القدس في الذكرى 52 للنكسة: بين حرب التّهويد وعناوين المقاومة والصّمود

تاريخ الإضافة الأربعاء 5 حزيران 2019 - 1:11 م    عدد الزيارات 1127    التعليقات 0     القسم مقالات

        


براءة درزي

باحثة في مؤسسة القدس الدولية

ليست الحرب التي يشنّها الاحتلال على القدس كغيرها من الحروب، فهي حرب ناعمة صامتة، لا تدوّي فيها طلقات المدافع، ولا يسمع فيها أزيز الرّصاص. لكنّها في صمتها مدوية، وفي هدوئها تعصف بالقدس وأهلها ومقدساتها. والمشهد في القدس مزدحم بتفاصيل الممارسات التي تنتهجها دولة الاحتلال، وهي تفاصيل تجتمع تحت عنوان "التهويد" الذي تهدف دولة الاحتلال منه إلى بسط سيطرتها على القدس وتغيير هوية المدينة العربية والإسلامية وتكريسها عاصمة أبدية للدولة اليهودية.

حرب التّهويد في القدس تنشط على محاور مختلفة تتّجه كلّها نحو تعزيز الوجود اليهودي في المدينة على حساب وجهها العربي والإسلامي، وهي تتركّز في مسارين: المسار الديمغرافي والمسار الديني والثقافي. وبشكل رئيس، تعمل دولة الاحتلال على قلب الميزان الديموغرافي في القدس لمصلحة اليهود، وهي تسعى إلى تحقيق ذلك عبر وسائل متعددة من بينها توسيع المستوطنات وزيادة الوحدات الاستيطانية فيها لاستيعاب المزيد منهم في مقابل التضييق على المقدسيين، وحرمانهم من تراخيص البناء وتشريدهم من منازلهم وهدمها بذريعة بنائها من دون ترخيص، كأداة للضغط عليهم ليتركوا مدينتهم. أمّا الجدار العازل، فصمّمته سلطات الاحتلال ليقطع أوصال الأحياء المقدسية وفصلها عن امتدادها في الضفة الغربية، ولإعادة رسم الخريطة السكانية في الأحياء الواقعة على جانبي الجدار.

عقب احتلال الشطر الشرقي من القدس عام 1967، بدأت دولة الاحتلال عملية تهويد تستكمل بها ما بدأته قبيل عام 1948 من مصادرة للأراضي الفلسطينية من أجل إقامة المستوطنات التي فرضت وجودًا يهوديًا دخيلاً على الأحياء العربية التي زرعت هذه المستوطنات فيها. وفي شرق القدس اليوم أكثر من 18 مستوطنة ومئات البؤر الاستيطانية، وتعمل سلطات الاحتلال بشكل متواصل على بناء وحدات استيطانية جديدة لاستقطاب أعداد جديدة من المستوطنين في شرق القدس تكرس "حقائق" ديموغرافية، وقد قررت "وزارة الإسكان" مؤخرًا طرح مناقصة لبناء 805 وحدات استيطانية في القدس المحتلة. وفي السياق المتعلق بهدم المنازل، فقد هدم الاحتلال ما يزيد على 5000 منزل في شرق القدس منذ احتلال عام 1967، فيما يتهدد الهدم الآلاف من المنازل، بل وأحياء كاملة حضّرت لها سلطات الاحتلال مجازر هدم تمهيدًا لمزيد من الاستيطان.

أما المسجد الأقصى فله مع محاولات التهويد قصة لا تنتهي، عبر مسلسل طويل من الاعتداءات التي تبدأ من الاقتحامات، والاعتداء على المصلين وعلى مرافق المسجد المختلفة، ومحاولات تنفيذ مخططات التقسيم الزماني والمكاني على غرار المسجد الإبراهيمي. وقد شهد الأقصى في شهر رمضان سيلاً من الاعتداءات بدءًا من القيود التي فرضها الاحتلال على الوصول إلى المسجد، ومحاولات منع الاعتكاف، واستمرار الاقتحامات التي بلغت ذروتها يوم 28 رمضان بالتزامن مع الاحتفال باستكمال احتلال القدس، مع الاعتداء على المعتكفين والمرابطين، وانتهاك المصلى القبلي ومحاصرة المصلين فيه. واللافت أنّ هذه الاعتداءات تلقى الدعم من المستوى الرسمي السياسي والأمني، وقد كانت لرئيس "الكنيست" ولوزير الأمن الداخلي في حكومة الاحتلال تصريحات على خلفية اقتحام 28 رمضان تؤكّد مساعي الاحتلال إلى تغيير الوضع القائم في الأقصى وتمسّكه بذلك.

وينعكس الاحتلال وسياساته على الحياة المقدسيّة بتفاصيلها بدءًا من الصحة والتعليم وليس انتهاءً بالاقتصاد والإسكان. ففي المجال الصحي، يعاني المقدسيون محدودية الخدمات الصحية إضافة إلى الارتدادات السلبية للقيود التي تفرضها سلطات الاحتلال على توسيع المستشفيات وعلى دخول الأدوية والمعدات الطبية من مناطق الضفة الغربية إلى شرق القدس. وفي التعليم، فإن سياسات الاحتلال تساهم إلى حدّ كبير في ارتفاع نسبة التسرب المدرسي ونقص الكادر التعليمي، ناهيم عن الأثر السلبي للجدار العازل في الطلاب والأساتذة الذين يتعين عليهم عبوره يوميًا للوصول إلى مدارسهم. أما الاقتصاد فتعرقله الأوضاع السياسية السلبية والممارسات الإسرائيلية فيما يشكل جدار الفصل العازل عاملاً أساسيًا في إضعاف الاستثمار وتدهور الأوضاع الاقتصادية. وفي الإسكان، فإن المقدسيين يواجه المقدسيون مشكلة النقص في الوحدات السكنية، وصعوبة توفيرها نظرًا إلى صعوبة الحصول على رخصة بناء، وارتفاع كلفتها، وغير ذلك من القيود التي يفرضها الاحتلال على قطاع الإسكان.

الصور تبقى جزءًا من المشهد في شرق القدس، وهو المشهد الذي رسّخه الاحتلال بسياساته ليحمل المقدسيين على ترك أرضهم، فيكرّس القدس "عاصمة أبدية للشعب اليهودي"، وهو يجد اليوم دعمًا من إدارة ترمب التي باشرت تنفيذ خطة للسلام أساسها تبنّي الرّواية الإسرائيليّة وتصفية القضيّة الفلسطينيّة، وتطويب القدس لتكون عاصمة لدولة الاحتلال، ما يجعلها أقرب إلى نكسة جديدة منها إلى خطّة سلام. لكن تتابع النكسات ليس هو المشهد الوحيد في المدينة، بل ثمة مشهد من المقاومة والتحدي والصمود، تشهد عليه حارات القدس وأحياؤها، وبيوتها وأقصاها، وثمّة انتصارات حققها المقدسيون كما في هبة باب الأسباط، وهبة باب الرحمة، التي تجد رجع صداها في مسيرات العودة، وهي محطّات تؤكّد أنّ مشروع التهويد في القدس لا يمكن أن يمرّ، وأن المقدسيين لا يمكن أن يتخلوا عن حقهم وأرضهم، مهما علا الاحتلال أو طغى.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

التصدّي لدول التّطبيع السائرة في صفقة القرن

التالي

من ينقذ القضية الفلسطينيّة من خطّة السّلام الأمريكية؟

مقالات متعلّقة

براءة درزي

برد الثلاجات إذ يغدو لهيبًا!

الخميس 12 أيلول 2019 - 3:06 م

لا ينفكّ الاحتلال يستغلّ جثامين الشهداء ومقابر الأرقام ضمن وسائل الضبط والعقاب التي يسعى عبرها إلى ترويض الفلسطينيين، وخلق مجتمع خانع راضٍ بالاحتلال، تارك للمقاومة، نابذٍ لها، معرضٍ عنها. وتتحالف أذرع… تتمة »

علي ابراهيم

خمسون عامًا على الجريمة.. والأقصى حيٌّ فينا

الثلاثاء 20 آب 2019 - 4:48 م

كثيرةٌ هي المشاهد التي تؤثر بك تأثيرًا شديدًا، وتغير في كنهك أمرًا صغيرًا لا تدركه، ولكنه عميق الأثر، غائر المعنى.. وكثيرة أيضًا تلك الأسئلة البسيطة الساذجة ولكنها وفي ثوب البساطة تزخر بأعظم المعاني، … تتمة »