الدّرك الأسفل من التّطبيع مع الاحتلال!

تاريخ الإضافة الإثنين 29 تشرين الأول 2018 - 3:41 م    عدد الزيارات 445    التعليقات 0     القسم مقالات

        


براءة درزي

باحثة في مؤسسة القدس الدولية

"باتت إسرائيل ودول عربيّة في تقارب أكثر من أيّ وقت مضى". هذا الكلام لرئيس حكومة الاحتلال أمام "الكنيست" في 15/10/2018، لكنّه ليس الأوّل من نوعه، فهو لا ينفكّ يردّده في غير مناسبة ليؤكّد أنّ الكيان الغاصب بات قاب قوسين من الحصول على شرعيّة عربية رسمية علنية. وهذا التّصريح هو تأكيد لمسار دولة الاحتلال التي اتّجهت إلى الفصل بين القضية الفلسطينية والعلاقات مع الدول العربية، فبدلاً من أن يلحق التّطبيعُ تسويةَ القضية الفلسطينية يُصار إلى تمتين العلاقات مع الدول العربية بحيث يمكن التّضحية بالقضيّة لمصلحة المحافظة على العلاقات العربية الإسرائيليّة.

على وقع مشهد قتل الفلسطينيين في غزّة وتوسّع الوجود الاستيطاني في القدس القديمة خرج خبر الاستقبال الحافل الذي لقيه رئيس حكومة الاحتلال في زيارته "السّريّة" إلى سلطنة عُمان، والتي لم يُكشف عنها إلا بعد عودة نتنياهو إلى "إسرائيل". لا يمكن ودّ الاستقبال ودفئه أن يوحي بأنّ ثمّة جرائم ترتكبها دولة الاحتلال ضدّ الفلسطينيين، أو أنّ ثمّة كلامًا عن تصفية القضية الفلسطينية على يدي الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، أم أنّ هذه الزيارة جزء من مخطّط إنجاز التّصفية؟ واللافت أنّ الكشف عن الزيارة تبعته تصريحات ليوسف بن علوي، وزير الخارجية العماني، لقناة الجزيرة قال فيها إنّ نتنياهو "أبدى رغبة في أن يزور السّلطنة، وأن يعرض على السلطان قابوس بن سعيد رؤيته لما يُصلح حال الشرق الأوسط وبالأخصّ الخلاف الفلسطيني- الإسرائيلي"، مضيفًا أنّ السلطنة تتطلّع إلى أن يكون للفلسطينيين دولتهم المستقلّة وأن يتعايشوا مع الشعب الإسرائيلي.

العلاقات العمانية الإسرائيلية ليست بالجديدة، ففي عام 1994 زار رئيس حكومة الاحتلال الأسبق إسحاق رابين السلطنة والتقى قابوس، وفي عام 1995 التقى وزير الخارجية الإسرائيلي حينذاك شيمون بيريز وزير الخارجية العماني يوسف بن علوي في القدس، فيما وقعت في مسقطـ، في كانون ثانٍ/يناير 1996، اتفاقية بين "إسرائيل" وعمان لتبادل افتتاح مكاتب تمثيلية في البلدين، وافتتح المكتب في عُمان بيريز بالتزامن مع افتتاح مكتب تمثيلي في قطر. وعلى أثر انتفاضة الأقصى والتّململ في الشارع العماني، أعلن المسؤولون العمانيون في تشرين أول/أكتوبر 2000 عن وقف العلاقات مع "إسرائيل"، وأغلق مقرّ البعثة، لكن مع إبلاغ المسؤولين الإسرائيليين أنه ما من مانع من استمرار زيارات الدبلوماسيين الإسرائيليين مع إبقائها سرّية. واليوم، يبدو أنّ عمان وصلت إلى قناعة بأنّ "إسرائيل جزء من الشرق الأوسط" وأنّه لا غضاضة في إخراج العلاقات معها إلى العلن.

على مسافة غير بعيدة زمنيًا ومكانيًا، كانت ميري ريغيف، وزيرة الثقافة والرّياضة في حكومة الاحتلال، تصل إلى الإمارات المتحدة، وتعلّق على الزيارة بالقول إنّ "الأمر يتعلق بقرار تاريخي له آثار بعيدة المدى ويشكل انطلاقة". وكان سبق ريغيف إلى الإمارات المنتخب الإسرائيلي لرياضة الجودو للمشاركة في بطولة "جراند سلام"، وقد وافقت الإمارات على إظهار الرموز الإسرائيلية (العلم والنشيد) بعد رسائل من ريغيف في هذا الصّدد. وكما في الإمارات كذلك في قطر التي حضر في مطارها العلم والنّشيد الإسرائيليان مع وصول وفد إسرائيلي للمشاركة في بطولة العالم للجمباز الفني. ومثل عُمان، فإنّ التّطبيع بين الإمارات وقطر من جهة ودولة الاحتلال من جهة أخرى ليس بالأمر الجديد، ويمكن مراجعة الدّراسة التوثيقية الصّادرة عن مؤسسة القدس الدولية بعنوان "التطبيع العربي مع إسرائيل: الطريق إلى تصفية القضية الفلسطنية وتشريع الاحتلال" للاطلاع على أبرز محطات التطبيع بين الدول العربية ودولة الاحتلال.

وفي كواليس مشهد التطبيع، ذكرت "يديعوت أحرونوت" العبرية أمس الأحد أنّ ثمّة حوارًا سريًا بين البحرين ودولة الاحتلال بهدف شهر العلاقات بين الجانبين وتمهيدًا لزيارة يقوم بها نتنياهو إلى المنامة، وذلك في إطار تطبيع العلاقات العربية مع "إسرائيل" وتمهيدًا لنشر خطة ترمب للسلام.

تأتي موجة التطبيع المتصاعدة في وقت يرزح فيه الأقصى تحت وطأة اعتداءات إسرائيلية متزايدة، والقدس تتعرّض لمزيد من التهويد الذي يستهدف هويّتها، وفيما "إسرائيل" مستمرة في حصار غزة وتقتل أهل القطاع لإسكات مسيرات العودة الكبرى، ويحتضن "القادة" العرب قادة الاحتلال ويحسنون ضيافتهم في وقت تبقي "إسرائيل" في سجونها ما يزيد على 6000 أسير منهم محكومون بالمؤبّدات ومكبلون بالاعتقالات الإدارية، على خلفية المشاركة في مقاومة الاحتلال.

ومع تصاعد وتيرة التطبيع على المستوى الرسمي، يعي نتنياهو أنّ ما يعرقل تطبيعًا ناجزًا هو الموقف الشعبي، ولعلّه يراهن على إمكانية تغيّر هذا المواقف ربما من باب فرض الأمر الواقع، وإجبار الشعوب على الانسياق وراء "خيارات" المستوى الرسمي. فقد قال نتنياهو في 21/11/2017 في كلمة له أمام "الكنيست" بمناسبة 40 عامًا على زيارة السادات إلى القدس المحتلة وإلقائه خطابًا أمام "الكنيست" إنّ العائق أمام إبرام سلام بين الدول العربية و"إسرائيل" هو الشعوب العربية والرأي العام العربي، وبرأيه فإنّ "الشعوب العربية والرأي العام العربي تعرضت على مدار سنين طويلة لعملية غسيل دماغ وتشويه لصورة إسرائيل، إلى درجة بات وكأن هناك حاجة إلى إزالة طبقات جيولوجية من الوعي العربي لتحسين صورة إسرائيل، وللوصول إلى سلام بين الشعوب"، ولعلّ نتنياهو يقصد أنّ الشعب العربي أخطأ في بناء موقفه من الصّهاينة على خلفيّة جرائمهم التي بدأت قبل عام 1948 بالاعتداء على الفلسطينيين، وقتلهم، وتهجيرهم من أرضهم وقراهم.

وبالفعل، فإنّ التطبيع مع الاحتلال لا يزال غير مقبول على المستوى الشعبي، وقد شهدنا في الأردن الرفض الشعبي لاستمرار العمل بملحقي وادي عربة الخاصين بالباقورة والغمر، وفي القدس رفض المشاركة في انتخابات بلدية الاحتلال الصّهيونية، وسخط على من يشارك في هذه الانتخابات أو يترشّح لها، وفي الضفة عمليات المقاومة ضدّ الاحتلال التي ينفّذها أبناء الشّقاقي والقسام وغيرهم، وفي الأقطار العربية تظاهرات تطالب الأنظمة المطبّعة بطرد سفراء الاحتلال وإقفال سفاراته، وليس آخرًا إحراق عمانيين علم دولة الاحتلال عقب الكشف عن زيارة نتنياهو إلى مسقط.

وهو رفض رأيناه أيضًا في انسحاب لاعبين عرب من مواجهات رياضيّة مع لاعبين إسرائيليين، منها في عام 2014 انسحاب عبد الله رضى لاعب المنتخب المغربي، من بطولة العالم لكرة الطّاولة، لرفضه مواجهة لاعب إسرائيلي، تضامنًا مع الشعب الفلسطيني، وانسحاب منتخب السودان لكرة الطاولة سيدات المشارك فى البطولة ذاتها بعدما تقرّر مواجهة اثنتين من لاعباته لممثلتين من دولة الاحتلال في منافسات زوجي سيدات. وفي عام 2018 انسحاب المنتخب السعودي في لعبة الريشة الطائرة في بطولة في أوكرانيا رفضًا للتطبيع أمام فريق "إسرائيل"، ورفضهم مصافحة اللاعبين الإسرائيليين، وحالات الانسحاب على خلفية رفض التطبيع مع دولة الاحتلال أكثر من أن تعدّ هنا.

عرقل الرفضُ الشعبي لما أشيع عن مضمون "صفقة القرن" الدّفعَ بها قدمًا، وما يفعله المطبّعون اليوم هو فتح الباب على مصراعيه لدولة الاحتلال لتكسب شرعيّة تغسل جرائمها من جهة، وتسهيل مهمّة ترمب الهادفة إلى تصفية القضية الفلسطينية من جهة أخرى. هذا التّماهي العربي الرسمي مع المسعى الإسرائيلي وما تسمّى خطّة ترمب للسلام هو انسياق وراء سراب نجاح المشروع الاستعماري في المنطقة، ومحاولة استرضاء أصحاب هذا المشروع على اعتبار أنّهم يضعون ويرفعون، لكنّ ما يغيب عن بال هؤلاء هو أنّ الأرض تلفظ كلّ غريب، وأنّ الشعوب على مدى التاريخ لم تقبل الاستعمار وواجهت رعاته، ولن يكون الأمر مختلفًا في منطقتنا.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

كيف مهّدت اتفاقية وادي عربة للاعتداءات الإسرائيليّة على الأقصى؟

التالي

التطبيع يهدّد البوصلة الأخلاقية للأمة

مقالات متعلّقة

براءة درزي

سلامٌ على إبراهيم في المقدسيّين

الإثنين 5 تشرين الثاني 2018 - 10:06 ص

 قبل أربعة أعوام، في 5/11/2014، نفّذ المقدسي إبراهيم العكاري، من مخيّم شعفاط، عمليّة دهس في شارع عناتا غربي القدس المحتلة. العملية كانت إحدى العمليات التي نفّذها فلسطينيون ضمن ما اصطلح على تسميتها بهب… تتمة »