"إسرائيل" تحاول تقزيم "انتفاضة القدس" بانتظار تلاشيها والسّلطة قلبها مع الهبّة وسيفها عليها

تاريخ الإضافة الخميس 4 شباط 2016 - 9:22 ص    عدد الزيارات 629    التعليقات 0

        

اختتم عام 2015 على استمرار الحراك الشّعبي ضدّ الاحتلال والذي كان بدأ في أوائل تشرين أول/أكتوبر 2015 من دون أن تتمكّن سلطات الاحتلال من إخماده مع تمسكها بوصفه على أنه "موجة أعمال العنف التي تجتاح إسرائيل" مع ما يعنيه ذلك من رهان على أن الحراك موقت ولن يلبث كثيرًا قبل أن يتلاشى. ولعلّ التكتيك الذي اتبعته سلطات الاحتلال في التعامل مع الهبّة، من منطلق إدارة الأزمة في ظل عدم إمكانية حلها، هو التأقلم مع هذا الوضع الذي بات أقرب إلى حالة يومية تقوم على عمليات فردية لا يمكن إحباطها مسبقًا طالما أنه ليس بالإمكان توقعها. وقد اتخذ الاحتلال مجموعة من الإجراءات تستهدف منفذي العمليات عبر إطلاق النار عليهم فور تنفيذ أي عملية، ومن ثمّ معاقبة عائلاتهم عبر احتجاز جثامين أبنائهم الشهداء، وكذلك هدم منازلهم أو سدّ منافذها بالأسمنت بما يوحي بأن الإجراءات ستولد حالة من الردع التي تنتهي إلى تآكل البيئة الحاضنة لأيّ عمل مقاوم بسبب الثمن الذي سيدفعه الفلسطينيون. ومع استمرار العمليات على الرغم من الإجراءات، يمكن القول إنّها إجراءات موجّهة إلى المجتمع الإسرائيلي كيلا تظهر الحكومة بمظهر العاجز كلّيًا فلا هي قادرة على منع العمليات قبل وقوعها ولا معاقبة منفذيها.

وفي الوقت الذي تراهن فيه "إسرائيل" على أن الهبّة ستخمد مع مرور الوقت فإنّها تحاول تمرير الوقت من دون تقديم "تنازلات" للفلسطينيين تسوق على أنها نصر لهم انتزعوه بالعمل المقاوم. وفي هذا السياق، كان اقتراح وزير التربية والتعليم نفتالي بينت بالبناء في المستوطنات بعد كلّ عملية طعن أو دهس وكذلك رفض رئيس الحكومة اقتراحات بإطلاق الأسرى الفلسطينيين ومن بينهم المعتقلين الإداريين "لتنفيس الضغط في الشارع الفلسطيني". كما أنّ نتنياهو أعلن أن إعطاء رخص البناء للفلسطينيين سيكون مشروطًا على الاعتراف بالبناء في الكتل الاستيطانية. كما أن الملاحظ أن المصادقة على البناء في المستوطنات، على سبيل المثال، لم تتوقف خلال الأشهر الثّلاثة الأخيرة من عام 2015 كما حرصت سلطات الاحتلال على ألا تتأثر اقتحامات الأقصى بالحراك الشعبي، فلم يمنعها. وفي مقابل ذلك استمرّ التّضييق على المصلّين ومنع نساء "القائمة الذهبية" من دخول الأقصى وإن كانت الهجمة باتّجاه تنفيذ مشروع التّقسيم الزّمني للأقصى خفتت إلى حد نسبي.

وفي موازاة محاولة الاحتلال الظهور بمظهر العصي على الهزيمة فقد حاول المستوى السياسي والأمني تقزيم الانتفاضة من خلال وصفها بموجة العنف وكذلك في ردّها إلى حالة إحباط ويأس يعيشها الفلسطينيون، الشباب منهم على وجه الخصوص، بسبب القيود المفروضة على دخولهم إلى "إسرائيل" وقلة فرص العمل والبطالة. وعلى ذلك، فقد أوصى ضابط كبير في جيش الاحتلال في 25/10/2015 بتغيير نظام التصاريح المعمول به وذلك للسماح لمزيد من الفلسطينيين بالعمل في دولة الاحتلال، بالإضافة إلى الإفراج عن عشرات الأسرى الفلسطينيين بمن فيهم أسرى الاعتقال الإداري، وذلك لتنفيس الضغط الذي يعيشه الشارع الفلسطيني. وهكذا، يحاول الإسرائيلي تكريس معادلة تفيد بأنّ الأمن ممكن في ظلّ الاحتلال وأنّ الفلسطيني يمكن أن يكون مهادنًا وأن يرضى بالاحتلال إن قُدِّمت له التسهيلات وفتحت أمامه فرص العمل.

على مستوى السلطة الفلسطينية، فإنّ استمرار الهبة لا يسمح بالانفصال عن نبض الشعب بشكل كلي، ولذلك جاء تصريح الرئيس الفلسطيني محمود عباس في الشهر الثالث لـ "انتفاضة القدس" ليبدو في ظاهره متوافقًا مع أسباب الحراك ولكن ليلتقي مع الجانب الإسرائيلي في مرادفات الإحباط واليأس. ففي مؤتمر لهيئة مكافحة الفساد في 14/12/2015 برام الله قال عباس إنّه قد "بدأت هبّة جماهيريّة مبرّرة، ما يعني أنّنا لا نملك أن نقول للشباب لماذا أنتم خارجون" معتبرًا أن "الهبة الجماهيرية سببها حالة اليأس التي وصل إليها الجيل الجديد". لكنّ هذا الموقف لا يعني أن السلطة تدعم الحراك ولا ينفي الهاجس الذي تعيشه السلطة من جراء التحرك الشعبي واحتمال خروجه عن السيطرة، وهي لا تتوقف عن التنسيق الأمني مع الاحتلال. وكشفت مصادر أمنية رفيعة المستوى، وفقًا لما ذكرته صحيفة "معاريف" العبرية في 4/11/2015، أنّ موقف الجيش الإسرائيلي من عباس لم يتغيّر فهو "لا يحرّض ولا يشجّع على الإرهاب". وهذا الأمر لم يتغير مع انصرام عام 2015 حيث لم تتحرك السلطة لتفعيل قرار وقف التنسيق الأمني وفقًا لاجتماع المجلس المركزي لمنظمة التحرير في آذار/مارس 2015 أو لإيجاد الظروف اللازمة لتفعيله، والأمر لا يعدو كونه وعودًا يحاول عبّاس من خلالها منع تفجر الأوضاع في وجهه بسبب التنسيق الأمني مع الاحتلال.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.