باسل الأعرج: السّائر على بصيرة

تاريخ الإضافة الأربعاء 6 آذار 2019 - 8:54 ص    عدد الزيارات 1709    التعليقات 0     القسم تدوينات

        


براءة درزي

باحثة في مؤسسة القدس الدولية

سنتان مرّتا منذ استشهاد باسل الأعرج، ابن قرية الولجة قضاء القدس، بعد مواجهة مع قوات الاحتلال في شقّة في البيرة برام الله كان اختفى فيها بعدما بات مطاردًا من السلطات الإسرائيلية التي أرادته أسيرًا أو شهيدًا، وهو إذ رفض الأسر فقد استقبل الشهادة بعدما قاوم عدوّه حتى الطّلقة الأخيرة. باسل، الذي اعتقلته الأجهزة الأمنيّة التابعة للسلطة الفلسطينية في آب/أغسطس 2016 مع خمسة من صحبه على خلفيّة التحضير لاستهداف الاحتلال، أدرك أنّ خروجه من أقبية التعذيب الفلسطينية وضعه أمام مفترق طرق: إمّا الاستسلام والتخلّي عن مشروعه المقاوم لينجو من ملاحقة الاحتلال، أو الاستمرار في الخطّ الذي نظّر له على مدى سنوات، فاختار أن ينهي مسيرته بالشّعار الذي اعتنقه وردّده: "هيهات منّا الذلّة".

خاض باسل في حياته معركة نشر الوعي حول القضيّة الفلسطينية، وركّز على أهمّية النضال والمقاومة ضدّ الاحتلال، وفي حين رفض الحديث عن الفلسطيني كضحيّة لإثبات أنّه لا يشكّل خطرًا فإنّه لم يقع فريسة "وهم اليسار الإسرائيلي المتضامن"، وأدرك أنّ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ليس صراعًا بين فلسطينيين وإسرائيليين، أو بين عرب ويهود، إذ "ستجد في كل من المعسكرين أناسًا من كافّة الأديان واللغات والعرقيات والإثنيات والألوان والطبقات، فستجد مثلاً في هذا الصراع أناسًا من أبناء جلدتنا يقفون وبكلّ فظاظة في المعسكر الآخر، وفي نفس الوقت ستجد يهودًا يقفون في معسكرنا"، لكن من دون أن يعني ذلك الانجرار وراء ما يبدو في ظاهره تضامنًا مع الفلسطينيين من قبل من يسمّون اليسار في دولة الاحتلال، فيما حقيقة هذا التضامن تضليل ودسّ للسمّ في العسل.

أدرك باسل الطريق إذ إنّ "كلّ من لا يضع فلسطين كقضيته المركزية ولا يضع العدوّ الصهيوني كتناقض رئيسي أنبئكم بأنّه سيضلّ الطريق وسيضرّ القضايا التي ينحاز لها وسيضرّ قضيّته"، وجمال فلسطين بالنسبة إليه يكمن في أنّها "منحتني جوابي في البحث عن المعنى وهي من أجابت عن أسئلتي الوجودية وتمنحني مبرر وجودي وتعالج قلقي الدائم". وفي الوصية "المختصرة السّريعة المختزلة" التي تركها قال: "لَكم من الصعب أن تكتب وصيتك، ومنذ سنين انقضت وأنا أتأمّل كلّ وصايا الشهداء التي كتبوها، لطالما حيّرتني تلك الوصايا، مختصرة سريعة مختزلة فاقدة للبلاغة ولا تشفي غليلنا في البحث عن أسئلة الشهادة. وأنا الآن أسير إلى حتفي راضيًا مقتنعًا وجدت أجوبتي، يا ويلي ما أحمقني وهل هناك أبلغ وأفصح من فعل الشهيد".

توّجت شهادةُ باسل، وهو دعا الله أن يلاقيه "بقلب سليم مقبل غير مدبر بإخلاص بلا ذرة رياء"، سنواتٍ من العمل من أجل فلسطين، فكانت شهادته فعلاً أصدق قوله وما نظّر له حول فلسطين، والمقاومة، والتحرير. لم يعش باسل مثقفًا وحسب بل عاش مثقفًا مشتبكًا، ولم يرحل شهيدًا وحسب، بل رحل شهيدًا على بصيرة، أمّا الوعي الذي زرعه في حياته فحصده شهادة لا تليق إلا بالمثقّف المشتبك.

مقالات متعلّقة

علي ابراهيم

خمسون عامًا على الجريمة.. والأقصى حيٌّ فينا

الثلاثاء 20 آب 2019 - 4:48 م

كثيرةٌ هي المشاهد التي تؤثر بك تأثيرًا شديدًا، وتغير في كنهك أمرًا صغيرًا لا تدركه، ولكنه عميق الأثر، غائر المعنى.. وكثيرة أيضًا تلك الأسئلة البسيطة الساذجة ولكنها وفي ثوب البساطة تزخر بأعظم المعاني، … تتمة »

علي ابراهيم

حكايا المطبعين

الجمعة 28 حزيران 2019 - 3:07 م

عمل المؤرخ الكبير أبو الفضل محمد بن النهروان على تأريخ الأحداث في منطقتنا العربية، فكان يتطرق للموضوعات حينًا وما جرى بها، ويتناول الأحداث أحيانًا أخرى ويربطها بسياقاتها ونتائجها، ومما تناول مؤرخنا ال… تتمة »