التطبيع الرياضي مع الاحتلال: كأس مرّة للقضية الفلسطينية!

تاريخ الإضافة الإثنين 3 كانون الأول 2018 - 2:24 م    عدد الزيارات 242    التعليقات 0     القسم مقالات

        


براءة درزي

باحثة في مؤسسة القدس الدولية

لم تكن تطوّرات التّطبيع الرياضي التي زخرت بها الأشهر القليلة الماضية، لا سيّما شهري تشرين أول/أكتوبر وتشرين ثانٍ/نوفمبر، بالأمر المستجدّ في سياق التطور الذي طرأ على علاقة بعض الدول العربية مع دولة الاحتلال، والاتّجاه الواضح إلى إخراج العلاقات بين الجهتين من السرّ إلى العلن، وهو اتّجاه تعزّز مع طروحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لتصفية القضية الفلسطينية، ضمن ما اصطلح على تسميته بـ "صفقة القرن". ومن خطورة التطبيع أنّه يساهم في تمييع القضيّة الفلسطينية وتحويلها إلى ملف خاضع لضرورات عدم التشويش على العلاقة "الطّيّبة" بين العرب المطبّعين ودولة الاحتلال، وما يعنيه ذلك من إلغاء الحقّ الفلسطيني، تحت عنوان السّلام المحكوم بالمصالح التجارية والاقتصادية والسياسية، بدءًا من نظام السادات واتفاقية كامب ديفيد، مرورًا بمنظّمة التحرير واتفاقية أوسلو، وصولاً إلى الأردن ومعاهدة السلام المعروفة باتفاقية وادي عربة، والعلاقات بين عدد من دول الخليج و"إسرائيل".

وقد تطور التطبيع الرياضي من مرحلة استقبال اللاعبين الإسرائيليين في بعض الدول العربية، والسماح بمشاركتهم في الفعاليات الرياضية إلى استقبالهم بحفاوة، والسماح بحضور رموز الاحتلال، أي العلم والنشيد الوطني، في مطارات هذه الدول وفي الملاعب. سوّق ذلك تحت باب الالتزام بشروط الجهات الدولية التي تنظّم هذه البطولات الدولية، فقد أعلن الاتحاد الدولي للجودو في تموز/يوليو 2018 عن إلغاء المباريات في الإمارات في حال عدم تقديمها ضمانات بالسماح برفع العلم الإسرائيلي وعزف النشيد الوطني، إذ إنّ الاتحاد "ملتزم بالمبادئ المعنوية للجودو، للمساهمة الفعالة في تحقيق السلام بين الشعوب والأعراق. كذلك، علّق الاتحاد دورة دوليّة في تونس، تقام في كانون ثانٍ/يناير من كل عام، وجاء في البيان "من أجل اتخاذ موقف حازم وبناء في مجال مكافحة التمييز في الرياضة، قرّر الاتحاد تعليق اثنين من أنشطته، أي غراند سلام أبو ظبي والجائزة الكبرى لتونس".

ولعل الأكثر فرحًا بهذا الوجه من التطبيع تحديدًا هو دولة الاحتلال التي تدرك أنّ طريق الرياضة هو سبيلها إلى الوعي الشعبي، وكسر حدة الموقف الشعبي الرافض للاحتلال والتطبيع معه. ولم تخفِ ميري ريغيف، وزيرة الثقافة والرّياضة في حكومة الاحتلال، سعادتها بما آل إليه مسار التطبيع مع الاحتلال إذ نجحت جهودها في الدفع باتّجاه إظهار الرموز الإسرائيلية، العلم والنشيد الوطني، في دول عربية لا تربطها بها علاقات دبلوماسية معلنة، وستستضيف "إسرائيل" بطولة الجودو في 2019 و2020، بعدما وقّعت في الإمارات اتفاقًا بهذا الصدد مع رئيس الاتحاد الدولي للجودو. وقد صدرت العديد من التصريحات عن مسؤولين إسرائيليين يمكن قراءتها كرسائل موجهة بالدرجة الأولى إلى الفلسطينيين: العرب تخلّوا عنكم، ولم يبق سواكم في الميدان، فلا جدوى من مقارعة الاحتلال، ولا بدّ للفلسطينيين من الانضمام في نهاية المطاف إلى ركب التطبيع، والقبول بسلام تمهّد له "إسرائيل" بالرياضة والسياسة.

ومن الممكن القول إنّ سعادة الاحتلال بالتطبيع الرياضي لا تقتصر على رفع العلم وعزف النشيد في دولة عربية، بل تتعدّى ذلك إلى الحفاوة التي لقيتها الوفود الإسرائيلية، لا سيّما الوزيرة ريغيف التي كانت لها جولة في الإمارات من ضمنها زيارة إلى مسجد محمد بن زايد، فيما هي إحدى الشخصيات السياسية التي تحرص على اقتحام المسجد الأقصى، وكانت وصفت الأذان بصراخ كلاب محمد. وكان "كرم الضيافة العربية" دليلًا على أنّ المضيفين لم يستقبلوا اللاعبين الإسرائيليين ورموزهم انسجامًا مع قوانين الجهات الدولية المنظّمة للفعاليات وحسب، بل ذهبوا أبعد من ذلك حتى يمكن القول إنّ المصافحات والضحكات بين المسؤولين العرب والإسرائيليين تدفع إلى التّساؤل: أليست "إسرائيل" معتدية ومجرمة بنظر هؤلاء؟

المسؤولون الإسرائيليون أنّ مقاطعتهم، على المستويات السياسية والرياضية والثقافية والاقتصادية، من شأنها أن تلحق ضررًا كبيرًا بدولة الاحتلال عبر إبرازها ككيان غير طبيعي ثمّة أمور تمنع إقامة علاقات طبيعية معه، وهو احتلاله المستمرّ للأراضي الفلسطينية، والجولان السوري، ومزارع شبعا اللبنانية، وجرائمه التي يرتكبها على نحو واسع ضدّ الفلسطينيين. وعلاوة على ذلك، يعي قادة الاحتلال أنّه حتى إن حازوا تجاوبًا عربيًا رسميًا على مستوى التطبيع والاتفاق على تصفية القضيّة الفلسطينية، أو الوصول إلى سلام من دون حلّ، فإنّ الموقف الشعبي يبقى عائقًا يحول دون تطبيع كامل للعلاقات؛ ومن المفيد هنا الإشارة إلى أنّ 87% من العرب يرفضون اعتراف بلدانهم بالاحتلال الإسرائيلي، وفق نتائج استطلاع المؤشر العربي لعام 2017-2018، ما يعني أنّ هذا الموقف يبقى أحد عوامل الأمان بالنسبة إلى القضية الفلسطينية.

يمكن تشبيه التّطبيع الرياضي مع الاحتلال بحصان طروادة الذي يساعد الاحتلال على التغلغل في الأوساط الشعبية، وترويض العقل الشعبي على تقبّل الاحتلال بعد أنسنته بالرياضة، وما يجري على هامشها من تسويق للاحتلال ورموزه حتى يبدو كدولة طبيعية، في حين أنّه لا يعدو كونه كيانّا غاصبًا قام على قتل الفلسطينيين وسرقة أراضيهم. وبطبيعة الحال، لا يمكن تجزئة مواجهة التطبيع، بل إنّ التطبيع منظومة متكاملة تطال السياسة والاقتصاد والرياضة والثقافة، وأي باب يتاح للاحتلال أن يتسرّب منه، ولذلك من المهمّ أن تكون المواجهة شاملة الصعد كافّة لمنع الاحتلال والمتحمّسين للتطبيع معه، من تحقيق أهدافهم. ولا بدّ من الالتفات في بداية مواجهة التطبيع وختامها أنّ العدو الأوحد للقضية الفلسطينية هو دولة الاحتلال، ما يعني ضرورة الوعي إلى عدم الانسياق إلى التحالف مع الاحتلال والاصطفاف معه تحت مسمّيات مواجهة المخاطر الأمنية والتهديدات الخارجية، فيما المخاطر والتهديدات في المنطقة مصدرها "إسرائيل". ومن الأهمّية بمكان تعزيز الرفض الشعبي للتطبيع وكل أوجه التعامل مع الاحتلال، والضغط على الحكومات لوقف التطبيع مع الاحتلال على المستويات كافة. كذلك، لا يمكن إغفال الدور الذي ينبغي أن يلعبه الإعلام في تسليط الضوء على التطبيع ومخاطره وارتداداته على القضية الفلسطينية، وضرورة تكثيف البرامج والحملات الإعلامية التي توضح مخاطر التطبيع، مع طرح البدائل وطرق المواجهة

وختام القول مع ما يروى عن الشهيد باسل الأعرج، إذ قال: "لا تعتَدْ رؤيةَ الصهيوني، حتى لا تألفها عينك قبل عقلك، بل افعل ما يفعله أبناء غزّة حينما يشاهدون صهيونيًا، يركضون باحثين عن حجرٍ لرجمه به"؛ وكفى بذلك نهجًا ودستورًا.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

مصارحات في مسألة التطبيع !

التالي

كيف تشكلت"منظمات المعبد" أخطر أدوات تهويد الأقصى؟

مقالات متعلّقة

علي ابراهيم

السالكون في طريق الشهادة

الخميس 13 كانون الأول 2018 - 4:45 م

هناك على هذه الأرض المباركة تشتعل معركةٌ من نوع آخر، معركة صبرٍ وثبات وعقيدة، معركة تشكل إرادة المواجهة عنوانها الأسمى والأمثل. فكسر القواعد المفروضة وتغيير الواقع المفروض عليهم، هي أبرز التجليات لأفع… تتمة »