القدس تطوي عام 2019 مثقلة بالاعتداءات ومتمسّكة بالمقاومة

تاريخ الإضافة الثلاثاء 31 كانون الأول 2019 - 2:53 م    عدد الزيارات 329    التعليقات 0     القسم مقالات

        


براءة درزي

باحثة في مؤسسة القدس الدولية

 

كان عام 2019 في القدس حافلاً بالاعتداءات الإسرائيليّة التي ينفّذها الاحتلال في إطار مسعاه إلى تهويد المدينة وإحكام السيطرة عليها، ليكرّسها "عاصمة للشعب اليهودي". ويحاول هذا المقال استعراض أبرز التّطورات التي شهدتها القدس على مستوى المشروع التهويدي، وأبرز ملامح التّفاعل معها في عام 2019، وسيناريوهات تشكّل المشهد في القدس عام 2020.

 

ففي سياق الاستيطان، كشف تقرير للاتحاد الأوروبي عن تقدّم العمل في بناء 5,800 وحدة جديدة في مراحل مختلفة من إجراءات التخطيط والتنفيذ في الضفة الغربية المحتلة، بما فيها شرق القدس، في النصف الأول من عام 2019؛ وقد شملت 1,153 وحدة في مستوطنات شرق القدس، و4,647 وحدة في مستوطنات باقي مناطق الضفة. فيما قالت الأمم المتحدة إنّ عدد الوحدات الاستيطانية التي قُدمت خططٌ لبنائها في الأراضي الفلسطينية، أو تمت الموافقة عليها في عام 2019، بلغ 10,000 وحدة مقارنة بنحو 6800 في كلّ من العامين الماضيين.

 

أمّا على مستوى الهدم، فتشير المعطيات إلى أنّ سلطات الاحتلال هدمت حتى آخر تشرين ثانٍ/نوفمبر 2019، ، مباشرة أو عبر الهدم الذاتي، 165 منزلاً ومنشأة في شرق القدس، من بينها مجزرة وادي الحمص في صور باهر؛ فيما يبلغ عدد المنازل المهددة بالهدم 18 ألف منزل، بذريعة عدم قانونيّتها.

 

وكان القطار الهوائي من أبرز المشاريع التّهويدية التي عمل الاحتلال على تحريكها في عام 2019، فقد وافقت لجنة الإسكان الإسرائيلية على مشروع القطار الهوائي المعدّ لنقل المستوطنين والسياح من غرب القدس إلى حائط البراق المحتل وهو مشروع يهدف إلى تغيير أفق القدس القديمة، ومن شأنه الإضرار بأهالي سلوان. لكنّ المخطّط أثار اعتراضات واسعة، من الفلسطينيين الرافضين لمخطّطات التهويد، ومن إسرائيليين يرون تداعيات سلبية على القدس، ومؤخرًا من الكنيسة الروسيّة التي قدّمت اعتراضًا شديدًا على المشروع الذي سيقام بالقرب من "دير الراهبات الروسيات" في عين كارم، أحد أشهر معالم القدس، وجاء في كتاب الاعتراض أنه "على الرغم من أن الدير مقام على مسافة 130 مترًا من حدود المشروع، فإنه لم يُسلَّم إلى الكنيسة أيّ تبليغ حوله، وهي اطّلعت عليه قبل أيام معدودة فقط".

 

وفي إطار استهداف الوجود الفلسطيني في القدس، أصدرت سلطات الاحتلال، في تشرين ثان/نوفمبر، قرارًا يقضي بإغلاق مؤسّسات وطنية عاملة في الشطر الشرقي من المدينة المحتلّة ستة أشهر، وذلك بذريعة قيامها بنشاطات تابعة للسّلطة الفلسطينية. وشملت الحملة مكاتب التربية والتعليم التابعة للأوقاف الإسلامية، والمسجد الرصاصي، والمركز الصحي العربي، ومكتب قناة فلسطين في القدس. في محاولة لتكون القطاعات الأساسية التعليم والإعلام والصحة بيد الاحتلال وقطع الطّريق على أيّ مؤسسة تقدّم الرّواية الفلسطينية. وكان الاحتلال أغلق في وقت سابق من العام جمعية برج اللقلق، ومدرسة خليل السكاكيني.

 

في الأقصى استمرّت محاولات الاحتلال تغيير الوضع القائم في المسجد، وكان التركيز على باب الرحمة بعدما تمكّن المقدسيون من فتحه والصلاة فيه بعد إغلاق استمرّ 16 عامًا واستمرّت الاقتحامات ومنها اقتحامات العشر الأواخر من شهر رمضان واقتحام عيد الأضحى بذريعة الأعياد العبرية. وفي إطار المشاريع التهويدية، افتتح الاحتلال نفق "طريق الحجاج" الممتدّ بين بركة سلوان التاريخية، وباحة حائط البراق؛ وقد شارك في الافتتاح ديفيد فريدمان، السفير الأمريكي لدى الاحتلال، وجيسون غرينبلات، الموفد الأميركي الخاص إلى الشرق الأوسط، إلى جانب عدد من أعضاء "الكنيست". واستمرت إلى آخر عام 2019 محاولات الاحتلال الحثيثة لتقويض النصر الذي حققه المقدسيون وفلسطيينو الـ48 في هبة باب الرحمة عندما فتحوا المبنى المغلق من قبل الشرطة منذ عام 2003 بزعم تطبيق قرار صادر عن محكمة الاحتلال، وأدوا فيه صلاة الجمعة لأول مرة منذ 16 عامًا في 2019/2/22.

 

المستوى العربي والإسلامي لم تكن المواقف مفاجئة، فهي في حدّها الأدنى عاجزة عن تشكيل قوة تقف في وجه الاعتداءات الإسرائيلية في الوقت الذي لا يجد عدد من هذه الدول حرجًا في التنسيق مع دولة الاحتلال والتحالف معها بذريعة أنّها جزء من المنطقة. ولذلك، فإنّ القمم التي عقدت العام الماضي إن على مستوى جامعة الدول العربية أو منظّمة التعاون الإسلامي أكّدت مركزية القضية الفلسطينية لتبقى هذه التأكيدات في إطار البيانات، أمّا الواقع على الأرض فهو اتجاه عدد من الدول المنضوية تحت مظلّة الجامعة والمنظّمة إلى مزيد من التطبيع مع الاحتلال والتصريح حول أهمية العلاقات معها انطلاقًا من أنّها "دولة موجودة في المنطقة" وأنّ ثمّة مصالح مشتركة معها. وبصرف النظر عن الدّول المشجعة على التطبيع والسائرة في ركبه، فإنّ المستفيد الأول من هذا الاتجاه، وربما الوحيد، هو الاحتلال إذ إنّ فيه تبييضًا لجرائمه ودليلاً على أنّ المطبّعين لا يكترثون بالجرائم التي ينفذها الاحتلال بحقّ الفلسطينيّين والأرض والمقدّسات.

 

على المستوى الأمريكي استمرت الحملة الداعمة للرؤية الإسرائيلية، فصوّتت الولايات المتحدة في الأمم المتحدة ضدّ تمديد ولاية الأونروا، وأعلن وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو أنّ واشنطن لا ترى مبرّرًا للقول إنّ الاستيطان مخالف للقانون الدولي، فيما أعلن ترامب اعتراف إدارته بالسيادة الإسرائيلية على الجولان السّوري المحتل. وفي المقابل، تمسّك الاتحاد الأوروبي بموفقه الرافض للاستيطان، والداعي إلى دولتين على حدود عام 1967 على أن تكون "القدس الشرقية" عاصمة للدولة الفلسطينية، ورفض نقل الدول سفاراتها إلى القدس، لكن ظلّ موقفها ضعيف الأثر إذ إنّه يبقى في إطار السّعي إلى احترام القانون الدولي من دون أن يقترن بما يعزّزه على الأرض.

 

تطوران مهمّان شهدهما عام 2019 على صعيد المشروع المواجه للمشروع التّهويدي: الأول يضمّ الإنجاز الذي حقّقه المقدسيون في هبّة باب الرحمة، والذي يجسّد تأكيد التمسك الفلسطيني بالمقاومة وأنّ الأقصى في قلب العوامل التي يمكن أن تدفع إلى التحرك الشعبي في القدس، إضافة إلى مسيرات العودة التي انطلقت في غـزّة في 2018/3/31. والأمر الآخر هو إعلان فاتو بنسودا، مدّعية المحكمة الجنائية، عن عزمها فتح تحقيق رسمي في "جرائم حرب ارتكبت" في فلسطين، وهو الأمر الذي أثار قلقًا لدى قادة الاحتلال.

 

ما الذي يمكن أن يحمله عام 2020 من تطوّرات للقدس؟

مشروع تهويد القدس ثابتًا في التّعاطي الإسرائيلي مع المدينة المحتلّة، ولكنّ هذا المشروع يمكن أن تؤثّر في وتيرته عوامل خارجيّة، فتقيّده أو تدفعه صعودًا. وعليه، فإنّ الحديث ليس في أصل مشروع التهويد الذي تتمسّك به دولة الاحتلال على أنّه جزء من عقيدتها، بل في وتيرته المفترضة في عام 2020. ففي ضوء المعطيات المتوافرة، يمكن القول إنّ دولة الاحتلال التي تستفيد من التطبيع مع عدد من الدول العربية لتبييض جرائمها، ومن التردّد الأوروبي والدعم الأمريكي، ستحاول الاستفادة القصوى من هذه العوامل، لكنّها قد تجد نفسها مضطرة لفرملة اندفاعتها على بعض الجبهات، والأرجح أنّ يكون موضوع الخان الأحمر مستبعدًا من دائرة التّنفيذ هذا العام، بانتظار ما ستؤول إليه التطورات في الجنائيّة الدّولية. أمّا القطار الهوائي، فعلى الرغم من الدفع به إلى الواجهة عام 2019، فإنّ إمكانيّة رفعه إلى اللجنة اللوائية عام 2020 مرتبطة بإمكانية تجاوز الاعتراضات الإسرائيليّة، واعتراضات الكنيسة الرّوسيّة التي أثيرت مؤخّرًا. وفي عموم المشهد، فإنّ حضور المقاومة الشعبية يظلّ من العوامل المرجّحة لعرقلة مشروع التهويد، لا سيّما في الأقصى، مع الإشارة إلى أنّ الاحتلال يدرك أنّ وتيرة العمليات التي استهدفته عام 2019 انخفضت مقارنة بعام 2018 لكنّ الأسباب التي تدفع الفلسطينيين إلى تنفيذها لا تزال قائمة، والحلّ هو عبر تكثيف الإجراءات الاستخبارية والأمنيّة، وفق ما تراه سلطات الاحتلال.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

ما تداعيات الاحتلال على الوجود المسيحي في القدس؟

التالي

خلفيّات التصعيد الإسرائيلي في باب الرحمة وضرورة مواجهته

مقالات متعلّقة

براءة درزي

عن "إقامة الصلاة" في باب الرحمة..

الثلاثاء 14 كانون الثاني 2020 - 4:24 م

حملة محمومة من الاعتداءات شنّها الاحتلال منذ مطلع عام 2020 في باب الرحمة: اقتحام للمصلى، واعتداءات على المصلين بالضرب والسّحل، واعتقالات بالجملة، وقرارات بالإبعاد؛ وذلك في سياق متّصل باعتداءاته التي ب… تتمة »

علي ابراهيم

كيف أحرّر بيت المقدس 1

الإثنين 13 كانون الثاني 2020 - 7:46 م

أن أعرفها عن قُربيشكل تحرير بيت المقدس من الاحتلال الإسرائيلي غايةً سامية لكل غيورٍ من أبناء الأمة من المحيط إلى الخليج، فالقدس مهوى القلوب والأفئدة، أرض الإسراء ومحضن الأنبياء، وهي وصية الرسول  وأما… تتمة »