حال القدس (1) 2016


تاريخ الإضافة الإثنين 25 نيسان 2016 - 3:20 م    عدد الزيارات 14463    التحميلات 2672    القسم حال القدس الفصلي

        


 حال القدس (1)
كانون ثانٍ/يناير – آذار/مارس 2016

 

الاحتلال يضيق الدائرة على الرباط في الأقصى ويوسع استهدافه لانتفاضة القدس

الملخص التنفيذي
شهد الربع الأول من عام 2016 مزيدًا من الإجراءات الإسرائيلية للقضاء على انتفاضة القدس، كما استمرت السلطة الفلسطينية في التنسيق الأمني مع الاحتلال لمنع استمرار التحركات، وخرج مسؤولون من السلطة يتحدثون عن بحجم العمليات التي أحبطوها، كما كشف عن لقاءات أمنية بين قادة إسرائيليين وآخرين فلسطينيين لتنسيق سبل القضاء على الانتفاضة. لكن على الرغم من انخفاض وتيرة العمليات في الربع الأول بشكل عام إلا أن "الخلايا" التي كشفت "إسرائيل" عن توقيفها في مرحلة الإعداد لتنفيذ عملية، وكذلك العمليات التي قالت السلطة إنها أحبطتها تدل على أن الانتفاضة كانت مستمرة، وأنّ المحاولات تكررت لتنفيذ عمليات ولكن لم تتمكّن من تخطّي الإجراءات الأمنية. وبينما تتعاون السلطة و"إسرائيل" على القضاء على أيّ مظهر للعمل المقاوم، كان الاحتلال مستمرًا في تثبيت مشروع التهويد في الأقصى وفي القدس بشكل عام.
إذًا، على مستوى التهويد الديني شهدت مدة الرصد استمرار الاحتلال في التركيز على استهداف كل ما يعزز الرباط في الأقصى لضمان اقتحامات هادئة للمستوطنين والحد من الاحتكاك بين المرابطين والمستوطنين والذي قد يتطور إلى تفجر الأوضاع في المسجد. وبالإضافة إلى استمرار العمل بـ "القائمة السوداء" ومنع عدد من المرابطين والمرابطات من دخول الأقصى، فقد استهدف الاحتلال قوافل ومنظمي رحلات الأقصى، وقد وسّعت دائرة الاستهداف لتطال الحركة الإسلامية-الجناح الجنوبي والضغط على ناشطيها لمنعهم من تنظيم الرحلات إلى القدس والصلاة في الأقصى. وبالإضافة إلى ذلك، استمرّت حملة ملاحقة المرابطات ومن ذلك اعتقال المرابطة سحر النتشة وكذلك هنادي حلواني التي أبلغتها الشرطة بإبعادها عن الأقصى ومداخله كافة لمدة 6 أشهر.
أما على مستوى البناء وتغيير هوية المسجد، فقد صوتت الحكومة الإسرائيلية لمصلحة إقامة مساحة للصلاة المشتركة لليهود عند حائط البراق في منطقة القصور الأموية إلى الجنوب من مساحة الصلاة الحالية. وقد زف رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو هذا القرار باعتباره الحل لمشكلة مطروحة منذ سنوات، من دون الالتفات إلى ما أثاره القرار من ردات فعل عربية وإسلامية. فتمسك نتنياهو بتنفيذ المشروع إلى أن أعلن في أواخر آذار/مارس أن المشروع تعترضه بعض الصعوبات، في إشارة إلى معارضة من الوزراء الحريديم في الائتلاف الحكومي، ولذلك يجمد تنفيذه بانتظار التوصل إلى تسوية. ولا تزال المفاوضات في الحكومة حول الموضوع جارية حيث أعلن وزراء "شاس" أنهم سيقبلون بالمساحة المشتركة إذا لم يُعتمَد مدخل مشترك للنساء والرجال.
كذلك استأنفت "سلطة تطوير القدس" وبلدية الاحتلال في القدس العمل في مشروع إنشاء قطار هوائي "تلفريك" يربط غرب القدس بشرقها ويمرّ فوق البلدة القديمة والمسجد الأقصى، فيما صادق "المجلس المحلي للتخطيط والبناء" في 23/3/2016 على مخطط بناء مجمع "كيدم" المنوي إقامته عند مدخل وادي حلوة بسلوان جنوب الأقصى. ويخدم هذا المشروع مخطط التمدد الاستيطاني في سلوان على تخوم الأقصى وطمس الهوية الإسلامية للمكان، ومن شأنه أن يعطي انطباعًا بأن المنطقة ما بين سلوان والبلدة القديمة هي منطقة يهودية، بالإضافة إلى أنّه لا يقيم أي وزن لمصلحة المقدسيين ويفرض عليهم كيانًا غريبًا عن هويتهم من شأنه أن يؤثر في نمط حياتهم باعتبار ما سيجرّه على المنطقة من حركة سيارات ومستوطنين.
وفي سياق متصل بالأقصى، شهدت مدة الرصد تفاعلات لمشروع الأردن نصب كاميرات مراقبة في المسجد الذي أعلن عنه في تشرين أول/أكتوبر 2015 ضمن اتفاق أردني-إسرائيلي رعاه وزير الخارجية الأميركي جون كيري لمحاولة السيطرة على الوضع عقب اندلاع انتفاضة القدس. ووفق وزير الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية الأردني هايل داود فإنّ الهدف من تركيب الكاميرات هو "توثيق الانتهاكات والاقتحامات التي تمارسها السّلطات الإسرائيليّة ضد المقدسات الإسلامية في القدس الشريف إضافة إلى عرض ما يجري من أحداث أمام أنظار العالم على مدار الساعة". إلا أنّ الأردن أعلن في نيسان/أبريل توقيف العمل بالمشروع بعد رفضه من الفلسطينيين لما له من محاذير وانعكاسات على المرابطين والمرابطات، مع الإشارة إلى أنّ الاقتحامات والاعتداءات على الأقصى وأهله موثقة من غير جهة، وحتى من المستوطنين أنفسهم.
أما على مستوى التهويد الديمغرافي، فقد شهدت الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2016 رصد الاحتلال المزيد من الخطط لتطوير البناء في المستوطنات. وفي موازاة ذلك برزت مواقف دولية معارضة للاستيطان، لا سيما من الأمم المتحدة ومن بريطانيا. فقد أودعت بلدية الاحتلال مخططًا هيكليًا لتوسيع مستوطنة "راموت" على حساب أراضي قرى لفتا وبيت إكسا وبيت حنينا باسم مشروع "منحدرات راموت" على حوالي 320 دونمًا بهدف إقامة 1435 وحدة استيطانية و240 وحدة خاصة، لتوسيع مستوطنة "راموت" غربًا باتجاه وادي بيت إكسا وجنوبًا باتجاه بيت لفتا. وتقدم حزب "إسرائيل بيتنا" الذي يتزعمه عضو "الكنيست" أفيغدور ليبرمان بمشروع قانون يتيح البناء في مستوطنة "معاليه أدوميم" التي لم يُبنَ فيها منذ عام 2009 سوى 185 وحدة، مما يحول دون اتساعها واستيعابها لمزيد من المستوطنين، وفق ليبرمان الذي قال إن بناء 2000 وحدة في المستوطنة يضمن انضمامه إلى الائتلاف الحكومي.
وبرزت خلال مدة الرصد مواقف دولية تعارض الاستيطان، حيث قال رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون إنّ حكومته تعارض الاستيطان وتعتبره غير قانوني. كما تبنى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في آذار/مارس قرارًا أدان النشاط الاستيطاني، ودعا إلى إعداد قاعدة بيانات تضم جميع مؤسسات الأعمال الضالعة في النشاطات في المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة، حيث تم اعتماد القرار بأغلبية 32 صوتًا فيما تغيّب 15 عضوًا ولم يعارض القرار أي طرف، وتنص قائمة الأمم المتحدة السوداء على إدانة المستوطنات، وعدم قانونيتها حسب تصنيفات القانون الدولي، كما تدعو الأمم المتحدة إلى الامتناع عن تقديم أي نوع من المساعدات للمستوطنات وتحذير الشركات ورجال الأعمال من الانخراط في مبادرات اقتصادية وصفقات تجاريّة معها. وتطال "القائمة السوداء" مختلف النشاطات التجارية والاقتصادية، ولا تقتصر على البناء في المستوطنات، وإنما تشمل أيضًا منع تزويد مواد البناء ومعدات البناء، ومنع تزويد معدات للمراقبة على الجدار الفاصل، وعتاد لهدم البيوت، وخدمات أو معدات حراسة، أو خدمات مالية ومصرفية لمساعدة المستوطنات، بما في ذلك قروض إسكان.
وعلى مستوى انتفاضة القدس، شهدت مدة الرصد استمرار التحالف بين الاحتلال والسلطة الفلسطينية للقضاء على الحراك الشعبي وأي عمليات مقاومة ضد الاحتلال. وتحدّث رئيس السلطة الفلسطينية في غير مناسبة عن التنسيق مع الاحتلال والعمليات التي أحبطها الأمن الفلسطيني وصدرت تصريحات مشابهة لمسؤولين آخرين في السلطة. وعلى المقلب الإسرائيلي، استمرت حكومة الاحتلال في مناقشة سبل القضاء التام على الانتفاضة فيما طلب نتنياهو إلى المستشار القانوني للحكومة إعداد رأي قانوني حول إمكانية إبعاد عائلات منفذي العمليات إلى غزة، كما أمر نتنياهو بوقف تسليم جثامين شهداء انتفاضة القدس خشية من استغلال التشييع للتحريض على الاحتلال. لكن على الرغم من إجراءات الاحتلال، أظهر استطلاع للرأي نفذه معهد العالم العربي للبحوث والتنمية "أوراد" ما بين 18 و22/3/2016 ونشرت نتائجه في 28/3/2016 ارتفاعًا في تأييد الانتفاضة بين صفوف الشبان الفلسطينيين –وهم الفئة العمرية الأكثر مشاركة في الانتفاضة- من 57% في كانون أول/ديسمبر 2015 إلى 67% موزّعين: 80% في غزة و59% في الضّفة. وهو ما يعني أن الفئة التي شاركت بشكل بارز في عمليات الانتفاضة منذ تشرين أول/أكتوبر 2015 لم تتأثر كثيرًا بإجراءات الاحتلال، أي أنّ احتمالات استمرار نشاطها المقاوم، أو محاولات تنفيذ عمليات، لا يزال قائمًا.
الوضع الميداني الذي خلّفته الانتفاضة على الأرض أقنع زعيم حزب العمل بأن القدس، لتكون موحدة، يجب أن يتم فصل الفلسطينيين عنها، ولذلك طرح مشروعه "الانفصال عن الفلسطينيين" في معهد الأمن القومي، ثم عرضه على وزير الخارجية الأمريكي والرئيس الفرنسي، ومن ثم أقره المؤتمر العام لحزب العمل، فيما وصف بأنه التغيير الأهم في سياسة الحزب منذ زمن. وقد قدمت الخطة إلى جانب استكمال بناء جدار الفصل، إخراج عدد كبير من القرى الفلسطينية عن القدس، وإعطاء السلطة صلاحيات مدنية محدودة.
وقد هدف هرتسوغ من الخطة إلى تقديم نفسه بديلًا عن نتنياهو، مع ظهور استطلاعات رأي جديدة تبيّن عن عدم رضى الناخب الإسرائيلي عن أداء الأخير، لذا قدم هرتسوغ صيغته من الحلّ عبر صيغة يمينية تطرح القدس كـ "مدينة يهودية"، والابتعاد عن الفلسطيني كعنصر مقلق قابل للانفجار في الهبّات المتكررة.
إذًا، عكست الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2016 استمرار المساعي الإسرائيلي للسيطرة على الأقصى مع محاولة تجنّب عوامل الانفجار فيه، كما استمرت سائر محاولاتها لتهويد القدس المحتلة. وعلى الرغم من انخفاض مؤشر العمليات التي تم تنفيذها في الربع الأول من العام، إلا أن ذلك الانخفاض لم يعنِ توقف الفلسطينيين عن محاولات تنفيذ عمليات كما لم تتوقف المواجهات في الأحياء، وإلقاء الحجارة على القطار الخفيف أو غير ذلك من مظاهر الحراك الشعبي. وتبقى احتمالات عودة العمليات، في ظل ما تقدم عن استمرار أعمال التهويد والاعتداءات على الأقصى، عالية لا سيما بعد عملية تفجير الباص التي نفذت في القدس في 18/4/2016، والتي أوحت بأن العمليات قد تدخل فصلاً جديدًا من المواجهة في كل مرة يمكن فيها تجاوز إجراءات الاحتلال وتنسيق السلطة.  

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.