القدس؛ كلمة تعني الطهارة والنزاهة والتشريف، فهذه المدينة قدسها الله تعالى وبارك فيها، دخلها رسوله صلى الله عليه وسلم، وفتحها عمر بن الخطاب، وحررها صلاح الدين، فهي مدينة لله ولرسول الله وللأمة التي توحد الله. يجب الدفاع عنها وبذل الأرواح والأموال للحفاظ عليها طاهرة مطهرة من الأعداء والدخلاء، ومبرأة محررة من براثن أي احتلال.
     القدس؛ هذه المدينة التي بناها اليبوسيون من العرب الكنعانيين؛ الذين كان من أشهر ملوكهم ملكي صادق ذو العلاقة الطيبة مع سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام – كما جاء في العهد القديم -  وهو ملك يبوسي موحد كان يعبد الله تعالى على الجبل الذي فيه المسجد الأقصى المبارك، وهذا دليل تاريخي قاطع على وجود المسجد قبل سيدنا إبراهيم عليه السلام، لا بل قبل ظهور اليهودية.
     إنها ليست مدينة عادية كسائر المدن؛ فهي صفوة بلاد الله يُسكنها خيرته من عباده، وهي أرض الخير ومستقر الإيمان في الفتن، وفيها حصن الإسلام وعموده، تبسُط عليها الملائكة أجنحتها وتحفها بالخير. وهي ساكنة قلوب المسلمين، ومهوى أفئدة المؤمنين، وقلب هذه الأرض المقدسة.
     فيها دفن كثير من الرسل والأنبياء، والصحابة الأجلاَّء، والصالحين والشهداء، منهم الصحابي الجليل عبادة بن الصامت والصحابي شداد بن أوس رضي الله عنهما، فكل شبر في أرضها يحكي ملحمة بطولة أو قصة فداء، وروي ثراها الطهور بدماء المجاهدين والأخيار من لدن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح وإلى يومنا هذا.
     القدس؛ هذه المدينة العزيزة الغالية على قلوب المسلمين، وعاصمتهم الروحية الثالثة بعد مكة المكرمة والمدينة المنورة، تتعرض اليوم لمذبحة حضارية تستهدف هويتها الثقافية ومعالمها العربية والإسلامية، وتنفذ فيها مؤامرة التهويد، وتحدق بمسجدها المبارك درة المقدسات مخاطر النسف والتقويض 

 

    فهل يمكن أن يرضى المسلمون باغتيالها أو استبدالها أو المساومة عليها؟  

 تتناول الصفحات التالية مكانة القدس في الدين الإسلامي، والموقف المنتظر من الأمتين العربية.


أرض النبوات المباركة :

 


          وصف الله تعالى القدس وفلسطين في القرآن الكريم بأنها أرض مباركة مقدسة في آيات عديدة :
1- قال تعالى عن سيدنا إبراهيم {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ} (1) ، ولا خلاف أن هجرة سيدنا إبراهيم الخليل من العراق كانت إلى فلسطين.
2- وفي قوله تعالى أيضاً {وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ} (2)، قال العلماء أن الريح كانت تجري إلى أرض الشام وبيت المقدس.
3- وفي قوله سبحانه عمن بنوا حضارة سبأ في اليمن {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ٱلْقُرَى ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً} (3)، عنى بالقرى التي بورك فيها بيت المقدس.
4- وعقب غرق فرعون قال عز وجل {وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} (4)، وهذه الأرض هي بلاد الشام وبيت المقدس.
5- وخاطب سيدنا موسى عليه السلام قومه قائلاً {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} (5)، والأرض المقدسة هي فلسطين التي رفض بنو إسرائيل أن  يدخلوها عصياناً لأمر نبيهم {قَالُواْ يَا مُوسَىۤ إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} (6)، فعاقبهم الله سبحانه بالتيه عنها فقال تعالى {قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي ٱلأَرْضِ} (7).
6- وقال الله تعالى {سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلبَصِيرُ} (8)، فالآية الكريمة تنص بصراحة على بركة بيت المقدس وأكناف بيت المقدس.

 

     ومن بركتها المعنوية ما اشتملت عليه من جوانب روحية ودينية، فهي مهد النبوات ومبعث الرسل الذين مشت خُطاهم على ثراها المبارك واتخذوا المسجد الأقصى المبارك قبلة لهم، فكل شبر فيها يحمل بصمات نبيّ وأصداء ملاك :

 

1- فبين أرجائها تنقل سيدنا إبراهيم وآله، وفي أرضها يرقد هو وبعض ذريته، قال تعالى {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَف ْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ} (9)، ومعلوم أن لوط سكن فلسطين.
2- وفي قراها ومدائنها واجه لوط  فحشاء قومه، فحذرهم وأنذرهم، فاستحقوا العذاب لإعراضهم وتماديهم، قال تعالى واصفاً مصيرهم {فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً من سِجيلٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسمِينَ * وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ} (10)، فمدينتهم على طريق معروفة وآثارهم مرئية للمارين، فمدائن لوط قرب البحر الميت.
3- وفي رحابها عاش آل زكريا وآل عمران أصفياء الله، قال تعالى {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} (11)، وولد لهم سيدنا يحيى عليه السلام، قال تعالى {فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـىٰ مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ} (12).
4- وفيها نشأت مريم الصِّدِّيقة عابدة في محراب بيت المقدس، قال تعالى {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إنًّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يشاء بِغَيْرِ حِسَابٍ} (13)، وبُشّرت بكلمة الله ورسوله المسيح عيسى عليه السلام، قال تعالى {إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ} (14).
5- وسيدنا موسى عليه السلام كليم الله سأل الله تعالى عند الموت أن يدنيه من هذه الأرض المقدسة رمية بحجر (15).
6- وهي إحدى المدن الثلاثة التي تشكل جزءاً عظيماً من أركان الأمة الإسلامية العقائدية والروحية، روت عائشة رضي الله عنها قوله صلى الله عليه وسلم {إن مكة بلد عظيم عظمه الله وعظم حرمته، وحفها بالملائكة قبل أن يخلق شيئاً من الأرض يومئذ كلها بألف عام، ووصلها بالمدينة ووصل المدينة ببيت المقدس ثم خلق الأرض بعد ألف عام خلقاً واحداً} (16)، وقال علي رضي الله عنه نعم المسكن بيت المقدس، القائم فيه كالمجاهد في سبيل الله، وليأتين على الناس زمان يقول أحدهم ليتني لبنة من لبنات بيت المقدس.

 

     وجاءت الإشارة إلى فلسطين ومدينة القدس تلميحاً في عدة مواضع من كتاب الله تعالى :

 

1- فقد أقسم الله بمنابتها قائلاً {وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ} (17)، قال المفسرون إن الزيتون هو جبل بيت المقدس ومسجدها.
2- وقال أبو هريرة : الزموا هذه الرملة من فلسطين فإنها الربوة التي قال الله تعالى فيها {وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} (18).
3- وقال ابن عباس في تفسير قوله تعالى {يَوْمَ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَالْتَمِسُواْ نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ} (19) السور سور بيت المقدس به باب الرحمة وخلفه وادي جهنم، وقوله هذا مرتبط بقوله صلى الله عليه وسلم {هي أرض المحشر والمنشر} (20).
4- وقال تعالى {وَٱسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ} (21)؛ ورد في كتب التفسير أن المنادي هو إسرافيل عليه السلام ينادي من صخرة بيت المقدس. فمدينة القدس بأسوارها ووديانها وصخورها نموذج مصغر للأرض التي سيجري عليها حساب البشر.
5- وفي قوله تعالى {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بالْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ} (22)، ورد أنها المساجد الأربعة المسجد الحرام ومسجد قباء والمسجد النبوي ومسجد بيت المقدس.
6- وفي قوله تعالى {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَّنَعَ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا}(23) قال كثير من المفسرين هو المسجد الأقصى المبارك.

 

     وهكذا استحقت هذه المدينة المباركة العزيزة الغالية أن تكون جنة الدنيا وجنة الآخرة، قال صلى الله عليه وسلم {من أراد أن ينظر إلى بقعة من الجنة فلينظر إلى بيت المقدس}، واعتبر صلى الله عليه وسلم الإحرام منها بعمرة تكفيراً لما تقدم من الذنوب؛ روت أم سلمة رضي الله عنها {من أهلّ بعمرة من بيت المقدس كانت له كفارة لما قبلها من الذنوب} فقالت أم حكيم رضي الله عنها فخرجْتُ من بيت المقدس بعمرة (24 ).

 

أرض الإسراء والمعراج:

 

          جاء الإعلان عن مكانة القدس في الإسلام بمعجزة الإسراء والمعراج قبل الإعلان عن بقية أركان الإسلام وتشريعاته، وظهر اهتمامه بها مع أولى مراحل الدعوة؛ يوم أن كان المسلمون قلة قليلة مستضعفة في مكة، لترسخ مكانتها في القلوب رسوخ عقيدة التوحيد.
     يؤكد هذا الحدث مكانة القدس في عقيدة المسلمين وعواطفهم كواحد من أهم معالم الإسلام. فالإسراء والمعراج من مكة إلى بيت المقدس ومنها إلى السماوات العلا رحلة الآيات البينات التي انكشفت فيها الحجب والأستار عنه صلى الله عليه وسلم، قال تعالى {مَا كَذَبّ الفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى} (25)، ورحلة هزت قلوب المشركين وأثارت حفيظتهم فأنكرتها عقولهم، لأنها خرقت العادات وخالفت سنن الطبيعة المألوفة، فكانت حدثاً عظيماً ومعجزة جديدة للرسول صلى الله عليه وسلم تضاف إلى معجزاته.

 

     اختارت الإرادة الإلهية أن يكون الإسراء بالرسول صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى وصلاً للحاضر بالماضي، وتقديرًا لمنزلة هذه البقعة المباركة التي عاشت عمرًا كبيرًا تنتشر منها الهداية، وتستقبل في رحابها النبوات، وظلت مهبط الوحي الإلهي ومَشرِق أنواره سنين عديدة، فلما عصى اليهود أمر ربهم، وخانوا العهود وتنكروا لوحي السماء وتطاولوا على الله وأسقطوا أحكامه وقتلوا أنبياءه وشوّهوا سيرتهم بالأباطيل حلت بهم لعنته؛ قال تعالى {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مَّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ ٱللَّهِ وَقَتْلِهِمُ ٱلأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} (26)؛ فتقرر تحويل النبوة والرسالة عنهم إلى ذرية سيدنا إسماعيل عليه السلام بعد أن استمرت وقفاً فيهم حيناً من الدهر، وتحولت القيادة الروحية منهم إلى خاتم الأنبياء والمرسلين. فقد جمعهم الله تعالى له فاستقبلوه وصلى بهم إمامًا، قال صلى الله عليه وسلم {ثم مضينا حتى أتينا بيت المقدس، فربطْتُ الدابة بالحلقة التي يربط بها الأنبياء، ثم دخَلْتُ المسجدَ فَنُشِرَتْ ليَ الأنبياء، من سمَّى الله عز وجل منهم ومن لم يُسَمِّ، فصلَّيْتُ بهم}

(27). 

 

     ولم يكن هذا جزافاً، بل كان بتدبير إلهي وحكمة ربانية، فهو إعلان عن انتقال القيادة الدينية للعالم من بني إسرائيل إلى أمة جديدة، ورسول جديد، وكتاب جديد : أمة عالمية ورسول عالمي وكتاب عالمي، قال تعالى {تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً} (28).
     فمثَّلّت الإمامة إقراراً بأن الإسلام كلمة الله الأخيرة إلى الإنسانية، أخذت تمامها على يد الرسول الخاتم بعد أن مهّد لها الرسل الأولون، قال تعالى {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّينَ} (29)، واستقر بها نسب المسجد الأقصى إلى الالتصاق بهذه الأمة. ومثلت إلغاء أبديّاً وطيّاً سرمديّاً لصفحة بني إسرائيل من التفضيل والاصطفاء.

 

     ثم كان بعد ذلك المعراج إلى السماوات العُلا، قال صلى الله عليه وسلم { أُتِيتُ بالبراق فركبته حتى أتيت بيت المقدس قال فربطته بالحلقة التي يربط به الأنبياء قال ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم خرجت فجاءني جبريل عليه السلام بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن فقال جبريل عليه السلام اخترت الفطرة؛ ثم عرج بنا إلى السماء} (30 ).

 

     يشكل حائط البراق – وهو وقف إسلامي - الجزء الجنوبي الغربي من جدار المسجد الأقصى المبارك وهو جزء لا يتجزأ منه، وسمي بهذا الاسم نسبة إلى الدابة التي ربطها الرسول صلى الله عليه وسلم به ليلة الإسراء والمعراج، قال صلى الله عليه وسلم {أُتِيتُ بالبراق فركبته حتى أَتَيْتُ بيتَ المقدس فربطته بالحَلَقَةِ التي يربط به الأنبياء ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين} (31). 

 

     ومن هنا فإن ادعاء اليهود بأنه حائط المبكى باطل لا أصل له، فعندما هب الفلسطينيون في ثورة البراق عام 1929 ضد قرار حكومة الانتداب البريطاني بإعطاء اليهود حقاً في حائط البراق؛ تشكلت لجنة دولية محايدة وأصدرت قرارها سنة 1930م بأنه وقف إسلامي وجزء من المسجد الأقصى المبارك، وملكيته للمسلمين فقط ولا حق لليهود فيه.

 

     لقد اعتبر الإسلام هذه المدينة بالإسراء جزءاً من منظومة متكاملة مترابطة من المقدسات، موصولة فيما بينها إلهياً : مكة المكرمة التي تضم البيت الحرام، والمدينة المنورة ومسجدها النبوي الشريف، وهذه المدينة المقدسة وفيها المسجد الأقصى المبارك والصخرة المشرفة. وكان المعراج منها إلى السماء تأكيداً نهائياً للعرى المقدسة التي تربط بين مكة والمدينة والقدس، وتربطها جميعاً بالسماء.

 

     ومضت إرادة الله سبحانه أن تعلن هذه الرحلة اكتمال ديانات التوحيد بهذه الرسالة الخاتمة، فقد اتخذت نفس مسار أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام في تردده بين مكة وفلسطين؛ حيث كان قد أسكن زوجه هاجر وابنها إسماعيل في مكة، وأسكن زوجه سارة وابنها إسحاق في فلسطين، وكان دائم التردد بينهما، فربطت بذلك بين عقائد التوحيد الكبرى؛ وربطت بين الأماكن المقدسة لتلك العقائد، وربطت المسجد الأقصى بالمسجد الحرام برباط وثيق وبقرار رباني من فوق سبع سماوات، وترسخت العلاقة العقائدية ببيت المقدس والمسجد الأقصى المبارك فوجب على المسلمين المحافظة عليه والدفاع عنه وحمايته من كل اعتداء؛ فالتفريط فيه تفريط بالمسجد الحرام والمسجد النبوي بل بالعقيدة ذاتها.

 

     فلو لم تكن القدس مقصودة في هذه الرحلة، لأمكن العروج من مكة إلى السماء مباشرة، ولكن المرور بهذه المحطة القدسية أمر مقصود، كما دل على ذلك القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة.
     فمن ثمرات رحلة الإسراء الربط بين مبتدأ الإسراء ومنتهاه، بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى المبارك، وهذا الربط له إيحاؤه وتأثيره في وعي الإنسان المسلم وضميره ووجدانه، بحيث لا تنفصل قدسية أحد المسجدين عن قدسية الآخر، فمن فرَّط في أحدهما أوشك أن يفرط في الآخر.

 

أولى القبلتين:

 

 

          من أثمن ثمار رحلة المعراج أن فرض الله تعالى ركن الإسلام وعموده على المسلمين، خمس صلوات في اليوم والليلة رضي بها رسول الله وخفف بها عن عباد الله؛ لكنها عدلت خمسين في ميزان الله؛ فالحسنة بعشر أمثالها، وتعزز الصلة القوية بين العبد وربه، وتعزز مكانة القدس لدى المسلمين باعتبارها القبلة الأولى للمسلمين.

 

     استمر صلى الله عليه وسلم وصحبه نحو ستة عشر شهراً يتجهون إلى بيت المقدس في صلاتهم؛ منذ فرضت ليلة الإسراء والمعراج، حتى جاء الأمر بتحويلها إلى البيت الحرام بقوله تعالى {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} (32).

 

     فقد كان صلى الله عليه وسلم في مكة يصلي بين الركنين، فيجعل الكعبة بين يديه ويستقبل صخرة بيت المقدس، فلما هاجر إلى المدينة تعذر عليه الجمع بينهما، وكان دائم الدعاء والابتهال إلى ربه أن تكون وِجهته إلى الكعبة قبلة إبراهيم عليه السلام، فأجيب دعاؤه فخطب الناس وأعلمهم بذلك، روى البراء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم {صلى قِبَلَ بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً وكان يعجبه أن تكون قبلته قِبَلَ البيت وأنه صلى أولَ صلاةٍ صلاها صلاةُ العصر} وصلى معه قوم فخرج رجل ممن صلى معه فمر على أهل مسجد وهم راكعون فقال أشهد بالله لقد صليت مع الرسول صلى الله عليه وسلم قِبَلَ مكة، فداروا كما هم قِبَلَ البيت (33).

 

     وفي المدينة مَعْلَمٌ أثري بارز يؤكد هذا الحدث هو مسجد القبلتين، الذي صلى فيه المسلمون صلاة واحدة بعضها إلى القدس وبعضها إلى مكة. ولا يزال قائمًا إلى اليوم تقام فيه الصلاة.
     كانت القدس وما تزال أولى القبلتين، لا يفارق هذا الوصف وعي أي مسلم حتى اليوم، فنقل القبلة منها إلى الكعبة في عصر النبوة لم يغيّر مكانتها في منظومة المقدسات الإسلامية وإن كان أعطى مكة أفضليّة نسبية.

 

 

 

فيها ثاني المسجدين وثالث الحرمين:

 

          مدينة القدس هي ثالث المدن المعظمة في منظومة المقدسات الإسلامية. فالأولى مكة المكرمة التي شرفها الله بالكعبة والمسجد الحرام. والثانية المدينة المنورة التي شرفها الله بالمسجد النبوي الشريف، وضمت قبر الرسول صلى الله عليه وسلم. أما القدس فشرفها الله بالمسجد الأقصى المبارك.
     وفي مساجدها قال صلى الله عليه وسلم {لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا} (34).
     فكل المساجد متساوية في مثوبة من صلى فيها، لكن لا يجوز للمسلم أن يتحمل وعثاء السفر ويعزم على الارتحال بهدف الصلاة والتعبد في أي مسجد سوى هذه الثلاثة، فقد جاء الحديث بصيغة الحصر.

 

     وجاءت الأحاديث النبوية تؤكد ما قرره القرآن الكريم من مباركته، فذكرت أن الصلاة فيه تفضُلُ الصلاة فيما سواه من المساجد غير المسجد الحرام والمسجد النبوي، قال صلى الله عليه وسلم {صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات فيه ولنعم المصلى هو} (35). وقال أيضاً {صلاة الرجل في بيته بصلاة وصلاته في مسجد القبائل بخمس وعشرين صلاة وصلاته في المسجد الذي يجمع فيه بخمس مائة صلاة وصلاته في المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة وصلاته في مسجدي بخمسين ألف صلاة وصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة} (36).

 

     وهو أيضاً ثاني مسجد بُني على وجه الأرض؛ فقد سأل أبو ذر رضي الله عنه الرسول صلى الله عليه وسلم أي مسجد وُضع على الأرض أولاً؟ قال {المسجد الحرام} قلت ثم أي؟ قال {المسجد الأقصى} قلت كم بينهما؟ قال {أربعون سنة ...} (37).

 

     والإسلام إنما أراد بذلك أن يقرر مبدأ هاماً من مبادئه وهو أن الرسالة في أصلها واحدة، لا يكتمل إيمان المؤمن إلاَّ بتصديقها جميعاً، فالإسلام جاء ليبني لا ليهدم، وليتمم لا ليحطم، فالقدس كانت أرض النبوات، والمسلمون أولى الناس بأنبياء الله ورسله، قال تعالى {إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِيُّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلْمُؤْمِنِينَ} (38).

 

 

القدس في آخر الزمان

 

          وفي الاعتقاد الإسلامي ستكون القدس أرض ومسرح التاريخ المنتظر الذي ستنتهي في إثره الحياة الدنيا، حيث يبدأ بسيطرة الكفر وانتصاره وانتشاره في آخر الزمان، فتكون القدس يومها ملاذاً للناس وعصمة لمن سكنها؛ مؤمناً ملتزماً بما عليه من حقوق واستحقاقات :

 

1- ففيها ستكون خلافة المهدي ومستقره، قال صلى الله عليه وسلم بعد حديثه عن الدجال{فترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات...} قيل يا رسول الله فأين العرب يومئذ؟ قال {هم يومئذ قليل وجُلُّهم ببيت المقدس، وإمامهم المهدي رجل صالح منا أهل البيت} (39)

 

2- وفيها ينزل سيدنا عيسى عليه السلام ويصلي بإمامة المهدي، فيتبعه المسلمون المؤمنون لزوماً، فإذا ما خرج الدجال على الناس في فتنته الكبرى وشايعه اليهود وغيرهم يحرّمها الله عليه فلا يدخل مسجدها، قال صلى الله عليه وسلم في ذلك {وإنه سيظهر على الأرض كلها إلا الحرم وبيت المقدس، وأنه يحصر المؤمنين في بيت المقدس فيزلزلون زلزالاً شديداً ...} (40).

 

3- وفيها تكون نهاية هذا الدجال على يد سيدنا عيسى عليه السلام كما أخبرنا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم {إنه يخرج في يهودية أصفهان حتى يأتي المدينة... فيخرج إليه شرار أهلها حتى يأتي فلسطين بباب لُدٍّ فينزل عيسى عليه السلام فيقتله} (41)، وينهي طغيانه وعجرفته وفساده، ويملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً.

 

     أما نهاية من شايعه من اليهود فتكون على أيدي المسلمين، يتوارَوْن وراء الشجر والحجر فينطق كلٌّ منهما دالاً على أعدائهم بلسان الحال أو المقال، قال صلى الله عليه وسلم {قال لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر أو الشجر يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله إلاَّ الغرقد فإنه من شجر اليهود} (42).

 

4- وفيها سيكون الإفساد الثاني لبني إسرائيل، قال تعالى {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا}(43) أجمع المفسرون أن المسجد المقصود هو المسجد الأقصى المبارك؛ حيث يكونون قد أتوا من كل بقاع الأرض ليواجهوا مصيرهم بالانهيار والدمار؛ مصداقاً لقوله تعالى {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا} (44).

 

5- وفيها تكون نهاية أعظم الأمم إفساداً في الأرض؛ حيث يخرجون على الناس ويسيرون حتى ينتهوا إلى جبل بيت المقدس ويخرّبون ثروات الأرض ويشربون ماءها ويكونون مصدر تهديد حتى إن سيدنا عيسى والمسلمون معه لَيَتَحَصَّنُون منهم فيتضرعون إلى الله بالدعاء فتهلك يأجوج ومأجوج (45).

 

6- وهي أرض المحشر والمنشر، فقد قالت ميمونة بنت سعد رضي الله عنها : يا نبي الله أفتنا في بيت المقدس، فقال {أرض المنشر والمحشر إيتوه فصلوا فيه فإن صلاة فيه خير من ألف صلاة فيما سواه قالت : أرأيت من لم يطق أن يتحمّل إليه أو يأتيه؟ قال : فليهدِ إليه زيتاً؛ فإن من أهدى له كان كمن صلى فيه} (46).

 

 

أرض الرباط والجهاد

 

          والقدس أرض رباطٍ وجهادٍ إلى يوم القيامة، قال صلى الله عليه وسلم {يا معاذ إن الله سيفتح عليكم الشام من بعدي من العريش إلى الفرات رجالهم ونساؤهم وإماؤهم مرابطون إلى يوم القيامة فمن اتخذ ساحلاً من سواحل الشام أو ببيت المقدس فهو في جهاد إلى يوم القيامة}.
     ولئن كانت مكة أم القرى وبداية علاقة الإنسان بالأرض، فالقدس بوابة السماء ونهاية علاقة الإنسان بالأرض: فمنها رفع سيدنا المسيح عيسى عليه السلام إلى السماء، قال تعالى {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا} (47). ومنها عُرج بمحمد صلى الله عليه وسلم إلى السماء، قال تعالى {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى} (48)

 

 
     أما اليهود فحقيقة علاقتهم بالقدس أساسها السياسة وليس القداسة، فلم يكن لها مكانة مميزة في اهتماماتهم قبل قيام دولتهم، بدليل نصوص التوراة التي تكذب كل الادعاءات حول وجودهم التاريخي فيها؛ والتي تثبت عروبتها قبل أن يسجل القرآن الكريم عصيانهم وتقاعسهم عن دخولها في عهد سيدنا موسى عليه السلام، قال تعالى {قَالُواْ يَا مُوسَىۤ إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا فاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} (49)، فحرمها عليهم وعاقبهم بالتيه عنها، قال تعالى {قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي ٱلأَرْضِ} (50).

 

     وفيها الطائفة المنصورة، التي بشر بها صلى الله عليه وسلم بقوله {لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين لعدوهم قاهرين لا يضرهم من خالفهم إلاَّ ما أصابهم من لأواء حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك "قالوا يا رسول الله وأين هم ؟ قال" ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس} (51).
     وقد أعلم الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بأن هذه الأرض المقدسة سيحتلها الأعداء، أو يهددونها بالغزو والاحتلال، ولهذا حرض أمته على الرباط فيها، والجهاد للدفاع عنها حتى لا تسقط في أيدي الأعداء، ولتحريرها إذا قدر لها أن تسقط في أيديهم. وستظل القدس وفلسطين أرض رباط وجهاد إلى يوم القيامة، قال صلى الله عليه وسلم {يا معاذ إن الله سيفتح عليكم الشام من بعدي من العريش إلى الفرات رجالهم ونساؤهم وإماؤهم مرابطون إلى يوم القيامة فمن اتخذ ساحلاً من سواحل الشام أو ببيت المقدس فهو في جهاد إلى يوم القيامة}.

 

 

القدس في التاريخ الإسلامي

 

          ربط الله تعالى بين المسجد الأقصى المبارك وبين المسجد الحرام ربطاً عقائدياً مصيرياً؛ فيه لفت نظر للمسلمين أن ضياع أحدهما ضياع للآخر، بل ضياع لمقدسات الإسلام جميعها، فارتبطت هذه المدينة المقدسة بالإسلام، وارتبط المسلمون بالقدس أكثر مما ارتبطوا بأية مدينة أخرى بعد مكة والمدينة، ذلك أنها تتمتع بمركز روحي وتوحيدي للأمة كلها؛ وتتبوأ مكانة خاصة في عقيدتهم وفي تاريخهم وتراثهم.
     أولاها الخلفاء والقادة بالرعاية والحراسة، ومن بعدهم المسلمون بالتقديس والتكريم، فاستقرت في قلوبهم وضمائرهم، فرووها بدمائهم، وسيَّجُوها بأرواحهم، فما تعرضت مدينة القدس أو مسجدها الأقصى المبارك يوماً إلى غزو أو احتلال أو مساس إلاَّ وهبت الأمة لتحريرها ورد العدوان عنها، فكانت من أبرز عوامل توحيد الأمة.

 

     حفظ الله سبحانه وتعالى مدينة القدس وأرضها المباركة من كل الغزاة والمحتلين على مر التاريخ، وسيقيض لها من أهلها المرابطين من يحميها ويحررها من جديد، فأهمية هذه المدينة وقدسيتها والمكانة العقائدية للمسجد الأقصى المبارك لدى المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها جعلتها مطمعاً للغزاة، ويمثل الاحتلال "الإسرائيلي" لها ولأرض فلسطين أبشع صور غزوها على مر التاريخ، فهو يدنس المقدسات وينتهك الحرمات، ويشدد الإجراءات بمنع المصلين من دخول مدينتهم المقدسة والصلاة في مسجدهم الأقصى المبارك؛ في الوقت الذي يسمح فيه لغلاة المستوطنين والجماعات اليهودية المتطرفة بدخوله وتدنيسه، ويحيك المؤامرات بالليل والنهار ويرسم المخططات ويفرضها لتصبح أمراً واقعاً، ويواصل الحفريات لتقويض بنيان المسجد وهدمه بهدف إقامة الهيكل المزعوم على أنقاضه، ويعمل على عزل المدينة المقدسة عن محيطها الفلسطيني والعربي والإسلامي بالجدار العنصري الفاصل، وبحزام من المغتصبات يحيط بها لتكون قراه المحصنة، فصدق فيهم قول الله تعالى {لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلاَّ فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ} (52).

 

     فعلى مر التاريخ علم المسلمون ما تمثله مدينة القدس المباركة في عقيدتهم، فتعلقت بها قلوبهم وحرسوها وكرّموها، وهبُّوا للدفاع عنها كلما تعرضت للغزو أو الاحتلال، واعتبروا التخلي عنها تفريطاً في العقيدة لا يمكن أن يصبروا عليه لأنه طعنٌ لهم في عزتهم وكرامتهم ومظهرٌ لهوانهم. وقد شهد القرن الماضي في بدايته ثورة البراق سنة 1929م أول ثورة ضد اليهود من أجل المسجد الأقصى المبارك، وشهد مطلع القرن الحالي في بدايته كذلك انتفاضة عام 2000م الثورة المتواصلة ضدهم من أجل المسجد الأقصى المبارك. 

 

     كان حديث القرآن الكريم عن المسجد الأقصى المبارك وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم عن فضل الصلاة فيه؛ من المبشرات بأن القدس سيفتحها الإسلام وستكون للمسلمين، وهذا ما كان؛ ففتحت القدس في العام الخامس عشر للهجرة. 
     والبداية كانت بالفتح العمري الذي كرّس إسلاميتها، ورسّخ طابعها الإسلامي العميق، فقد فتحت دون أن تراق فيها قطرة دم، واشترط بطرقها الأكبر أن يسلم مفاتيح المدينة للخليفة نفسه، فخرج عمر من المدينة إلى القدس في رحلة تاريخية مثيرة، وتسلم مفاتيحها دون سائر المدن المفتوحة، وعقد مع أهلها اتفاقية الأمن والسلام "العهدة العمرية" التي تمثل أساساً للعلاقات بين المسلمين والمسيحيين في هذه الأرض المباركة ويسيرون على هداها حتى اليوم، أمنهم فيها على معابدهم وعقائدهم وشعائرهم وأنفسهم وأموالهم، وتعهد لهم بعد إصرارهم ألاَّ يساكنهم فيها أحد من اليهود، وشهد على وثيقتها عدد من الصحابة. وأقام فيها مسجداً حيث لم يكن فيها معبد ولا كنيس ولا هيكل؛ إذ لو وجد من ذلك شيئاً لحافظ عليه كما حافظ على كنيسة القيامة.

 

     وعقب قرون من الاستقرار في ظل دولة السلام والإسلام شهدت مدينة القدس أياماً عصيبة باحتلال الفرنجة قاربت قرناً من الزمان، عانى المسلمون فيها المرارة والبلاء والألم، فتولَّد لديهم الأمل والتلهف لاسترجاعها والجهاد من أجلها، إضافة إلى التعلق الروحي بها، فتحولت هذه المدينة ذات الحرمة الإسلامية البالغة بعد احتلالها إلى رمز الجهاد والتحرير.

 

     نزح مسلمو القدس والمدن الشامية الأخرى الساحلية مع من نزحوا عن بلادهم تحت ضغط المذابح التي ارتكبها الفرنجة؛ واستقبلهم نور الدين في دمشق وقرّب علماءهم، فثابروا على مساندة الجهاد وشاركوا في جيش نور الدين ومن بعده صلاح الدين، الذي حررها من الفرنجة في ذكرى الإسراء والمعراج عام 583 للهجرة بعد موقعة حطين، بعد أن ذبح المحتلون أكثر من سبعين ألف مسلم في ساحات المسجد الأقصى المبارك، أما هو فلمّا تمكّن وانتصر عليهم استحضر قول الله تعالى {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ} (53) فلم ينتقم؛ بل خيّرهم بين العودة من حيث أتوا أو البقاء في ظل رعاية الإسلام وسماحته؛ وهذا يثبت أن المسلمين على مر الأيام هم المؤهلون للسيادة على الأرض وحماية الإنسان والمقدسات.

 

     وفي رمضان عام 658 للهجرة كانت معركة عين جالوت بقيادة المظفر قطز شاهداً آخر على قيام الأمة بفريضة تحرير بيت المقدس وتخليصها من براثن الأعداء، فقد تصدى كل من الظاهر بيبرس والمظفر قطز للغزو الوحشي التتري الذي اجتاح العالم الإسلامي إلى أن انهزموا شر هزيمة، حتى حررت نهائياً على يد الأشرف خليل بن قلاوون.

 

     ولنا أن نستذكر قصة منبر صلاح الدين في استنهاض وحدة الأمة لإنقاذ القدس من احتلال الفرنجة، فقد أمر نور الدين زنكي ببناء المنبر لوضعه في المسجد الأقصى المبارك يوم تحريره، فلما تم إنجازه بعد وفاة نور الدين حمله صلاح الدين وطاف به البلاد الإسلامية لجمع كلمتها وتوحيد صفها، وهذا ما كان؛ فقد تحررت القدس واكتملت فرحة الأمة بتطهير المسجد واسترداده من براثن الاحتلال، ووضع المنبر في مكانه وألقيت من عليه خطبة الجمعة.     

 

     فالقدس إذن هي دار السلام ما دامت داراً للإسلام، كانت في التاريخ الإسلامي مركز تعايش بين أتباع الأديان السماوية، لكنها نُكِبَت منذ الفتح الإسلامي - الذي لم يَرْتَقِ أيٌّ من غزاة المدينة وفاتحوها إلى مستوى عدالته وتسامحه - بكارثتين في تاريخها هما من لحظات الخطيئة الكبرى في التاريخ، كارثة احتلال الفرنجة التي اندثرت، ونكبة الاحتلال الصهيونية التي ستندثر.

 

     ولم يتمكن الفرنجة قديماً أو الصهاينة حديثاً من إثبات وجودهم في القدس وفلسطين إلاّ بالعمل على تدمير الوجود الإسلامي فيها، وتغيير تراثها الفكري في محاولة فاشلة لتنصيرها أو تهويدها، بينما تميَّزت الرؤية الإسلامية للقدس عقائدياً وتاريخياً بأنها رؤية تسامح وتعايش وسلام بين الجميع، فهل هدم المسلمون كنيسة أو كنيساً، أو حاولوا أَسْلَمَتَه! 

 

     بل ظلت القدس المباركة تفيض بالتعايش السلمي المثمر الذي رعاه الإسلام، من خلال قبول التعددية الثقافية واللغوية والدينية. فبينما حرّم الفرنجة على المسلمين دخول القدس أو ممارسة شعائرهم التعبدية فيها، وصادروا الأماكن الإسلامية المقدسة، وبالأخص المسجد الأقصى المبارك وقبة الصخرة المشرفة، وبينما حاول الصهاينة بعد احتلال القدس عام 1967م تهويدها المنهجي بكل الوسائل الممكنة، فإن العرب المسلمين قد تركوا بيت المقدس حرّاً ومفتوحاً أمام المسيحيين واليهود على حدٍّ سواء، بل تولوا حماية مقدساتهم فيها.

 

 

 


الخاتمة

 

       للقدس المباركة مكانة دينية مرموقة في ضمير الأمة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها. فلا غَرْوَ أن يلتزم جميع المسلمين بوجوب الدفاع عن القدس والغيرة عليها، والذود عن حماها، وبذل النفس والنفيس في سبيل حمايتها ورد المعتدين عليها، لعلمهم أن هذه الأرض لن يعمر فيها ظالم.
     ورغم الخلافات الظاهرة حالياً فيما بين العرب والمسلمين والفلسطينيين على كثير من القضايا، إلاّ أنهم لم يختلفوا حول عروبة القدس وإسلاميتها، ووجوب مقاومة المحاولات الصهيونية المستميتة للهيمنة عليها وتهويدها وتغيير معالمها. فقد عرفت الأمة الإسلامية وعرف قادتها مكانة مدينة القدس وقدسية المسجد الأقصى المبارك، فلم يفرطوا يوماً فيها ولم يتنازلوا عنها على مر التاريخ الإسلامي. وعلمت الأمة أن المدينة المقدسة والمسجد الأقصى المبارك أمانة في أعناق جميع المسلمين حكاماً وشعوباً إلى يوم القيامة؛ تقتضي الحذر من محاولة الاحتلال تدنيس قدسيته وانتهاك حرمته. وعلم أهل هذه الأرض المباركة على وجه الخصوص أن عليهم واجبات ومسؤوليات عظيمة تجاه هذه المدينة المقدسة لا يجوز التقاعس عنها، فالتفريط فيها تصفية للتاريخ الإسلامي واغتيال لكل البطولات الرائعة التي سجلها المسلمون؛ قادة وجنداً في صفحات المجد من لدن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يومنا هذا، فحماية المسجد الحرام تبدأ بحماية المسجد الأقصى، والتفريط بالمسجد الحرام يبدأ بالتفريط بالمسجد الأقصى. وعلم المسلمون جميعاً أنها ليست للفلسطينيين، إنما هي للمسلمين كل المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، يحافظون عليها لأنها جزء من عقيدتهم.

 

     فالمسجد الأقصى المبارك درة المساجد والمقدسات في فلسطين؛ وهو ليس مجرد بيت من بيوت الله كغيره من المساجد؛ وليس فقط مكاناً لأداء شعائر العبادة، فالصلاة ممكنة في كل مكان لقوله صلى الله عليه وسلم {وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلِّ} (54)، بل هو المكان الذي ربطه الله عز وجل بالمسجد الحرام، فزيارة القدس وشد الرحال إليها تأكيد على هويتها العربية والإسلامية التزام بالتوجيه النبوي واستجابة للأمر المستوحى منه.

 

     واليوم يتعرض المسجد الأسير لأخطار حقيقية داهمة؛ ويدنس يومياً ممن لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة، ولا يراعون حرمة لدين أو تشريع أو قانون، على مرأى ومسمع من الأمة التي أصابها الوهن فلا تحرك ساكناً، فازداد المعتدي الغاشم تمادياً في جرائمه ضد المسجد الأقصى المبارك وأرض الإسراء والمعراج وأهلها الحاسرين؛ الذين لا يجدون إلاَّ الثبات والصبر والمرابطة في أرضهم؛ نيابة عمن تخلّوْا عن واجبهم ومسؤوليتهم نحوها. فمن لك يا أرض الإسراء؟ ومن لك يا قدس ومن لأهلك؟ هل سيأتيك الفاروق عمر من وراء الغيب؟ أم سيُبْعَثُ صلاح الدين من جديد؟

 

الحواشي والهوامش

 

1   الأنبياء 71 .
 2 الأنبياء 81 .
 3  سبأ 18 .
 4  الأعراف 137 .
 5 المائدة 21 .
 6  المائدة 24 .
 7  المائدة 26 .
 8  الإسراء 1 .
 9  هود 70 .
 10  الحجر74-76 .
 11  آل عمران 33 .
 12  آل عمران39 .
 13  آل عمران 37 .
 14  آل عمران 45 .
 15  رواه البخاري .
 16  فضائل القدس لابن الجوزي .
 17 التين 1
 18  المؤمنون 50 .
 19  الحديد 13 .
 20  رواه أحمد .
 21  ق 41 .
 22  النور 36 .
 23  البقرة 114 .
 24  رواه ابن ماجه .
 25  النجم 11-12 .
 26  النساء 155 .
 27  رواه الحاكم .
 28  الفرقان 1 .
 29  الأحزاب 40 .
 30  رواه مسلم .
 31  رواه مسلم .
 32  البقرة 144 .
 33  رواه البخاري .
 34  رواه البخاري .
 35  صححه الحاكم ووافقه الذهبي .
 36  رواه ابن ماجه .
 37  رواه البخاري .
 38  آل عمران 68 .
 39  رواه ابن ماجه .
 40  رواه أحمد .
 41  رواه أحمد .
 42  رواه مسلم .
 43  الإسراء 7 .
 44  الإسراء 6 .
 45  رواه مسلم .
 46  رواه أحمد .
 47  آل عمران 55 .
 48  النجم 8-15 .
 49  المائدة 24 .
 50  المائدة 26 .
 51  رواه أحمد .
 52  الحشر 14 .
 53  النحل 126 .
 54  رواه البخاري .

                                                                      

* شكرٌ خاص للقائمين على المؤتمر الدوليّ لنصرة القدس الأول الذي انعقد في كلّ من القدس المحتلة وغزة وبيروت في الفترة 6-7 حزيران 2007م حيث قًدّم هذا البحث في الجلسة الرابعة من المؤتمر والذي تناول المحور الديني لقضيّة القدس.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.