بأيدينا نبني مستوطنات تهوّد أرضنا.. وبأيدينا نبني جدار سجننا!! فمـــن المســـؤول عـــن ذلـــك؟!

تاريخ الإضافة الثلاثاء 8 تموز 2008 - 12:47 م    عدد الزيارات 3957    التعليقات 0     القسم

        



في الانتفاضة الأولى عندما صدر بيانٌ عن القيادة الوطنية الموحّدة آنذاك يطلب من العمّال الفلسطينيين الامتناع عن العمل في المصانع والورش "الإسرائيلية"... علّقت في حينه على هذا المطلب خلال مقالٍ بما مضمونه أنّ القيادة الموحّدة كان يجب قبل أنْ تصدر مثل هذا القرار أنْ توفّر الأعمال لهؤلاء العمّال ليستطيعوا توفير لقمة العيش لهم ولأطفالهم ولعائلاتهم.. وكم كان استغرابنا كبيراً عندما أصبح السماح للعمّال بالتوجّه إلى أماكن عملهم في "إسرائيل" مطلباً فلسطينياً في الانتفاضة الثانية بعد أنْ منعت سلطات الاحتلال العمّال الفلسطينيين من الدخول إلى المناطق "الإسرائيلية".. بل وسارعوا إلى إيجاد بدائل لهم تمّ استيرادهم من الخارج..

 

غريبٌ وعجيب أمرنا.. فبعد أوسلو وعودة السلطة من الخارج تأمّلنا خيراً وقلنا إنّ فرص العمل ستوفّر للعمّال الفلسطينيين من خلال ورش عمل ستقام لاستيعابهم ولبناء اقتصادنا الوطني الفلسطينيّ، ولكن وللأسف وبدلاً من ذلك وجدنا أنّ المستثمرين الذين توافدوا إلى الأراضي الفلسطينية لاستثمار أموالهم في مشاريع حيوية لم يصمدوا طويلاً، فأخذوا أموالهم وعادوا من حيث أتوا بعد أنْ واجهوا صعوبات كبيرة في إقامة مثل تلك المشاريع، وبالتالي صدق المثل القائل "تيتي تيتي مثل ما رحتي مثل ما جيتي"، فلا مشاريع أقيمت ولا عمّال تم استيعابهم ليظلّوا يستعطفون السلطات "الإسرائيلية" لمنحهم تصاريح للعمل في المشاريع "الإسرائيلية".. وكم هو مؤلمٌ منظر هؤلاء العمّال وهم يقفون في صفوف طويلة على الحواجز والمعابر في انتظار أنْ يتمّ السماح لهم للتوجّه للعمل ليستطيعوا توفير لقمة العيش لعائلاتهم، التي وبعد فترة طويلة من البطالة والمنع لم تعدْ متوفّرة مما أدّى إلى استفحال حالات الفقر والجوع فيما بين أبناء شعبنا.. لذلك فلم يجدْ العمّال بُداً من القبول بأيّ عملٍ يُعرَض عليهم حتى وإنْ كان ذلك في بناء المستوطنات وحتى جدار الفصل العنصري، فهم بين ناريْن: إما موت أطفالهم جوعاً وعطشاً أو القبول بالعمل في تلك المستوطنات وذاك الجدار الذي حتى هم أنفسهم -أي العمّال- يطالبون بإزالته رغم أنّهم هم من يقومون ببنائه.. بمعنى آخر يساهمون مُجبَرين في تهويد القدس ومناطقنا العربية وفي بناء السجن الكبير الذي وجد المواطن الفلسطيني نفسه فيه مع كل مترٍ يرتفع فيه الجدار ليفصل مناطقنا عن بعضها البعض ويحوّل كلّ منطقة إلى سجنٍ لا يسمح الدخول والخروج إليها إلا بأمرٍ من سلطات الاحتلال..

 

فمن الذي أوصل هؤلاء العمال إلى هذين الخيارين؟! ومن هو المسؤول عن ذلك؟! هل نلوم هؤلاء على بحثهم عن لقمة العيش؟! أم نلوم منْ لم يسارعوا إلى إيجاد البدائل لهؤلاء العمّال من الأعمال التـي تجنّبهم الوقوع في فخ بناء المستوطنات والجدار، بل في فخّ الصراع ما بين لقمة العيش وما بين المساهمة التي أُجبِروا عليها في تهويد وطنهم وسلب أراضيهم والتسبب في سجنهم، فالجوع كافر يا إخوان..

 

إنّه لتناقضٌ كبير ولن نقول إنّه من سخرية القدر بل هو نتيجة لعدم دراسة الأوضاع الفلسطينية جيداً وعدم القيام بمشاريع حتى ولو ورش عمل صغيرة تستوعب هؤلاء العمال بدل أنْ يتم تركهم يعيشون في صراعات مع أنفسهم.. نحن لا ننكر هنا أنّ الاحتلال ساهم أيضاً في وصولنا كفلسطينيين إلى مثل هذا الوضع، ورغم ذلك فهذا لا ينفي المسؤولية عن المسؤولين الفلسطينيين الذين رغم إدراكهم أنّ الاحتلال ومنذ وطأت أقدامه أراضينا الفلسطينية كان يهدف إلى اعتماد اقتصادنا كلياً على الاقتصاد "الإسرائيلي" ليتحكّم بنا كما يشاء، فإنّهم لم يعملوا بصورة كافية إلى محاولة فك ارتباطنا الاقتصادي ولو جزئياً عن الاقتصاد "الإسرائيلي".. كان من واجبهم تشجيع المستثمرين الفلسطينيين وحتى العرب الذين جاؤوا بعد أوسلو ليساهموا في بناء الاقتصاد الفلسطيني، وليس دفعهم إلى العودة من حيث أتوا بإجراءاتٍ بيروقراطية ومحاولات من بعض المنتفعين استغلال هؤلاء المستثمرين لتحقيق مكاسب ذاتية، وبالتالي خسرنا الكثير الكثير من المشاريع التي لو تمّتْ لكانت استوعبت آلاف العمّال ولما اضطروا كما قلت سابقاً إلى استجداء العمل في "إسرائيل" وفي المشاريع الاستيطانية وفي بناء الجدار.. هذا من جهة، ومن جهة أخرى كذلك فقد كان بإمكان المسؤولين إقامة مشاريع بأموال الدعم والمساعدات..

 

الجميع الآن يبكون على حال قدسنا ومناطقنا الفلسطينية، يبكون على تهويد القدس والمستوطنات التي طوّقتها من كلّ جهة والتي نسمع عن إقامة المزيد منها كلّ يوم.. يبكون على حالنا بعد إقامة الجدار العنصري الذي ذبح اقتصادنا من الوريد إلى الوريد... يبكون ولكنْ وللأسف حتى لا يعضّون أصابع الندم على ما جرى وما يجري... على وصولنا إلى هذه المرحلة البائسة اليائسة.. لماذا لم يعوا هذه الأمور منذ البداية ولم يسارعوا إلى تصحيح الأمور قبل تفاقمها وقبل أنْ نبني بأيدينا خراب بيوتنا...؟!

 

الوقت لم يفُتْ بعد، وما دمنا نقول يجب أنْ نحارب تهويد القدس فيجب إذاً أنْ نتصرّف.. فمن أموال الدعم التـي تصل إلى القدس يجب إقامة مشاريع تستوعب عمّالنا فلا يضطرون إلى اللجوء للعمل في المستوطنات وفي الجدار.. فإنه لعيْبٌ، بل أكبر عيْبٍ أنْ نترك الوضع على ما هو عليه الآن، فلنرَ ما سيقوم به المسؤولون عن القدس لدى السلطة وما ستقوم به اللجان التي عُيّنَت لمواجهة تهويد القدس وما سيفعله العالم العربي تجاه المدينة.. فهذا أحد أسلحة مواجهة التهويد بل هو أهمّها، فهل نستعمله أم نظلّ نبكي على حالنا ولا نفعل شيئاً إلا الكلام ورفع الشعارات؟!

* كاتبة وصحافية في مجلة البيادر المقدسية.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

شعرٌ للقدس (الجزء الرابع)

التالي

عنصرية "إسرائيل" ونفاق العالم بين جرافة القدس وحافلة شفا عمرو

مقالات متعلّقة

تغول الاستيطان الإسرائيلي بين الدعم الأمريكي والمواقف العاجزة

 الخميس 12 كانون الأول 2019 - 5:34 م

تعرّف على الخطوات الأمريكية، وكيف كان الرد الشعبي عليها؟

 الثلاثاء 10 كانون الأول 2019 - 2:26 م

الفصل الثالث| عين على الأقصى 2019

 الإثنين 9 كانون الأول 2019 - 3:46 م

تخريب أفق القدس

 الأربعاء 4 كانون الأول 2019 - 3:52 م

الفصل الثاني| عين على الأقصى 2019

 السبت 30 تشرين الثاني 2019 - 4:35 م

الفصل الأول| عين على الأقصى 2019

 الإثنين 25 تشرين الثاني 2019 - 1:27 م

شذرات من الحركة العلمية في القدس إبان العصور الإسلامية

 الخميس 14 تشرين الثاني 2019 - 3:09 م

الأونروا في شرق القدس

 الأربعاء 13 تشرين الثاني 2019 - 5:10 م

 

للاطلاع على أرشيف إصدارات المؤسسة، اضغط هنا 

براءة درزي

بأيدينا نعيد القدس!

الخميس 5 كانون الأول 2019 - 1:22 م

ترزح القدس اليوم تحت الاحتلال الإسرائيلي الذي يعمل على أن يزوّر تاريخ المدينة، وإعادة صياغة حاضرها، ليكون مستقبلها متوافقًا مع روايته، التي تلغي وجودًا عربيًا وإسلاميًا ضاربًا في عمق التاريخ، مستندة إ… تتمة »

براءة درزي

بلال وبهاء.. السّابقون على طريق الأقصى

الأحد 13 تشرين الأول 2019 - 12:11 م

 لم يكن العرس الفلسطيني الذي خرج الشابان بلال أبو غانم وبهاء عليان لعزف أنغام أهازيجه كأيّ عرس آخر. فبعد أسبوعين من انطلاق انتفاضة القدس، امتشق بلال وبهاء سكينًا ومسدسًا وأخبر كلٌ منهما والدته أنّه ذا… تتمة »