كيف نتضامن مع الصّامدين في وادي الحمص؟

تاريخ الإضافة السبت 27 تموز 2019 - 6:39 م    عدد الزيارات 833    التعليقات 0     القسم مقالات

        


براءة درزي

باحثة في مؤسسة القدس الدولية

"الاحتلال يهدف إلى تهجيرنا، وإن هدموا بيتًا سنبني اثنين، وفي المكان ذاته"، هذا ما قاله محمد أبو طير، صاحب أحد المباني التي دمرها الاحتلال مطلع الأسبوع في وادي الحمص بصور باهر، جنوب شرق القدس المحتلة. ويوم أمس، أدّى أهالي الحي صلاة الجمعة على ركام منازلهم، ونظموا مسيرة في الحي بعد أداء الصلاة. هذه الصورة من الحي الذي شهد مجزرة الهدم تقول الكثير عن إرادة الصمود ومقاومة الاحتلال، وتضع الجميع أمام مسؤولياتهم في التضامن الفعلي مع أهل الحيّ، من دون الاستغراق في مواقف الشجب والإدانة والرفض.

من المهم أن تكون "صلاة التضامن" مع أهالي وادي الحمص صلاة حقيقة، فعلاً لا قولاً، وقد لا يستوجب التضامن معهم النزول إلى الحي والصلاة فيه، بل على كل جهة أن تتخذ من الخطوات ما يتناسب مع دورها، وإمكانياتها، ومجالات التحرك المفتوحة أمامها. فالسلطة الفلسطينية لا يكفي منها التضامن أن تؤمن للعائلات التي شردها الاحتلال مكانًا للمبيت والسكن، وحتمًا لا يعد من باب التضامن الجدي أن تشجب السلطة وتستنكر الجريمة التي طالتها في عقر دارها، أي في المنطقة المصنفة (أ) وفق اتفاق أوسلو. لكن ما يمكن أن يكون جديًا هو إنهاء التّنسيق الأمني مع الاحتلال، وتفعيل الذهاب إلى محكمة العدل الدولية.

ويشار هنا إلى أنّ السلطة قالت إنها ستوقف العمل بالاتفاقيات الموقعة مع دولة الاحتلال، لكن هذا الأمر كان محل استخفاف من الجانب الإسرائيلي عبرت عنه الصحافة الإسرائيلية. فوفق أليؤر ليفي، المراسل الصحفي في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، فإنّ إعلان الرئيس الفلسطيني محمود عباس عن تعليق العمل بالاتفاقيات مع كيان الاحتلال كافة ليس الأول من نوعه، إذ اتّخذت السلطة الفلسطينية قرارات مشابهة في الأعوام الماضية، لكن جميعها ما زالت على الورق ولم تنفذ. ونقل ليفي عن مسؤولين فلسطينيين تقديراتهم أن هذه المرة ستكون مشابهة للمرات السابقة، وأنه لن يكون ثمّة أي تغيير حقيقي في العلاقة بين السلطة الفلسطينية ودولة الاحتلال. وفي السياق ذاته، قال المحلل الإسرائيلي بموقع "والا" أمير بوخبوط حول تهديدات السلطة: "وفقًا لتقييمي، نتحدث مرة أخرى عن تهديدات غير مجدية لإلغاء التنسيق الأمني. فثمة مصالح مشتركة بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل". وبحسب الدكتور وليد عبد الحي، فإنّ السلطة الفلسطينية أعلنت 58 مرة، آخرها بقرار من المجلس المركزي، عن وقف التنسيق الأمني مع الاحتلال، لكنّ التنسيق لم يتوقف بل زاد نطاقه.

وما يعنيه وقف التنسيق الأمني هو إطلاق يد المقاومة في الضفّة الغربية المحتلة، للضغط على الاحتلال وإجباره على وقف اعتداءاته وجرائمه، إذ إنّ الثابت هو أنّ المقاومة كانت الأجدى على مدى تاريخ القضية الفلسطينية، ولذلك كان من أولويات الاحتلال تحويل السلطة إلى بوليس يضمن أمنها، فاستدرجها إلى فخّ التنسيق الأمني الذي جعل السلطة عين "إسرائيل" الساهرة في الضفة لمنع تبلور الحالة الطبيعية التي تتوقعها دولة الاحتلال ردًا على جرائمها، أي المقاومة.

أما اللجوء إلى محكمة الجنايات، فإنّ السلطة لا تزال تلوّح بهذا الخيار منذ انضمامها عام 2005 إلى المحكمة، لكنها لم تتخذ خطوات جدية في هذا المجال، لا سيما في الاستيطان، ويمكن القول إن الهدم في وادي الحمص الذي استندت فيه سلطات الاحتلال إلى قرب المباني الفلسطينية من الجدار العازل، يقع في قلب المخططات الاستيطانية التي يعمل الاحتلال على تنفيذها في الضفة الغربية والقدس المحتلّة. وعليه، فإنّ فداحة الجريمة التي تنذر بالمزيد من مثيلاتها، تحتّم مقاضاة "إسرائيل" حتى لا تفلت من جريمتها من دون عقاب.

ما يتعلق بالدول العربية، فإنّ المواقف، على قلّتها، عكست الضّعف ذاته الذي بات ميزة أساسية للموقف العربي الرسمي، فربّما استنكرت هذه الدولة أو تلك، لكن ما دائرة العمل الجدي وما مدى الموقف الفعلي الذي تتحرك هذه الدول على أساسه؟ لعلّ التضامن الذي يمكن أن تظهره الدول العربية اليوم هو وقف موجة التطبيع مع الاحتلال، فالتطبيع ذاته هو تسجيل موقف إيجابي يعبر عن الرضا بالجرائم الإسرائيلية ويدعو إلى المزيد منها.

وعلى المستوى الدولي، فإنّ المستغرب هو الموقف الأوروبي الذي كان حاضرًا في قضية الخان الأحمر، ولكن غاب عن وادي الحمص. صحيح أنّ سلطات الاحتلال حرصت على منع المتضامنين الأوروبيين من الوصول إلى الحي، إلّا أنّ الأوروبيين لم يضغطوا على الاحتلال بالقدر الكافي، بل كان موقفهم أقرب إلى تسليم بالهدم كأمر واقع، والوقوف موقف المتابع والمتفرّج، حتى يمكن وصفه بالمشارك. والتضامن الأوروبي المطلوب ينبغي أن يكون أبعد من حد إيجاد حل لمشكلة العائلات التي شردها الاحتلال، بل العمل لمنع الاحتلال من تشريد الفلسطينيين وهدم منازلهم.

ختامًا، إنّ مجزرة الهدم في وادي الحمص هي تعبير عن إفلاس إسرائيلي، فما معنى "نبش" قرار صادر عام 2011 ولم يعمل به لتطبيقه اليوم؟ وما دليل رفض الحلول البديلة التي اقترحها أهالي الحي لمنع هدم منازلهم؟ ومع ذلك، ينبغي ألّا يدفعنا ذلك إلى الاستخفاف بالجريمة، فهي قابلة للتكرار، ونُسجت على منوال جرائم مشابهة نفّذها الاحتلال ضدّ الفلسطينيين على مدى عقود، ما يعني ضرورة إظهار الجدّية في الموقف والتعاطي، فهل من مستجيب؟

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

مجزرة الهدم في وادي الحمص: عن الجريمة، وتوقيتها، ودلالاتها

التالي

حرمان المقدسيين من السكن

مقالات متعلّقة

براءة درزي

بلال وبهاء.. السّابقون على طريق الأقصى

الأحد 13 تشرين الأول 2019 - 12:11 م

 لم يكن العرس الفلسطيني الذي خرج الشابان بلال أبو غانم وبهاء عليان لعزف أنغام أهازيجه كأيّ عرس آخر. فبعد أسبوعين من انطلاق انتفاضة القدس، امتشق بلال وبهاء سكينًا ومسدسًا وأخبر كلٌ منهما والدته أنّه ذا… تتمة »

براءة درزي

برد الثلاجات إذ يغدو لهيبًا!

الخميس 12 أيلول 2019 - 3:06 م

لا ينفكّ الاحتلال يستغلّ جثامين الشهداء ومقابر الأرقام ضمن وسائل الضبط والعقاب التي يسعى عبرها إلى ترويض الفلسطينيين، وخلق مجتمع خانع راضٍ بالاحتلال، تارك للمقاومة، نابذٍ لها، معرضٍ عنها. وتتحالف أذرع… تتمة »