ترمب يكافئ السّلطة الفلسطينيّة بعد ربع قرن من مسار أوسلو

تاريخ الإضافة الأربعاء 12 أيلول 2018 - 10:11 ص    عدد الزيارات 976    التعليقات 0     القسم مقالات

        


براءة درزي

باحثة في مؤسسة القدس الدولية


أعلنت الولايات المتحدة الإثنين إغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية التمثيلي في واشنطن، بعدما رفضت تجديد الترخيص له في تشرين ثانٍ/نوفمبر 2017. وقالت الخارجية الأمريكية تعليقًا على هذا القرار إنّ  منظمة التحرير "لم تتّخذ خطوات للدّفع من أجل بدء محادثات مباشرة مع إسرائيل، بل ندّدت بخطة السلام الأمريكيّة قبل أن تطّلع عليها". 
هذا القرار سبقته جملة من القرارات التي تعكس عزم الإدارة الأمريكية على تصفية القضيّة الفلسطينية، ومحاولات أخيرة إلى جرّ السّلطة الفلسطينية إلى مزيد من التنازلات، لتبدو تصفية القضيّة مصادقًا عليها من الجانب الفلسطيني. وساعد على الوصول إلى هذه النتيجة، بالإضافة إلى أمور أخرى، أنّ اتفاق أوسلو جزّأ القضيّة الفلسطينية وقسّمها إلى قضايا وملفّات، فسهّل على الاحتلال إحكام سيطرته على كلّ ملف، ومن ثمّ تعهّد "راعي السلام الأمريكي" بإنهاء هذه الملفّات وفق المصلحة والرؤية الإسرائيليّة.
فقبل أيام، أعلنت إدارة ترمب قطع المساعدات التي كانت ترصدها لمستشفيات شرق القدس بقيمة 25 مليون دولار سنويًا، بناء على طلب سابق من ترمب بمراجعة المساعدات الفلسطينية والـتّأكد من صرفها وفق مقتضيات المصلحة الوطنية الأمريكية. وقالت الخارجية الأمريكيّة إنّ المساعدات لمشافي القدس ستتوقّف، وستصرف على مشاريع ذات أولوية عالية في أماكن أخرى. سبق ذلك الإعلانُ عن وقف المساعدات الأمريكية للفلسطينيين بقيمة 200 مليون دولار، ظاهرها دعم وحقيقتها تكبيل للفلسطينيين وأخذهم رهينة للاحتلال والقوى الاستعماريّة التي تسانده. 
أما في ملفّ اللاجئين، فليس ثمّة مجال للاختلاف حول تأويل قطع الدعم الأمريكي المخصّص للأونروا والبالغ حوالي 300 مليون دولار، فقد سبقه تسريبات أورتها مجلة فورين بوليسي الأمريكيّة عن مراسلات إلكترونية بين جاريد كوشنير، صهر ترمب وكبير مستشاريه، وعدة مسؤولين أمريكيين يقول فيها إنّ الأونروا منظّمة فاسدة، وغير فعّالة، وإنّها تخلد الأمر الواقع، ولا تساعد في صنع السلام في المنطقة. بالإضافة إلى الحديث عن سعي أعضاء في الكونغرس إلى بلورة مشروع قانون يقلّص الدّعم الأمريكي المقدم لـلوكالة بشكل كبير عبر الاعتراف بعدد ضئيل جدًّا من اللاجئين.
وكان سبق ذلك كله إعلان ترمب القدس عاصمة لدولة الاحتلال في كانون أول/ديسمبر 2017، ومن ثمّ تصريحه بأنّ القدس أزيلت عن طاولة المفاوضات، وأنّها كانت عقبة تحول دون توصّل الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي إلى اتفاق سلام، وقد حان الوقت لتجاوز هذا الأمر والانتقال إلى ما سواه.   
تأتي هذه القرارات الأمريكيّة بعد ربع قرن من توقيع اتفاق أوسلو بين دولة الاحتلال ومنظمة التّحرير الفلسطينية، والذي تبعه إلى إنشاء السلطة الفلسطينية عام 1994 لتكون شرطي الاحتلال وضابط أمنه في أوساط الشعب الفلسطيني، ولتوفّر على الإسرائيلي عناء ملاحقة المقاومة والقضاء عليها في الضّفة الغربية المحتلة خصوصًا، ولتقدّم تنازلات مجّانية عن الحقوق الفلسطينية، وتوقّع على هذه التنازلات بخلاف إرادة الفلسطينيّين. ولئن صحّ القول إنّ خطيئة أوسلو لم تكن خطأ منظّمة التحرير وحدها، إلا أنّ السّلطة الفلسطينية هي الأكثر تمسّكًا بهذا الاتّفاق على الرغم من عدم التزام دولة الاحتلال به بما تضمّنه من تنازل فلسطيني.
نشأت السّلطة الفلسطينية بعد ارتضاء منظمة التحرير بأن تغيّب أيّ قيادة فلسطيينة عن القدس المحتلة، بذريعة تأجيل التّفاوض حول وضع المدينة إلى قضايا الحلّ النهائي. وعلى مدى السنوات التي أعقبت توقيع اتفاق أوسلو وولادة السّلطة، أعمل الاحتلال سيف التّهويد في القدس، وعزّز الوجود الاستيطاني في شرق المدينة بعد إحكام قبضته على الشّطر الغربي منها، وصعّد من وتيرة استهدافه للمسجد الأقصى بمشاريع التّهويد فوق الأرض وفي باطنه، فزادت اقتحامات المستوطنين ومعها أداؤهم الصلوات التلمودية عند أبواب المسجد وفي باحاته، وأصبح باطن الأقصى هدفًا للحفريات لتشكّل مدينة يهوديّة تحت الأرض تحاكي ما يحاول الاحتلال إثباته وترسيخه فوق الأرض. 
وفيما الاحتلال يهوّد القدس، ويعزّز الاستيطان في الضفة الغربية برمّتها وليس في شرق القدس وحسب، ويصادر أراضي الفلسطينيين ويهدم منازلهم، كانت السلطة الفلسطينية تزداد تمسّكًا بالتنسيق الأمني مع الاحتلال للقضاء على أيّ جذوة للمقاومة. والتنسيق لا يتّم بالخفاء، بل إنّ السلطة وأجهزتها الأمنيّة تحتضنه جهارًا نهارًا، وتتحدّث عنه كعنصر أمان للفلسطينيين حيث إنّها حريصة على "ألا يذهبوا إلى الموت"، وتهدّد بوقفه كلّما أحسّت أنّ تمادي الاحتلال في سياساته يمكن أن يؤثّر في مكتسباتها ومصالحها الضيّقة. وأظهرت أرقام إسرائيليّة كشفت مؤخّرًا عن تراجع عدد العمليات الفلسطينيّة ضد المقاومة بعد التوقيع على اتفاق أوسلو، فقد تجاوزت العمليات الفلسطينية ضدّ الاحتلال 9300 عملية ما بين عامي 1990 و1993، وتراجعت إلى حوالي 4200 عملية ما بين عامي 1993 و1999. أما رئيس السلطة الفلسطينية فتحدّث عام 2016 صراحة عن تعاونه مع الاحتلال لوقف انتفاضة القدس، وقال إنّه متمسك بالتنسيق الأمني، "لأنني لو تركته ستكون هناك فوضى، وسيكون هناك سلاح ومتفجرات ومسلحون سيأتون من كل مكان ليدخلوا إلى إسرائيل، أنا أضع يدي عليهم، ولو لم يكن هناك تعاون أمني فلسطيني إسرائيلي ستكون هناك انتفاضة دامية". وتصريحاته حول التنسيق الأمني أكثر من أن تعدّ وتحصر، وكذلك شهادات المسؤولين الإسرائيليين حول تعاونه وتعاون الأجهزة الأمنية الفلسطينيّة وفيرة، وتؤكّد أنّ التّنسيق الأمني من جانب السلطة يكاد يكون الثابت الوحيد الذي تلتزم به في ظلّ كلّ الاعتداءات الإسرائيلية وعلى الرّغم منها.
يُظهر السّلوك الأمريكي على مدى سنوات من سياستها الخارجيّة أنّ الولايات المتحدة تعمل على محاربة كلّ من يشقّ عصا الطّاعة الأمريكيّة، وتضرب كلّ من يقاوم سياساتها ويقف في وجه نهجها الاستعماري، وتضيّق على كلّ من يرى في "إسرائيل" كيانًا محتلاً غاصبًا للحقوق وسالبًا لها. وهي لن تتوانى عن انتهاج السّياسة ذاتها مع "حلفائها"، أو من يظنّون أنّهم حلفاؤها وفي حمايتها، عندما يرفضون المزيد من التّنازل، أو يحيدون عن رؤيتها ومخطّطاتها. 
ترفض الولايات المتّحدة أن يقاوم أحد سياساتها، وتُمعن في إذلال من ينصاع لمشيئتها؛ ويمكن القول إنّ قرارات الإدارة الأمريكية اليوم هي النّتيجة الطّبيعية والحتمية لمسار أوسلو القائم على التّنازل عن الحقّ واستعداء المقاومة، فليس لمن احتضن هذا المسار أن يصرخ الآن: يا لهول المفاجأة! 

 

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

هل انتقل الاحتلال إلى الاستهداف العلني للأونروا في القدس؟

التالي

انتخابات بلديّة الاحتلال.. بعضٌ من وقاحةِ ذوي القُربى

مقالات متعلّقة

براءة درزي

كقدسٍ فيها مصباح..

الخميس 11 تشرين الأول 2018 - 8:41 ص

 صادفت يوم الثلاثاء الذكرى السنوية الثانية لاستشهاد أسد الأقصى مصباح أبو صبيح الذي نفّذ في 9/10/2016، عملية فدائيّة في حي الشيخ جراح، خاصرة المسجد الشمالية المستهدفة بالتهويد. العملية التي أدّت إلى مق… تتمة »