"إعلان بومبيو" حول الاستيطان: عن السّياق والتّوقيت والدلالات

تاريخ الإضافة الثلاثاء 19 تشرين الثاني 2019 - 4:01 م    عدد الزيارات 440    التعليقات 0     القسم مقالات

        


براءة درزي

باحثة في مؤسسة القدس الدولية

أعلن وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، أمس الإثنين، أنّ واشنطن "لم تعد تعتبر المستوطنات الإسرائيلية متعارضة مع القانون الدولي"، وأضاف أنّ هذا القرار "لا يتطرق إلى الوضع النهائي للضفة الغربية"، الذي "سيحدّده الإسرائيليون والفلسطينيون عبر المفاوضات". وقال بومبيو إنّ "تصنيف إقامة مستوطنات مدنية على أنّه يتعارض مع القانون الدولي لم يدعم قضية السلام [...] الحقيقة الصعبة هي أنه لن يكون هناك أي حل قضائي للنّزاع، والحجج حول من هو على حق ومن هو الخطأ من حيث القانون الدولي، لن تحقّق السّلام". وبذلك، تنقلب إدارة ترامب على الموقف القانوني للخارجية الأمريكية منذ عام 1978 الذي ينصّ على مخالفة الاستيطان للقانون الدولي.

 

وعلى أثر هذا الإعلان أصدرت السفارة الأمريكية في "إسرائيل" تحذيرًا إلى رعاياها الموجودين في القدس أو الضفة أو غزة أو يعتزمون السفر إليها بوجوب التحلي بدرجة كبيرة من اليقظة، واتخاذ الخطوات الملائمة لزيادة الوعي الأمني في ضوء الوضع الراهن. وقال البيان إنّ معارضين للإعلان الأمريكي حول الاستيطان من أفراد أو جماعات يمكن أن يستهدفوا منشآت حكومية أمريكية أو مصالح خاصة؛ الأمر الذي يؤكّد أنّ واشنطن تدرك أنّ هذا القرار يمكن أن تكون له تبعات وارتدادات.

 

القرار كجزء من سياسة ترامب حيال القضية الفلسطينية

ليس الإعلان ذاته مفاجئًا للمتابعين للسّياسة الأمريكية التي تبنّاها ترامب حيال القضيّة الفلسطينية، بل هو يأتي في سياق توجّهات الإدارة الحاليّة التي تنحاز صراحة ومن دون مداراة إلى الاحتلال الإسرائيلي وتتبنّى روايته. وقد عّبّرت عن هذه التوجهات سلسلة من القرارات بدأت في كانون أول/ديسمبر 2017، مع إعلان الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال، وقرارات استهداف الأونروا وحق العودة واللاجئين، وإعلان ترامب في آذار/مارس 2019 الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان السوري المحتل، وغير ذلك من القرارات. ويضاف إليها تصريحات صدرت عن السفير الأميركي لدى دولة الاحتلال ديفيد فريدمان في حزيران/يونيو 2019، قال فيها إنّه "من حقّ إسرائيل ضمّ أجزاء من الضفة الغربية".

 

توقيت القرار

يأتي هذا القرار، الذي وضعه بومبيو في إطار السعي الأمريكي إلى تحقيق السلام، في الوقت الذي يتخبّط فيه كل من ترامب ونتنياهو في مشاكلهما الداخلية، فالأوّل يواجه محاولات لعزله، ومن الممكن أنّه يواجه ضغوطًا من الإيفانجيليين ومن الحزب الجمهوري لاتخاذ مثل هذا القرار، لا سيّما بعد تعثّر طرح صفقة القرن وتأجيل الإعلان عنها إلى أجل غير مسمّى. أمّا نتنياهو فهو يحاول تفادي سيناريو يخرجه من رئاسة الحكومة وينزع عنه حصانة يحتاج إليها في مواجهة محاكمته بشبهات حول الفساد قد تنتهي به في السجن.

 

ويأتي القرار بعد أقلّ من أسبوع على قرار محكمة العدل الأوروبية، أعلى هيئة قضائية في الاتحاد الأوروبي، بإلزام الدول الأعضاء في الاتحاد بوضع ملصق "منتج مستوطنات" وليس "صنع في إسرائيل" على السلع المنتجة في المستوطنات، وقد صدر هذا القرار في 2019/11/12، وقالت المفوضية الأوروبية إنّه "أمر قانوني"، و"يتعلّق بالشفافية وضرورة عدم تضليل المستهلكين" في حين دعت دولة الاحتلال إلى تجاهله ووصف وزير الخارجية، يسرائيل كاتس، بأنّه "مرفوض أخلاقيًا". وهنا، يمكن وضع القرار الأمريكي في سياق التخفيف من وطأة القرار الأوروبي بالنسبة إلة "إسرائيل".

 

دلالات القرار وآثاره

تغيّر الولايات المتحدة القانون الدولي إن اعترفت بشرعيّة المستوطنات، تمامًا كما لن تصبح القدس عاصمة "إسرائيل" أو الجولان جزءًا من السيادة الإسرائيلية وإن قررت إدارة ترامب الاعتراف بذلك. ولكن هذه السياسة تعكس تصرّف الإدارة الأمريكية من منطلق أنّها تحكم العالم، وهو يخضع لتوجهاتها وإملاءاتها، لا سيّما منها التي تخدم الرواية والمصلحة الإسرائيلية.

 

لكن، حتى وإن كانت هذه القرارات ذات بعد معنوي أكثر مما هي قرارات قادرة على إحداث تغييرات فعليّة وفوريّة في القانون الدولي، إلا أنّها تسهم في إعطاء دفعة إضافية لـ "إسرائيل" لتعزيز قبضتها على الأرض المحتلّة، وللمضيّ في مزيد من سياسات التهويد، والاستيطان.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

ما وراء إعلان شرطة الاحتلال عن وظيفة "مستكشفين" في الأقصى؟

التالي

الاحتلال مُستغرِق في اعتداءاته والعرب غارِقـون في التطبيع!

مقالات متعلّقة

تغول الاستيطان الإسرائيلي بين الدعم الأمريكي والمواقف العاجزة

 الخميس 12 كانون الأول 2019 - 5:34 م

تعرّف على الخطوات الأمريكية، وكيف كان الرد الشعبي عليها؟

 الثلاثاء 10 كانون الأول 2019 - 2:26 م

الفصل الثالث| عين على الأقصى 2019

 الإثنين 9 كانون الأول 2019 - 3:46 م

تخريب أفق القدس

 الأربعاء 4 كانون الأول 2019 - 3:52 م

الفصل الثاني| عين على الأقصى 2019

 السبت 30 تشرين الثاني 2019 - 4:35 م

الفصل الأول| عين على الأقصى 2019

 الإثنين 25 تشرين الثاني 2019 - 1:27 م

شذرات من الحركة العلمية في القدس إبان العصور الإسلامية

 الخميس 14 تشرين الثاني 2019 - 3:09 م

الأونروا في شرق القدس

 الأربعاء 13 تشرين الثاني 2019 - 5:10 م

 

للاطلاع على أرشيف إصدارات المؤسسة، اضغط هنا 

براءة درزي

بأيدينا نعيد القدس!

الخميس 5 كانون الأول 2019 - 1:22 م

ترزح القدس اليوم تحت الاحتلال الإسرائيلي الذي يعمل على أن يزوّر تاريخ المدينة، وإعادة صياغة حاضرها، ليكون مستقبلها متوافقًا مع روايته، التي تلغي وجودًا عربيًا وإسلاميًا ضاربًا في عمق التاريخ، مستندة إ… تتمة »

براءة درزي

بلال وبهاء.. السّابقون على طريق الأقصى

الأحد 13 تشرين الأول 2019 - 12:11 م

 لم يكن العرس الفلسطيني الذي خرج الشابان بلال أبو غانم وبهاء عليان لعزف أنغام أهازيجه كأيّ عرس آخر. فبعد أسبوعين من انطلاق انتفاضة القدس، امتشق بلال وبهاء سكينًا ومسدسًا وأخبر كلٌ منهما والدته أنّه ذا… تتمة »