وارسو وتصفية القضية الفلسطينية

تاريخ الإضافة الخميس 28 شباط 2019 - 8:36 م    عدد الزيارات 1664    التعليقات 0     القسم مقالات

        


عادل سليمان

كاتب وباحث أكاديمي

شهدت العاصمة البولندية وارسو، يومي 13 و14 فبراير/شباط الجاري، مؤتمراً شبه دولي، عنوانه "السلام والأمن في الشرق الأوسط"، وكانت الدعوة إلى عقده قد جاءت على لسان وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، في يناير/كانون الثاني الماضي، وذلك بعد سلسلة من الإجراءات والخطوات التي قامت بها أميركا وإسرائيل، على مدى بضعة أشهر، كلها تعمل على تفريغ القضية الفلسطينية من مضمونها، تمهيدا لتصفيتها تماماً، بدأت بقرار ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل، ونقل السفارة الأميركية بالفعل إلى القدس، والتضييق على وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، في محاولة لطمس قضية اللاجئين، وإغلاق مكاتب منظمة التحرير الفلسطينية في الولايات المتحدة، وإيقاف المعونات الأميركية للسلطة الفلسطينية، وكذا مخصصات التنسيق الأمني مع سلطة الاحتلال، وتحرّكات جاريد كوشنر، مستشار الرئيس ترامب وصهره والمكلف بملف القضية الفلسطينية وما تُعرف بصفقة القرن. وأيضاً تحركات نتنياهو في المنطقة، وزياراته سلطنة عُمان، واتصالاته السرية ببعض الزعماء العرب، ومشاركة وفود إسرائيلية في أنشطة رياضية دولية في بعض دول الخليج، وذلك كله مع تصاعد الحديث عن الخطر الإيراني في المنطقة، واعتبارها عدواً مشتركاً لإسرائيل، ودول عربية رئيسية، خصوصا السعودية ودول الخليج. وفي وسط كل هذا الزخم، ظهرت الدعوة إلى إقامة حلف ناتو عربي، يضم دول مجلس التعاون الست ومصر والأردن ومعهم إسرائيل، برعاية أميركية، لمواجهة الخطر الإيراني، من دون ذكر لقضية فلسطين. 
ولأن التاريخ علّمنا أن تحركات القوى العظمى تكون لها دوماً أهداف ظاهرية، وأخرى حقيقية، فمن الواضح أن الهدف الظاهري لتلك التحركات الصهيوأميركية، وجديدها مؤتمر وارسو، هو التصدي لإيران، باعتبارها أكبر تهديد للسلم والأمن في الشرق الأوسط، على حد تعبير مايك بنس، نائب الرئيس الأميركي، والذي رأس وفد الولايات المتحدة في المؤتمر، بينما الهدف الحقيقي هو بالقطع تطوير علاقة جديدة بين العرب، ممثلين في بعض دول مجلس التعاون ومصر والأردن، بداية، وإسرائيل، تتجاوز مرحلة التطبيع إلى مرحلة التحالف الاستراتيجي، بدعوى مواجهة العدو المشترك الذي هو إيران. وفى خضم ذلك التحالف، تتم بالضرورة تصفية ما تبقى من القضية الفلسطينية. 
وللتغطية على ذلك الغرض الحقيقي من مؤتمر وارسو، تمت دعوة نحو خمسين دولة غير

عربية، لإضفاء طابع دولي خادع على المؤتمر، بينما الأطراف الرئيسية المعنية، تمثلت في دول مجلس التعاون الست، السعودية والإمارات والبحرين والكويت وعُمان وقطر والأردن، ومصر، بالإضافة إلى اليمن والمغرب وتونس. وبالطبع الدولة الداعية، وهي أميركا والتي مثلها نائب الرئيس ووزير الخارجية ومستشار الرئيس، والدولة المضيفة بولندا، وصاحبة المصلحة الأولى، دولة العدو إسرائيل، والتي مثلها رئيس حكومتها نتنياهو. وكأن الهدف الرئيسي من المؤتمر كان جلوس ممثلي الدول العربية المستهدفة على طاولةٍ واحدة مع ممثل إسرائيل، ومناقشة مسائل السلم والأمن في المنطقة على مدى يومي المؤتمر. 
وزيادةً في التغطية على الغرض الحقيقي من مؤتمر وارسو، خرج البيان النهائي متضمّناً نصاً واحداً عن دور إيران المُزعزع للأمن والاستقرار في المنطقة، وهو ما يتطلب التحالف لمواجهتها، من دون أي إشارةٍ، من قريب أو بعيد، إلى القضية الفلسطينية، سوى تصريح جاريد كوشنر بأن أميركا ستعلن عن مشروعها للسلام في المنطقة "صفقة القرن"، عقب الانتخابات الإسرائيلية في إبريل/نيسان المقبل. وانفض مؤتمر وارسو، ولم يتحدّث أحد عن إسرائيل، باعتبارها أكبر تهديد للأمن والسلم في منطقة الشرق الأوسط، باحتلالها الأراضي الفلسطينية والعربية واستمرار الاستيطان، وحصار قطاع غزة، وإجراءات تهويد القدس المحتلة، وكل ممارساتها الإرهابية ضد الشعب الفلسطيني، وإنما كان الحديث، وفقط، عن "الإرهاب الإسلامي" و"الخطر الإيراني". 
ويبقى السؤال الذي غاب عن الجميع: لماذا كان اختيار وارسو مكاناً للمؤتمر، والذي كان يستهدف، في الأساس، الإعلان عن حلف وارسو الجديد "العربى - الإسرائيلي"، برعاية واشنطن، والتي رأت تأجيل ذلك. 
لم يكن الاختيار بالقطع عشوائياً، فإن وارسو بالتحديد تعتبر رمزاً لتحقيق ما كان ضرباً من الخيال، فقد كانت مقراً للحلف العسكري الذي حمل اسمها، وكان يضم دول شرق أوروبا الشيوعية ويقوده الاتحاد السوفييتي السابق لمواجهة حلف شمال الأطلسي (الناتو) الذي يضم دول أوروبا الغربية، وتقوده أميركا، وذلك في زمن الحرب الباردة. وتغيرت الأحوال، وانهار الاتحاد السوفييتي، وتم حل حلف وارسو في يوليو/تموز 1991، وتحقق ما كان خيالا، حيث أصبحت دول حلف وارسو، عدا روسيا، أعضاء في حلف الناتو، وفي مقدمتها بولندا التي كانت عاصمتها وارسو مقراً للحلف الشيوعي. 
فإذا كانت وارسو نموذجاً لإنهاء العداوات، وتحويلها إلى تحالفات، فهل يمكن بالمثل أن تتحوّل  

العداوات العربية - الإسرائيلية إلى تحالفات، وأن يتم ذلك، أو يتم التمهيد له في وارسو؟ قد يبدو ذلك منطقيا للوهلة الأولى، ولكن الحقيقة عكس ذلك، فالخلافات والصراعات بين المعسكرين، الغربي والشرقي، في زمن الحرب الباردة، كانت صراعاتٍ أيدولوجية، في المقام الأول، بين الرأسمالية والشيوعية، بينما الصراع العربى - الإسرائيلي، وجوهره القضية الفلسطينية، وجودي في المقام الأول، مع الحركة الصهيونية العالمية التي استوطنت الأرض، وهجرت الشعب، وما زالت تتوسع، وتمد نفوذها بشتى الوسائل والأساليب، لتفرض سيطرتها، وهيمنتها، على مقدّرات الأمة العربية وهويتها. 
والضربة القاضية التي تُعد لها الصهيونية العالمية في هذا الصراع، بدعم أميركي كامل، هي تصفية القضية الفلسطينية. وبالتالي، تفريغ الصراع من مضمونه، فهل تستيقظ الأمة، وتكفّ عن الاقتتال، وسفك دماء أبنائها بأيديها، في صراعها العبثي، حول العروش، وكراسي الحكم والسلطة، قبل أن يدهمها طوفان الصهيونية العالمية، فلا يُبقى على أخضر أو يابس؟ الإجابة تملكها الشعوب العربية.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

كيف يحاول الاحتلال إرساء تعريفه للوضع القائم في مصلّى باب الرحمة؟

التالي

«باب الرحمة».. والملاذ الأخير!

مقالات متعلّقة

علي ابراهيم

خمسون عامًا على الجريمة.. والأقصى حيٌّ فينا

الثلاثاء 20 آب 2019 - 4:48 م

كثيرةٌ هي المشاهد التي تؤثر بك تأثيرًا شديدًا، وتغير في كنهك أمرًا صغيرًا لا تدركه، ولكنه عميق الأثر، غائر المعنى.. وكثيرة أيضًا تلك الأسئلة البسيطة الساذجة ولكنها وفي ثوب البساطة تزخر بأعظم المعاني، … تتمة »

علي ابراهيم

حكايا المطبعين

الجمعة 28 حزيران 2019 - 3:07 م

عمل المؤرخ الكبير أبو الفضل محمد بن النهروان على تأريخ الأحداث في منطقتنا العربية، فكان يتطرق للموضوعات حينًا وما جرى بها، ويتناول الأحداث أحيانًا أخرى ويربطها بسياقاتها ونتائجها، ومما تناول مؤرخنا ال… تتمة »